.

أخبار الفن – إيران بين التاريخ الخفي للصراعات الدولية وسردية الحاضر

تهاني احمد10 مارس 2026
أخبار الفن – إيران بين التاريخ الخفي للصراعات الدولية وسردية الحاضر


دستور نيوز

تشكل العلاقة بين إيران والقوى الغربية واحدة من أكثر القضايا تعقيدا في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. وتكشف الأحداث التي شهدتها البلاد منذ منتصف القرن العشرين عن شبكة متشابكة من التدخلات الدولية، والانقلابات السياسية، والتحولات الاجتماعية العميقة. في قراءة تحليلية يقدمها الصحفي التركي يلماز أوزديل، في مقالته بصحيفة سوزجو التركية، يعاد تسليط الضوء على نقاط التحول في تاريخ إيران، بدءا من تجربة رئيس الوزراء محمد مصدق وانتهاء بصعود آية الله الخميني، ضمن سياق أوسع يتعلق بدور المخابرات الدولية في رسم مسار الأحداث.

تجربة ديمقراطية قصيرة والانقلاب النفطي

في أوائل الخمسينيات، شهدت إيران تجربة سياسية اعتبرت آنذاك محاولة أولية لترسيخ ملامح النظام الديمقراطي. وكان رئيس الوزراء محمد مصدق أبرز شخصيات تلك المرحلة، إذ تبنى خطاباً سيادياً يقوم على مواجهة الهيمنة الأجنبية على الموارد الوطنية.

وكانت أهم خطواته هي تأميم صناعة النفط الإيرانية، التي كانت تحت سيطرة الشركات البريطانية والأمريكية بشكل شبه كامل. ومثل هذا القرار تحديا مباشرا للمصالح الغربية في المنطقة، حيث كانت إيران في ذلك الوقت أحد أهم مصادر الطاقة العالمية.

ولم يقتصر تأثير القرار على المجال الاقتصادي؛ بل أدى إلى أزمة سياسية عميقة داخل البلاد. ووجد شاه إيران آنذاك محمد رضا بهلوي نفسه في موقف ضعيف أمام شعبية مصدق المتزايدة، مما دفعه إلى مغادرة البلاد مؤقتا والتوجه إلى إيطاليا حيث أقام في روما.

لكن الصراع لم ينته عند هذا الحد.

عملية أياكس: انقلاب المخابرات

ويعتقد يلماز أوزديل أن رد الفعل الغربي جاء سريعا. تعاونت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مع جهاز المخابرات البريطاني لتنفيذ خطة سرية للإطاحة بحكومة مصدق.

استغرقت العملية، المعروفة باسم عملية أجاكس، حوالي عامين من الإعداد. وقد اشتملت على تمويل واسع النطاق للشبكات المحلية، وشراء الولاءات السياسية، وتنظيم احتجاجات جماهيرية ظهرت علنًا على أنها انتفاضة شعبية.

قاد العملية مسؤول وكالة المخابرات المركزية كيرميت روزفلت. وفي عام 1953، نجحت الخطة: تمت الإطاحة بحكومة مصدق في انقلاب عسكري، وتم اعتقاله ومحاكمته بتهمة الخيانة.

وبعد سقوطه، عاد الشاه من منفاه في روما إلى طهران، ليعيد فرض سلطته المطلقة ويحل البرلمان، معلناً بداية مرحلة جديدة من الحكم الفردي.

وكان قراره الأول هو توقيع اتفاقية نفطية جديدة أعادت للشركات الأميركية والبريطانية حصة كبيرة من النفط الإيراني.

إيران الشاه: ثروة السلطة وبذخ المحكمة

وفي ظل حكم الشاه، شهدت البلاد تناقضا صارخا بين مظاهر الثراء الفاحش داخل الديوان الملكي والظروف الاجتماعية الصعبة التي تعيشها قطاعات واسعة من المجتمع.

وبحسب رواية أوزديل، كان الشاه يقيم حفلات أسطورية تستحضر أجواء ألف ليلة وليلة. تم إعداد الولائم من قبل طهاة تم جلبهم خصيصًا من باريس، وحتى أطقم الخدمة تم نقلها بطائرات خاصة.

وكانت المجوهرات الفاخرة والهدايا الثمينة جزءًا من هذه المناسبات، واستخدم الشاه وحدة احتفال ضخمة تضم حوالي 1700 فرد لاستقباله في المناسبات الرسمية.

وفي عام 1967، أعلن نفسه إمبراطورًا لإيران، ومنح زوجته الثالثة فرح ديبا لقب الإمبراطورة. أما التاج الذي ارتدته في تلك المناسبة فقد صممته دار فان كليف أند آربلز، واحتوى على أكثر من 1500 حجر كريم، بما في ذلك الماس والزمرد والياقوت.

ورغم هذه المظاهر، كان الشاه يمتلك إمبراطورية اقتصادية واسعة تضم ما يقرب من ثلاثمائة شركة في مختلف القطاعات، ويقدر أن ثروته الخارجية بلغت نحو 36 مليار دولار عندما غادر البلاد لاحقا.

سافاك: أمن الدولة تحت إشراف دولي

وكان أحد أهم ركائز حكم الشاه هو جهاز المخابرات المعروف باسم السافاك.

تم إنشاء هذا الجهاز بمساعدة مباشرة من وكالة المخابرات المركزية وجهاز المخابرات البريطانية، وكان يقوده ضابط إيراني كبير، لكنه كان يعمل ضمن نظام تدريب وإشراف غربي.

ووفقاً لاقتراح أوزديل، تم تدريب أكثر من 100 ألف إيراني للعمل ضمن شبكات السافاك. ونتيجة لذلك، كانت أجهزة الاستخبارات الغربية على دراية واسعة بما يجري داخل المجتمع الإيراني.

وفي هذا السياق يطرح الكاتب سؤالاً أساسياً: لو كانت هذه الأجهزة على علم بكل شيء داخل إيران، فهل كان من الممكن أن تكون غافلة عن النشاط المتزايد لرجل الدين الذي سيقود الثورة الإسلامية لاحقاً؟

ظهور الخميني وصعود المعارضة الدينية

في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، برز رجل الدين روح الله الخميني كأحد أبرز المعارضين للنظام الملكي.

وكان الخميني يدعو إلى إقامة نظام سياسي يقوم على السلطة الدينية بدلا من الملكية أو الديمقراطية الغربية. ومع اتساع الفجوة الاجتماعية بين السلطات والشعب، بدأت خطبه تلقى صدى لدى الفئات الفقيرة.

وفي الوقت نفسه، كان الشاه يطلق مشروعاً إصلاحياً عرف باسم “الثورة البيضاء”، والذي تضمن توسيع حقوق المرأة ومنحها حق التصويت، إلى جانب خطط للتنمية الاقتصادية وإصلاحات سوق العمل.

لكن القرار الأكثر إثارة للجدل كان مشروع الإصلاح الزراعي، الذي نص على مصادرة مساحات واسعة من الأراضي التي كانت تحت سيطرة المؤسسات الدينية وتوزيعها على الفلاحين.

وأدى هذا القرار إلى صدام مباشر مع المؤسسة الدينية، وساهم في تعزيز مكانة الخميني بين رجال الدين المحافظين.

الاعتقال ثم النفي: محطة تركيا

وفي عام 1962، ألقي القبض على الخميني وسجن لمدة عام ونصف. لكن ما حدث بعد إطلاق سراحه أثار العديد من التساؤلات.

وبدلاً من إعدامه أو إبقائه في السجن، تم ترحيله إلى تركيا في نوفمبر 1964. وتم نقله بطائرة عسكرية إيرانية إلى مطار إسنبوغا في أنقرة، حيث استقبلته المخابرات التركية.

وتم إيواؤه في البداية في فندق قصر بولفار في العاصمة التركية، قبل نقله إلى منزل آمن للاستخبارات.

وكان رئيس تركيا في ذلك الوقت هو الجنرال جمال كورسيل، أحد قادة انقلاب 1960، بينما كان جهاز المخابرات التركي يقوده ضباط من بينهم فؤاد دوغو.

وبعد أيام قليلة، نُقل الخميني إلى بورصة، حيث أقام في منزل ضابط تركي يُدعى علي شتينر. واستمرت إقامته هناك نحو أحد عشر شهرا.

الحياة في المنفى بين التوتر الثقافي والتكيف

وفي تلك الفترة شهدت حياة الخميني في تركيا تفاصيل لافتة للنظر. وكان يعيش مع عائلة الضابط التركي، وظهرت خلافات ثقافية واضحة بينه وبين أفراد الأسرة، خاصة بسبب رفضه وجود نساء غير مكشوفات في المنزل.

لكن مع مرور الوقت تحولت العلاقة إلى نوع من التفاهم، رغم الاختلافات الفكرية.

وخلال إقامته في تركيا، زار الخميني عدة مدن منها إسطنبول وإزمير، كما قام بجولة في بورصة.

وفي النهاية غادر تركيا إلى مدينة النجف العراقية، ثم بعد ذلك إلى باريس، حيث استمر نشاطه السياسي حتى اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، التي أطاحت بالشاه.

قراءة المفارقة التاريخية

وفي ظل هذا التسلسل التاريخي، يرى يلماز أوزديل أن مسار الأحداث في إيران يكشف عن مفارقة لافتة للنظر. أما القوى الدولية التي ساهمت في إسقاط حكومة مصدق ودعمت حكم الشاه، فقد وجدت نفسها فيما بعد في مواجهة نظام سياسي جديد برز في سياق هذه التحولات المعقدة.

ومع مرور العقود، تحولت إيران إلى أحد أبرز المعارضين للولايات المتحدة في المنطقة، رغم أن العديد من مراحل صعود النظام الحالي ارتبطت تاريخيا ببيئة سياسية وأمنية تشكلت في ظل توازنات الحرب الباردة.

ملخص

تكشف تجربة إيران الأخيرة عن تداخل عميق بين العوامل الداخلية والتدخلات الدولية في تشكيل مسار الدولة. ويظهر أيضًا أن التحولات الكبرى في الشرق الأوسط غالبًا ما تنشأ من تفاعلات معقدة تتجاوز الروايات التبسيطية للصراع السياسي.

#إيران #بين #التاريخ #الخفي #للصراعات #الدولية #وسردية #الحاضر

إيران بين التاريخ الخفي للصراعات الدولية وسردية الحاضر

– الدستور نيوز

اخبار الفن – إيران بين التاريخ الخفي للصراعات الدولية وسردية الحاضر

المصدر : turkiyetodays.com

.