دستور نيوز

قد يظن البعض أن إجابة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات كانت عفوية حين سئل وهو يغادر بيروت عام 1982 “إلى أين الآن؟” فأجاب “إلى فلسطين”. لكن الأمر لم يكن كذلك، فقد كانت فترة إقامته في تونس انتقالية نحو حل سلمي كان يجري الإعداد له، تقوم بموجبه الدولة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وقد يظن البعض أن خطاب السلام الذي تبنته المنظمة في مرحلة تونس، وما تلاها، كان مفاجئاً، لكنه لم يكن كذلك؛ فوفقاً للعديد من المؤشرات فإن هذا الحل كان مطروحاً حتى في ذروة الكفاح المسلح لمنظمة التحرير الفلسطينية. وبالعودة إلى خطاب عرفات في الأمم المتحدة عام 1974، يجد المتابع أنه طرح السلام برسالة مبطنة، من خلال عبارة كتبها له الشاعر الراحل محمود درويش، قال فيها “جئت حاملاً في يدي غصن زيتون، وفي اليد الأخرى بندقية مقاتل”. “لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي”. وهناك أدلة أخرى، مثل تكليف عرفات لمبعوث منظمة التحرير الفلسطينية في لندن الدكتور سعيد حمامي بإثارة دعوات التعايش والسلام بين الفلسطينيين من جهة، وبين الإسرائيليين المتحمسين للسلام من جهة أخرى، من خلال مقالاته وخطاباته هناك، مما أدى إلى اغتياله عام 1978؛ في ذلك الوقت كان لا يزال اقتراح السلام مرفوضاً لدى الشعب الفلسطيني والشعوب العربية. والشيء نفسه كان صحيحاً بالنسبة للدكتور الشهيد عصام السرطاوي، الذي كان مستشاراً لعرفات ومبعوث منظمة التحرير الفلسطينية في البرتغال، والذي بدأ محادثات السلام عام 1976 مع الإسرائيليين المؤمنين بمشروع الدولة الفلسطينية، مما أدى إلى اغتياله عام 1983. ويقول دينيس روس في كتابه “السلام المفقود” إن عرفات أخبره أنه كان على وشك الانضمام إلى الرئيس المصري أنور السادات في عملية السلام، لولا خوفه من انزعاج الأنظمة العربية من مثل هذه الخطوة. ولعل ما سبق يربك البعض بشأن ثنائية الخطاب السياسي الفلسطيني، ليس في مرحلة تونس وما تلاها فحسب، بل وحتى في مرحلة بيروت؛ ففي الوقت الذي كان فيه هدير السلاح يصم الآذان، كان الحل السلمي أيضاً على الطاولة. وهذا ما يفسره القيادي الراحل في الجبهة الديمقراطية ممدوح نوفل في حديثه مع برنامج “قصة ثورة” الذي تقدمه قناة الجزيرة الوثائقية قبل أكثر من عقد من الزمان؛ حيث يصف عرفات بأنه شخص يفتح نوافذه للجميع، وأنه لا يغلق نافذة؛ في حال قدم له كل فرد شيئاً قد يفيد القضية الفلسطينية، ولم ينجح الآخر في تقديمه. أما لماذا انطلق خيار السلام رسمياً وعلى مرأى ومسمع الجماهير منذ محادثات مدريد وما نتج عنها في أوسلو، فهناك عدة عوامل ربما أدت إلى ذلك، منها وقف الكفاح المسلح فور خروجه من بيروت؛ حيث اشترطت القوات الدولية على المقاتلين الفلسطينيين تسليم أسلحتهم قبل مغادرتهم على متن الناقلة اليونانية وغيرها، بالإضافة إلى تفريق المقاتلين الفلسطينيين؛ وبحسب وزارة الخارجية الأميركية فقد توزعوا على النحو التالي: 970 مقاتلاً إلى تونس، و261 إلى الأردن، و136 إلى العراق، و1093 إلى جنوب اليمن، و841 إلى شمال اليمن، و448 إلى السودان، و588 إلى الجزائر، و3900 إلى سوريا. وفتحت تونس ذراعيها لاستقبال قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، دون تردد؛ وكما يقول وزير الخارجية التونسي الأسبق الباجي السبسي، كانت من المرات القليلة التي اختار فيها الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة خياراً خارجياً دون استشارته، وسارعت زوجة الرئيس وسيلة بن عمار بنفسها لاستقبال المقاتلين والجرحى والقادة وهم يتوافدون واحداً تلو الآخر؛ مشجعة إياهم وواعدة إياهم بالنصر والاستقلال الوشيك مثل تونس والجزائر. إلا أن شروط تونس كانت واضحة في هذا السياق؛ لقد تم استقبال القادة وعائلاتهم في مناطق فاخرة مثل سيدي بوسعيد، ولكن القوات المسلحة الفلسطينية التي لم يتجاوز تعدادها في تونس 970 مقاتلاً حسب الأرقام المذكورة اشترطت أن يتمركزوا في مناطق بعيدة عن مراكز السكن والتجمع بما في ذلك حمام الشط، ومن دون خلق حالة من العسكرة. لذلك كانت القيادة الفلسطينية في وضع لا تحسد عليه: فالبعد الجغرافي عن فلسطين أصبح هذه المرة أكبر، ورفعت يدها عنوة عن أي نشاط مسلح منذ خروجها من بيروت، بالإضافة إلى عامل حرب الخليج الذي برز لاحقاً؛ حيث اندلعت الحرب خلال عامي 1990-1991، فراهنت القيادة الفلسطينية على الحصان الخاسر: صدام حسين، مما أدى لاحقاً إلى تجاهلها وتهميشها من قبل العرب، بالإضافة إلى وقف تدفق التمويل الخليجي الذي كانت المنظمة تتلقاه بشكل شبه مستمر، بالإضافة إلى إبعاد ما يقرب من نصف مليون فلسطيني من الكويت. كان هناك مخرج عفوي خلال تلك الفترة، وهو الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت عام 1987. وكانت انتفاضة شعبية شاركت فيها كافة فئات الشعب الفلسطيني. إلا أن القيادة الفلسطينية حاولت فيما بعد استغلالها لتحقيق تقدم سياسي للفلسطينيين. وكان الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد) في مقدمة من عملوا على هندسة الانتفاضة وتنظيم عملياتها، مما أدى إلى اغتياله لاحقاً في عام 1988، في أعقاب عملية مفاعل ديمونا التي خطط لها. ولم يمكث الفلسطينيون طويلاً بعد اندلاع انتفاضتهم حتى بادر الرئيس الأميركي السابق جورج بوش إلى طرح مقترحات لدعم عملية السلام المقصودة. وانطلقت محادثات مدريد في نوفمبر/تشرين الثاني 1991، وترأس الدكتور حيدر عبد الشافي الوفد الفلسطيني في تلك المحادثات، التي أدت فيما بعد إلى إبرام اتفاقات أوسلو. ورغم خوف عرفات من أن يعتبر نجوم محادثات مدريد الدكتورة حنان عشراوي والدكتور حيدر عبد الشافي وفيصل الحسيني قيادة بديلة للمنظمة، إلا أن الخطاب السياسي الذي ميز تلك المحادثات عبر عن رؤى وتوجهات رئيس المنظمة ياسر عرفات، ولم يبتعد قيد أنملة عن مظلة عرفات. ويقول نوفل عن الوفد الفلسطيني الذي كتب الخطاب الرسمي في محادثات مدريد: “الخطاب الذي ألقاه حيدر عبد الشافي كتبته حنان عشراوي، وساهم فيه ممدوح نوفل ونبيل شعث وأكرم هنية، ولكن في النهاية أرسل الخطاب إلى تونس وانتظرنا حتى الخامسة صباحاً حتى وصل (بفضل الله) بخط يد عرفات مع التصحيحات”. ومع اغتيال صلاح خلف (أبو إياد) وأبو جهاد، ترنحت المنظمة كثيراً؛ كان أبو جهاد العقل المدبر للتنظيم وصانع خطابه وتوجهاته، وخاصة فيما يتعلق بالتعامل مع الأنظمة العربية، بينما كان أبو جهاد العقل المدبر وراء العمليات التي تبنتها المنظمة، الخفية والمعلنة. وفي سنواته الأخيرة، روج أبو جهاد لخطاب التنظيم الهادف إلى ترسيخ عملية السلام. وقد اتسم الخطاب الجديد بعدة سمات، مثل ربط الظلم الذي وقع على الفلسطينيين بما تعرض له اليهود خلال المحرقة النازية، بالإضافة إلى تحليل الآليات الداخلية لمجتمع الاحتلال الإسرائيلي، مثل أصول اليهود والمعاملة التي يتلقونها، والفجوة بين أبناء الكيان الإسرائيلي وقيادته، بالإضافة إلى إعطاء الأولوية لنبرة التفاؤل والأمل والتسامح في الخطاب الفلسطيني، وتقليص، إن لم يكن تحييد، النبرة الثورية التي ميزت الخطاب في المراحل السابقة. كما كان أبو جهاد من القيادات التي واجهت نوعًا خاصًا من الخطاب الفلسطيني، وتحديدًا فيما يتعلق بالانتفاضة؛ لقد عزز أبو جهاد التوجه القائل بأن إقامة الدولة الفلسطينية جزء من النضال الوطني الفلسطيني وليس العكس، وأن الانتفاضة لها مطالب سياسية وليست عبثية، وهو ما ذهب إليه أبو إياد سابقاً حين ركز على قيمة حياة الفرد الفلسطيني، وأن النضال مقصود وهدفه ليس استنزاف حياة الفلسطينيين دون تحقيق هدف ملموس على الأرض. لا بد أنني كنت أحلم كثيراً في الماضي. فحين كنت على وشك كتابة شيء عن خطاب منظمة التحرير الفلسطينية الحالي، تذكرت عبارة قالها مهاجر أميركي ذات مرة عن دولة عربية: “هناك صمت وهدوء، لكنه صمت وهدوء الموتى”.
عواطف في خطاب منظمة التحرير الفلسطينية
– الدستور نيوز