.

أخبار الفن – الانتقام أم الإنسانية؟ سؤال الأخلاق في الفيلم الإيراني “حادثة غير مرئية”.

تهاني احمد5 فبراير 2026
أخبار الفن – الانتقام أم الإنسانية؟ سؤال الأخلاق في الفيلم الإيراني “حادثة غير مرئية”.


دستور نيوز

يبدأ فيلم «حادث غير مرئي» للمخرج الإيراني جعفر بناهي بحادثة هامشية على ما يبدو: سيارة تسير ليلاً على طريق ترابي مظلم تصطدم بكلب ضال. تتلخص الحادثة في عبارة تبرير مألوفة: “مجرد حادث”. لكن هذه الجملة، كما يرى نديم هرار، سرعان ما تصبح مفتاحاً تفسيرياً للفيلم بأكمله، إذ سرعان ما يتبين أن ما يبدو عرضياً ليس إلا الشرارة الأولى لعملية طويلة من المواجهة مع الماضي، ومع ذاكرة لم تغلق ملفاتها.

العائلة المتضررة من الحادث: رجل مبتور الأطراف، وزوجته الحامل، وابنتهما. تعطلت سيارتهم أمام ورشة متهالكة. وهناك يتدخل عامل بسيط يدعى وحيد، لكن صوت احتكاك الساق الصناعية يعيد له فجأة تجربة تعذيب قديمة عاشها وهو معصوب العينين. ومن هذه اللحظة تبدأ الشكوك: هل الرجل الذي أمامه هو جلاده السابق، ضابط المخابرات المعروف بـ«الأعرج»، أم أن الذاكرة تخدعه؟

الشك كبنية درامية

وبحسب قراءة نديم بوير، فإن بناهي لا يتعامل مع هذا السؤال باعتباره لغزا بوليسيا تقليديا، بل يحوله إلى اختبار أخلاقي طويل. يتعمد المخرج تأجيل القرار، ويزرع إشارات مرئية وصوتية تزيد من الغموض: إضاءة حمراء شديدة، إشارات إلى عزلة العائلة، وجوه لم تنكشف بالكامل. وهذا التردد لا يخص شخصًا واحدًا فقط، بل يمتد إلى المتلقي نفسه.

وحيدًا، مدفوعًا بقناعة داخلية، يختطف الرجل في وضح النهار ويستعد لقتله، قبل أن يواجه إنكارًا حاسمًا من الضحية المفترضة، مدعومًا بتفاصيل جسدية لإصابة في ساقه مؤخرًا. وهنا يتصدع اليقين بالانتقام، ويفتح الشك الباب أمام طريق آخر: البحث عن شهود من نفس الذاكرة.

رحلة جماعية في ذاكرة التعذيب

وحيد يقرر استدعاء آخرين شاركوه تجربته في الاعتقال السياسي. تظهر شخصيات جديدة: مصور زفاف يُدعى شفاء، وعروس شابة تُدعى جولي، ورجل يُدعى حميد. وتتحول القصة بحسب وصف نديم بحار إلى فيلم طريق عبثي، حيث تتجمع شخصيات متنافرة داخل حافلة صغيرة، بينما يختبئ الرجل المختطف في صندوق الأدوات.

تحاول كل شخصية التعرف على “الرجل الأعرج” بطريقتها الخاصة: من خلال الصوت أو الرائحة أو اللمس أو الندوب. ويؤكد هوار أن هذه الذاكرة الحسية تكشف كيف يتجذر التعذيب في الجسد قبل العقل، وكيف يظل حيا رغم مرور السنين.

العبثية كأداة للإدانة

على مدار أربع وعشرين ساعة، تتكشف أحداث غير متوقعة: تعطل حافلة، وولادة مفاجئة، ودفع رشاوى، وتنفجر الخلافات ويتم حلها بسخرية سوداء. هذه التفاصيل، في قراءة نديم بحار، لا تضعف الرسالة السياسية، بل تعمقها، فهي تظهر كيف يتعايش العنف الكبير مع الفساد اليومي الصغير، وكيف تختلط القرارات الأخلاقية المصيرية بممارسات أصبحت طبيعية داخل نظام الأزمات.

الأسلوب البصري، وخاصة حركات الكاميرا الأفقية المستمرة، يعزز الشعور بالخوف من الأماكن المغلقة وعدم اليقين، ويحول الرحلة إلى محاكمة غير رسمية للسلطة التي أساءت استخدام سلطتها، وللآثار طويلة المدى لذلك.

المقارنة الدلالية: من “جولسو” إلى “الحادث الخفي”

ويعتقد نديم ههار أن فهم فيلم بناهي يصبح أعمق عند مقارنته بفيلم جون ستيوارت “جولسو” الذي تناول تجربة الصحفي مازيار بهاري داخل سجن إيفين. كلا الفيلمين يتناولان التعذيب السياسي، لكن من زاويتين متعارضتين مؤقتاً. يغوص «غولسو» في التجربة فور حدوثها، فيما يعود «حادثة غير مرئية» بعد سنوات، إلى لحظة الحساب المؤجل.

الذاكرة الحسية موجودة في كلا العملين، لكن استخدامها يختلف: يستخدمها ستيوارت لوصف العجز، ويستخدمها بناهي لاختبار العدالة والانتقام. الفرق في اللهجة واضح أيضًا. وبينما يميل غولسو نحو خطاب إنساني عام، يختار بناهي المواجهة المباشرة مع النظام الإيراني، دون غموض.

السيرة الذاتية للمخرج داخل النص

وفي تحليل نديم ههار، فإن الفيلم لا ينفصل عن سيرة جعفر بناهي نفسه. المخرج الذي ألقي القبض عليه وتعرض لمعاملة سيئة وحكم عليه بالمنع من العمل والسفر، يقدم في هذا الفيلم ملخصًا لتجربته الشخصية. الشخصيات المختلفة هي مجرد وجوه متعددة لذات واحدة، تبحث عن طريقة للبقاء إنسانًا تحت القمع.

السؤال الأخلاقي المركزي للفيلم، كما يقول Beware، هو: كيف يمكن للضحية أن تحافظ على إنسانيتها عندما يتم دفعها لاستخدام أدوات جلادها؟ يتوج هذا السؤال بمونولوج حميد في الصحراء، حيث يتم إدانة الصمت والحياد والرغبة في النسيان باعتبارها استراتيجيات للبقاء ولكنها مكلفة أخلاقيا.

السجن باعتباره استعارة رئيسية

يقرأ نديم بوير الفيلم باعتباره استعارة متعددة الطبقات للسجن: صندوق الأدوات، والحافلة، والصحراء المفتوحة، وحتى الذاكرة نفسها. بناهي، الذي عرف السجن الفعلي والمنزلي والرمزي، يجعل من «سجن الذاكرة» الأكثر قسوة، لأنه لا يفتح بقرار إداري، ولا يغلق عند انتهاء العقوبة.

الفساد اليومي وتشريع الرشوة

ومن أكثر الجوانب الواقعية في الفيلم، بحسب Beware، كثرة ظهور الرشوة المغلفة باسم «الهدايا». وهذا التفصيل لا يأتي صدفة، بل يعكس بنية اجتماعية أصبح فيها الفساد جزءا من آليات العيش. ويربط الفيلم العنف السياسي الكبير بهذه الممارسات الصغيرة، ليطرح سؤالا أوسع: من هو الجلاد الحقيقي؟ هل هو فقط رجل التعذيب أم النظام بأكمله؟

الصدى الإقليمي: إيران وتركيا

يوسع نديم ههار دائرة التحليل ليقارن السياق الإيراني بتجارب مماثلة في تركيا، حيث لا تزال حالات التعذيب والانتهاكات مجهولة المصير. وفي كلا البلدين، تعطلت العدالة الرسمية، وظلت الذاكرة الفردية والجماعية هي المساحة الوحيدة للمساءلة.

نجاح عالمي ومفارقة سياسية

عُرض فيلم “حادثة غير مرئية” في مهرجان كان السينمائي 2025، وفاز بالسعفة الذهبية وسط إشادة واسعة من النقاد، قبل أن تختاره فرنسا ممثلا لها في سباق الأوسكار، ويتلقى ترشيحات بارزة في جوائز عالمية. المفارقة، كما يشير بيوير، هي أن الفيلم الذي تم إنتاجه سرا لمخرج ممنوع من العمل في بلاده، أصبح رمزا عالميا للحرية الفنية.

ملخص

ويرى نديم هرار أن «حادثة غير مرئية» ليس مجرد فيلم تشويق، بل شهادة سينمائية على أن الذاكرة لا تسقط بالتقادم، وأن العدالة قد تنقطع لكنها لا يمكن محوها. ويؤكد الفيلم أن الجلاد مهما تغيرت ملامحه يظل أسير خوفه من لحظة الانكشاف الحتمية.

#الانتقام #أم #الإنسانية #سؤال #الأخلاق #في #الفيلم #الإيراني #حادثة #غير #مرئية

الانتقام أم الإنسانية؟ سؤال الأخلاق في الفيلم الإيراني “حادثة غير مرئية”.

– الدستور نيوز

اخبار الفن – الانتقام أم الإنسانية؟ سؤال الأخلاق في الفيلم الإيراني “حادثة غير مرئية”.

المصدر : turkiyetodays.com

.