دستور نيوز

هبة بيضون – تفاقمت الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الوطنية الفلسطينية في الآونة الأخيرة نتيجة عوامل عديدة، حيث تشكل أموال المقاصة الجزء الأكبر من إيرادات السلطة الوطنية الفلسطينية، وهي عائدات الضرائب والجمارك على البضائع الفلسطينية المستوردة إلى الأراضي الفلسطينية، والتي تجمعها إسرائيل نيابة عنها، وفقا لبروتوكول أو اتفاقية باريس لعام 1994، والتي تتطلب من إسرائيل نقلها شهريا. إضافة إعلان وتحت عدة حجج، تحتجز إسرائيل هذه الأموال، منها الرد على ما تسميه “الإرهاب الفلسطيني”، والذي يتضمن دفع رواتب السلطة لعوائل “الشهداء”، كما أنها تعاقب السلطة على “مواقفها السياسية” مثل التوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية. وتستخدم إسرائيل أموال المقاصة كوسيلة للضغط على السلطة الفلسطينية لقبول شروطها وتقديم التنازلات. وفي ضوء ذلك، فإن حجب هذه الأموال وعدم تسليمها للهيئة شكل أحد العوامل الأساسية للأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها الهيئة. أما فيما يتعلق بتحصيل الضرائب من قبل السلطة في بعض المناطق، فإن هناك ضعفا في هذا الإنجاز، خاصة في قطاع غزة. وتعاني الهيئة من ارتفاع النفقات سواء المتعلقة برواتب الموظفين أو الخدمات الأساسية التي تقدمها، فضلا عن تخصيص ميزانيات كبيرة لحملات أو مشاريع تحت مسميات عديدة، دون تحقيق نتائج ملموسة ملموسة لهذه المشاريع الفرعية التي تشكل عبئا كبيرا على الموازنة، في وقت كان من الممكن توجيه هذه التخصيصات الكبيرة لتحقيق إنجازات حقيقية للسلطة والشعب الفلسطيني. كما لا يمكننا أن نتجاهل حقيقة ضعف الدعم المالي الدولي للسلطة، والذي انخفض بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، سواء كان ذلك من الدول العربية الشقيقة التي التزمت بتقديم مساعدات دورية، أو من المجتمع الدولي. الذي تخلى عن مسؤولياته في هذا السياق. ومن أبرز الآثار الناجمة عن ذلك، التأخر في دفع رواتب الموظفين، حيث يضطر موظفو الهيئة إلى الانتظار لفترات طويلة للحصول على نسبة من رواتبهم، الأمر الذي أثر سلباً على حياتهم ومعيشتهم، نتيجة تراكم الديون على بعض الأشخاص وصعوبة الوفاء بالتزاماتهم. إن الوضع المالي المتردي الذي تعيشه الهيئة يتطلب طرح خيارات الحلول للخروج من هذه الأزمة أو على الأقل التخفيف من حدتها، بحيث تكون واقعية وقابلة للتطبيق. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يجب تخفيض النفقات التشغيلية للهيئة بمؤسساتها المختلفة قدر الإمكان، حتى لو تطلب الأمر تقليص حجم الحكومة ودمج وزارتين أو أكثر تحت مظلة واحدة. كما يجب الإسراع بترشيد النفقات قدر الإمكان، لا سيما تلك المتعلقة بالسفر والبعثات الخارجية، باستثناء… ما كان ضرورياً وأساسياً، فضلاً عن تقليل الإنفاق على السلع والخدمات غير الأساسية (الفخامة). كما يجب أن يكون هناك بحث فوري عن تمويل إضافي لتعويض انخفاض الإيرادات، مثل الحصول على المزيد من القروض من البنوك المحلية والعالمية، أو إصدار الشكل المناسب من السندات الحكومية. كما يمكن تحسين تحصيل الضرائب من خلال تعزيز كفاءة أجهزة التحصيل وتوسيع القاعدة الضريبية من خلال ضم المزيد من الأفراد والشركات بين دافعي الضرائب، مما سيؤدي إلى زيادة الإيرادات الضريبية، وتحقيق العدالة الضريبية، وتوزيع العبء الضريبي بين الفئات المختلفة للمساهمة في التمويل. السلطة. دون أن ننسى أهمية تحفيز النشاط الاقتصادي من خلال تقديم التخفيضات الضريبية للمؤسسات التجارية والأفراد الذين يساهمون في خلق فرص العمل وزيادة الإنتاجية. كما أنه من الضروري دعم القطاع الخاص وخلق بيئة جاذبة للاستثمار وتحفيز النمو الاقتصادي مما يفيد الخروج من الأزمة المالية. وعلى المدى الطويل، يجب البدء في إعادة هيكلة الاقتصاد، بما يشمل تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية. وتعزيز الاستقلال المالي من خلال تطوير المشاريع الاقتصادية المدرة للدخل، لتقليل الاعتماد على أموال المقاصة، وحتى لا تكون السلطة تحت رحمة «إسرائيل». ويجب أيضًا تحسين الشفافية والمساءلة في الإدارة المالية في جميع المؤسسات. أعلم أن ما ذكرته ليس بالأمر السهل، وهناك تحديات قد تواجه أياً من الخطوات المذكورة، منها معارضة بعض الفئات المتضررة من بعض الإجراءات المقترحة، وعدم الاستقرار السياسي الذي قد يشكل عائقاً أمام تنفيذ الإصلاحات الهيكلية . كما أن عدم الحصول على الدعم الدولي يشكل أحد هذه التحديات. لكننا لا نسعى إلى حلول سحرية، بل إلى التحسين التدريجي، وذلك من خلال اتباع خطط مدروسة وإصلاحات جادة تمكن السلطة الفلسطينية من الخروج من أزمتها المالية وتحقيق الاستقرار المالي على المدى الطويل. وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية دور المجتمع الدولي في دعم الجهود الفلسطينية للخروج من الأزمة المالية، من خلال تقديم المساعدات المالية للسلطة. كما نتوقع أن تترجم الدول الأوروبية التي اعترفت مؤخراً بالدولة الفلسطينية (إسبانيا، إيرلندا، النرويج) اعترافها فعلياً ليشمل دعم السلطة الفلسطينية وصمود الفلسطينيين في مواجهة التحديات، والحفاظ على ما تم إنجازه حتى الآن. لتطوير المؤسسات والنهوض بها، حتى ترقى إلى مؤسسات دولة مستقلة معترف بها، من خلال تقديم الدعم المالي المنتظم الذي يمكّن الهيئة من الوفاء بالتزاماتها. ويبقى الأمل أيضاً في أن يستأنف الأشقاء العرب الذين دعموا فلسطين تاريخياً ومالياً وسياسياً ثم أوقفوا دعمها المالي لأسباب معينة، تلك المساعدات وانتظامها في هذا الوقت الحرج الذي تمر به “فلسطين”، من أجل أن نتمكن من الخروج من هذه الأزمة المالية الخانقة، وهو أمر مهم. معالجتها في أسرع وقت ممكن. وعلينا أن نسعى إلى إيجاد حلول مستدامة تضمن استقرار السلطة الفلسطينية وتحقق التنمية الاقتصادية للشعب الفلسطيني الذي عانى كثيرا طوال سبعة عقود من الاحتلال.
خيارات السلطة الفلسطينية للخروج من أزمتها المالية..
– الدستور نيوز