.

في “النكبة والبقاء”.. المؤرخ مناع يروي تاريخ الجيل المتبقي من الفلسطينيين…

في “النكبة والبقاء”.. المؤرخ مناع يروي تاريخ الجيل المتبقي من الفلسطينيين…

دستور نيوز

يقول المؤرخ الفلسطيني الدكتور عادل مناع إن كتابه “النكبة والبقاء: قصة الفلسطينيين الذين بقوا في حيفا والجليل” (1948-1956)، هو “تاريخ جيل الفلسطينيين الباقين في وطن المغترب بعد النكبة”. والذي عانى من بعض أحداثه. نساء مثل جدتي زهرة، التي قتل الإسرائيليون زوجها وهدموا منزلها، خرجن بعد عام من الصدمة والحداد لغسل ملابس اليهود في حيفا وتنظيف منازلهم. “أشخاص عاديون” بقوا في منازلهم رغم المجازر والتهجير، وأصبح بعضهم لاجئين، لكنهم عادوا مع عائلاتهم إلى منازلهم، مع كل ما واجهوه من مشاق ومخاطر في طرق العودة الوعرة. عادوا من مخيمات اللاجئين ليربوا أولادهم في «وطنهم»، بعد أن ذاقوا مرارة الإهانات وذل اللجوء والتشرد. ويشير المؤلف إلى أن جيل الأمهات والآباء لم يكن جيلا مهزوما «منحنيا» بالمعنى السلبي للكلمة، بل كان جيلا عاش صراع البقاء بحكمة وغريزة من زرعوا. في الأرض الذين انحنوا أمام العاصفة حتى تمر، ثم نهضوا من بين الركام، فنفخوا حياة جديدة لأنفسهم ولأبنائهم وأحفادهم. ويعرض في سبعة فصول: الأول يتحدث عن النكبة ومعانيها المتعددة عام 1948، ويتضمن الفصل عناوين فرعية تتناول بدايات النكبة، والنكبة كما رآها سكان الجليل وعايشوها، بينما يستعرض الفصل الثاني استكمال احتلال الجليل في عملية “الحرام”، مشيراً إلى أسباب بقاء عدد كبير من سكان الجليل. وفي الفصل الثالث، تناول الشيوعيين العرب بين النكبة والنكبة الاستقلال، ويتناول الفصل الرابع استمرار التهجير بعد صمت البنادق، ويبين نجاح عدد مماثل من الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وقراهم والاستيطان فيها، أما الفصل الخامس فقد احتوى على قصص الناس وقصص القرى عنهم. تجارب ثلاث قرى حقق أهلها عودتهم، ويتناول الفصل السادس صراع البقاء بين السياسة والقضاء، أما الفصل السابع والأخير فيبين نجاح الشيوعيين في انتخابات 1949 بستة مقاعد وخسارتهم لثلاثة منها. في انتخابات 1959 بسبب عدائهم لجمال عبد الناصر. ويشير مناع إلى أنه اختار عرض القصص الشخصية والإنسانية لبعض شهود العيان دون ذكر أسمائهم أو هوياتهم، حيث طلب بعضهم عدم الكشف عن أسمائهم لأسباب ليس من الصعب فهمها، مشيراً إلى أنه لاحظ في هذه المقابلات أنهم كانوا مرتاحين لمشاركتي التفاصيل والأسرار التي تزعجهم، ولم يجدوا الفرصة للانفتاح على أحد بشأنها. وقالت إحدى النساء، وكانت مراهقة أو طفلة لم يتجاوز عمرها العشر سنوات بكثير عام 1948، إنها بعد أن هُدم منزل عائلتها أمام عينيها، عادت للتبول أثناء الليل كالطفلة. وبعد انتهاء الحرب كانت قد اقتربت من الثانية عشرة، فخافت جدًا من استمرار هذه المشكلة. وانشغلت الأسرة بهذه المشكلة الجديدة التي رافقتها منذ أكثر من عام. وكان أكبر همّ الأم: ماذا لو جاء عريس وخطب ابنتها وهي في هذا الوضع؟ وهذا مثال حي على كيف أثرت صدمة “الصدمة” وعمليات القتل وهدم المنازل والطرد والتعدي على السكان على الكبار والصغار، وبقيت هذه الآثار جرحا مفتوحا، وقراءة أقوال بعض شهود العيان صعبة للغاية ومحطمة للعظام. ويوضح المؤلف أن الأساطير المتعلقة بالتكوين والولادة يصعب تدميرها، لكن غالبية القراء ليسوا من المتعصبين الذين يؤمنون بأساطير 1948. وبعد أن قام باحثون عرب وإسرائيليون بتدمير بعض هذه الأساطير، ربما كانت مهمة هذا الكتاب سوف يكون من الأسهل. ويأمل أن يهز هذا الكتاب القراء الصهاينة ومؤيديهم، وأن يحركهم الحب. ويسعى الاستطلاع لمعرفة الحقائق. وقصص نكبة الفلسطينيين، وخاصة أولئك الذين بقوا في إسرائيل، «حاضرة وغائبة»، على غرار أوضاع اللاجئين المهجرين هناك. ومن دون قصص الفلسطينيين عموماً، وقصص من بقي في أراضي 1948 خصوصاً، يبقى الحوار بين طرفي الصراع أشبه بحوار الأطرش. «في البداية كانت القصة»، يقول مناع في مقدمة الكتاب، متحدثاً عن طفولته وكيف علم بما حدث في قرية مجد الكروم عام 1948. فيقول: «سمعت قصة ما حدث عام 1948 في مجد الكروم منذ الطفولة. من أبيه أولا ثم من أمه وأقاربه. وكانت الخطوط العريضة للقصة متشابهة، حيث تبدأ باحتلال اليهود للقرية ودخول بعض جنودهم إليها من الجهة الغربية بسلام. لكن الأمور انقلبت بعد أسبوع عندما جاء جنود آخرون من الشرق وهدموا المنازل وقتلوا شباناً في ساحة العين، رغم الصدمة. “وكانت العواقب الكبرى لتلك المجزرة هي بقاء أغلبية السكان في منازلهم وبلادهم. ولم تنته أحداث النكبة في قريتنا عند هذا الحد. فقد عاد جنود الجيش الإسرائيلي بعد شهرين من المجزرة، وهذه المرة وطرد المئات من السكان، ومن بينهم كاتب هذه السطور وولديه”. وعندما اشتدت عودته، كما يقول مناع، كتبت مقالاً نُشر في صحيفة «هآرتس» تضمن فقرة عن سيرتي الذاتية وأخرى عن قريته وما حدث هناك عام 1948. وردود الفعل المسيئة من القراء اليهود العاديين و لم يتأخر “المتخصصون” من جميع الأنواع في القدوم، لذا أسكتوا اهتمامي. لقد بحثت في الموضوع، وعلمت من تجربتي أنني كنت أقترب من لهيب النار. وفي كل مرة حاولت أن أروي قصة الفلسطينيين بشكل عام، ومن تبقى منهم في إسرائيل بشكل خاص، تعلمت الدرس، مشيراً إلى أنه ابتعد لسنوات عن هذا الموضوع الملتهب، المرتبط بالنكبة وتأثيرها على الشعب الفلسطيني. الفلسطينيين. وأضاف مناع: “إن قصة قريتنا عام 1948، وخاصة تفاصيل قصة تهجير عائلتنا وعيشنا في الشتات، انطبعت في ذاكرتي”. فهمت من قصص والدي وأقاربي أن الجنود الذين احتلوا قريتنا لم يكونوا في موقف دفاعي في مواجهة “الأعداء الأقوياء”. فرقة الجيش التي دخلت مجد، حافظت كروم العنب في الجزء من قرية البروة، والتي أصبحت “أحيهود”، على بنود اتفاق التسليم، ولم تلحق الأذى بالسكان بأي شكل من الأشكال. لكن جنوداً آخرين جاءوا من الشرق بعد أسبوع من التسليم، ونفذوا عمليات قتل في ساحة العين بدم بارد. ثم علمت من والدي وأقاربي أن مجزرة القرية لم تكن فريدة ولا فريدة من نوعها، بل حدث شيء مماثل في “عيلبون” وقرى أخرى في الجليل. ويتابع: “عندما عاد الجنود، بعد شهرين وأكثر من المجزرة، طلبوا من أبناء القرية التجمع لإجراء عملية “تفتيش وتحقيق”. وفي هذه العملية لم يقتل الجنود أحدا من السكان، بل طردوا المئات في شاحنات إلى وادي عارة، ومن هناك واصل المبعدون طريقهم سيرا على الأقدام إلى نابلس وجنين، فانضموا إلى عشرات الآلاف من اللاجئين هناك. عرفت من أحاديث أهلي عن حرب 1948 ونتائجها، وعن أول من أعدمه الجيش في قريتنا، وهو زوج جدتي أبو معيوف؛ جدتي زهرة، التي كان أهلها يسمونها “الجاعونية”، نسبة إلى قريتها “الجاعونة” التي أصبحت “روش بينا”. لم تكن جدتي تسكن في منزل، بل في غرفة كنا نسميها “الخشة”، بجوار منزل عمي أحمد”. ويقول المؤلف إنه يقدم قصة مجد الكروم كمثال جيد لمعاناة الأهالي الذين عانوا من سياسات القتل والتهجير، ومن ثم نجح بعضهم في العودة إلى ديارهم. قصة هؤلاء الأشخاص وأمثالهم في الجليل لم تكن مدرجة في الأدب التاريخي الإسرائيلي، وحتى أولئك الذين بقوا كانوا يخشون رواية قصصهم لأسباب كثيرة ومتنوعة. ولم يكن لدى الفلسطينيين في إسرائيل جامعات أو معاهد بحثية تهتم بمثل هذه القضايا وغيرها من القضايا المهمة. أما القلة منهم في الجامعات الإسرائيلية الذين حاولوا دراسة أحداث النكبة، فعادة ما فعلوا ذلك بحذر أكبر، وقد عدت للبحث والكتابة عن هذه المواضيع عام 1998. قصة طردنا من القرية والعيش في مخيمات اللاجئين حتى عودتنا إلى مجد الكروم، رويت ذلك في مقال منشور. وبمناسبة الذكرى الخمسين للنكبة، شجعني الشاعر الراحل محمود درويش على نشرها في مجلة «الكرمل». ويرى مناع أن من مسؤولية المؤرخ البحث عن الحقيقة في قصة مأساوية معقدة وشديدة الحساسية، إذ لا يزال تاريخ حرب 1948 ونتائجها جرحا مفتوحا. وهذا الجرح ليس غريباً على المؤلف، فهو لا يتعلق بشعبه فحسب، بل أيضاً بأقرب أفراد عائلته. إن نبش الجروح قد يؤذي ضحاياه، ويزعج اليهود الذين سيرون في رواية القصص وثيقة اتهام غير عادلة. إلا أن عبء الذاكرة الشخصية والعائلية يشكل خطورة على عمل المؤرخ الذي يسعى إلى البحث عن الحقيقة النقية. إلا أن الباحث المحترف الذي يدرك عيوب الذاكرة يعتمد عليها بالحذر المطلوب، مما يجعلها ذات فائدة فعالة. تتيح المعلومات الشخصية الحميمة من الداخل تقديم رؤية مميزة والاعتماد على مصادر ومعارف يصعب على الباحثين الآخرين. ويقول مناع إن قصص الفلسطينيين الباقين في إسرائيل بعد النكبة تقع في منطقة رمادية بين الخاص والشخصي، وبين العام والتاريخي. ولذلك اخترت أن أشارك القراء سيرتي الذاتية وسيرة عائلتي، وذكرياتي التي تشكل مصدراً مهماً لإسماع صوت المظلومين ووجهة نظرهم. أحداث مأساوية صادمة، كما هو معروف، تبقى في الذاكرة لعقود من الزمن، وتشكل مصدرا مهما لوصف الماضي بكل اتساع ودقة، وفي كثير من الأحيان يتم اختيار ضحايا تلك التجارب. مأساة عدم الكلام. ويشير المؤلف إلى أن إسرائيل نجحت في أعقاب حرب 1948 في تسويق روايتها لمواطنيها وللعالم الخارجي حول أحداث تلك الحرب وظروف “هروب” اللاجئين الفلسطينيين. وكان لقادة إسرائيل أسباب سياسية وجيهة لنشر هذه القصة، التي تعاون العديد من الباحثين اليهود ومؤيديهم في الترويج لها. والذين ارتكبوا الفظائع وجرائم الحرب بأنفسهم وكانوا على علم بالحقيقة شاركوا في نسج هذه القصة. والذين ارتكبوا أعمالاً شنيعة بحق المواطنين الأبرياء، وأصدروا الأوامر بتنفيذها، تظاهروا بنسيان دورهم في جرائم الحرب. أما الضحايا فلم يتمكنوا من نسيان ما حدث لهم، حتى لو اضطروا لفترة من الزمن إلى كبت ذكرياتهم وعدم البوح بها. وعندما قرروا التحدث، كانوا قادرين على تذكر الأحداث بدقة وتفصيل، بما في ذلك المعلومات الحميمة والمحرجة.

في “النكبة والبقاء”.. المؤرخ مناع يروي تاريخ الجيل المتبقي من الفلسطينيين…

– الدستور نيوز

.