دستور نيوز

هدأ غبار القصف، رغم أنه كان مؤقتًا، إلا أنه جلب هدنة للقلب والأبصار من مشاهد الجرائم اليومية التي يعيشها شعب “غزة” منذ ما يقرب من خمسين يومًا، لم يهطل خلالها شلال الدماء. متوقفة، والتي لا تزال تنزف من عروق الجرحى الذين ينتظرون «الفرج الدائم». المرتبطة بالشفاء.” مضيفاً إعلان فرح حذر وصباح مختلف منذ ثلاثة أيام لم تسمع فيه أصوات المدافع وسيارات الإسعاف، بل شهقات صامتة تتوافق مع الدمار الذي لحق بالأشجار والحجارة والناس. وعاد سكان غزة إلى مناطقهم السكنية منذ الدقيقة الأولى لإعلان التهدئة التي بدأت في السابعة صباحا بتوقيت غزة. يوم الجمعة، ويستمر لأربعة أيام متتالية، لن يكون الوقت كافياً لنبش ما نستطيع من المنازل المهدمة، سواء لانتشال أحبابنا الشهداء من تحت الأنقاض، أو للحصول على ما يمكن جمعه من بقايا المنازل المهدمة. “أمتعتهم” المدفونة لاستخدامها ولو بعد حين. المشاهد متواصلة منذ صباح الجمعة، تبث منذ الساعات الأولى للتهدئة، ترصد ما يعيشه سكان غزة، وما يتحدثون عنه، وما يأملون أن يفعلوه خلال هذه الهدنة القصيرة، وآمال أحوالهم أنها ستمتد لأيام، لكن في تلك المقاطع التي تبث مشاعر كثيرة متضاربة، بين فرحة الهدوء والشوق إلى الحرية والحركة، وبين معاناة البحث عن بقايا الحياة في منازلهم المدمرة التي لا تزال حتى الآن تحتوي جثث الآلاف تحت الأنقاض، في انتظار من «يكرمهم بالدفن». لكن رغم ذلك، ظهرت الفرحة المتشققة في وجوه الناس، في صباح يوم لم تسمع فيه صوت صراخ ونجاة وتناثر الأشلاء. هكذا وصف الوضع أحد المواطنين الذين غادروا أماكن النزوح واتجهوا نحو منازلهم. فمنهم من وجدها تحت الأنقاض، ومنهم من عاد إليها رغم بعض الأضرار. ولكن هناك يصر معظمهم على البقاء هناك، ويقولون: “الرب واحد، والحياة واحدة، ولن نترك بيوتنا”. ودخلت التهدئة المؤقتة في قطاع غزة حيز التنفيذ عند الساعة السابعة من صباح اليوم الجمعة. إن العالم أجمع ينتظر هذه الهدنة التي تبعث الأمل في أن تكون بداية النهاية للحرب المسعورة، والتي يجد فيها الغزيون بوابة للأمل. وفي إحدى التعليقات قالت سيدة من غزة: “أتمنى أن أجد فرصة للتواصل مع أبنائي وأحفادي الذين توزعوا على عدة مناطق بعد الزواج، واحتضانهم”. مرة أخرى”. وعلى الرغم من المشاهد المروعة التي استيقظ عليها أهل غزة من شمالها إلى جنوبها، والتي ازدادت بشاعة وإجراما في الشمال، فإن ذلك لم يمنعهم من ممارسة العديد من جوانب الحياة اليومية، بين التسوق والبحث عن ما يحتاجونه من ضروريات الحياة، خاصة في ظل وجود عائلات ضمت عشرات الأطفال، دفنوا براءتهم وسط أنقاض المنازل، وفي مدارس النزوح التي قصفت، وكثيرون منهم يحلمون بالحد الأدنى من الحياة. تلك المتطلبات، بما في ذلك “الحلوى والألعاب”. ومن تلك التمنيات السريعة كان جواب إحدى النساء، إذ قالت: “نريد أن ننظف أنفسنا”، وفي أجوبة أخرى: “نريد أن نستحم، نريد أن نأكل طعاما، نريد أن نسجد لله.. “، إضافة إلى الفرحة التي بدت على وجوه الأطفال، الذين ربما لا يعرفون ماذا سيحدث بعد ذلك. هل ستمتد الهدنة أم سيعودون إلى لهيب الحرب؟ حشود بالآلاف سارت في الشوارع، متنقلة بين الشمال والجنوب، ورغم منع المواطنين من العودة شمالاً، بحسب بنود الهدنة، إلا أن الكثير منهم حاولوا ذلك، وفي إحدى المقابلات، عندما سُئل المواطنون ماذا تنويون أن تفعلوا في الشمال؟ الساعات الأولى للتهدئة؟، كانت الإجابات بسيطة ومعبرة، ما مدى بساطة التمنيات التي تتوج بوقف الحرب في غزة، حيث ألقت طائرات الاحتلال التي كانت تتمركز في شمال غزة، منشورات تحذر من عودة السكان إلى القطاع. الشمال تحت عنوان “الحرب لم تنته بعد”، وأن العودة إلى الشمال ممنوعة وخطيرة للغاية، باعتبارها منطقة حرب، مما يعرض بعض الغزيين العائدين لإطلاق النار. وأدى إطلاق النار إلى مقتل اثنين منهم وإصابة آخرين. ومع استمرار أيام الهدنة، تزداد علامات الفرح بتلك الهدنة، ومما التقطته عدسات المصورين، هناك المئات من المواطنين الذين اشتاقوا إلى شواطئ غزة، بعد أن ابتعدوا عنها في الدفء، وهم عادوا إليه اليوم باحثين عن مساحة ليفرغوا تلك الطاقة المكبوتة في حناجرهم، تختفي صرخاتهم في أعماق البحر، يشتكون للبحر من آلامهم وآمالهم في أن يكونوا بخير، فقط من أجل ذلك صمت يقطعه صراخ الأطفال الذين يلعبون بمياه البحر، في مسافة قصيرة، خوفاً من الساعات التي تنتهي فيها الهدنة. وفي شوارع قطاع غزة أيضاً، جاء صغار التجار لرؤية «البقالة الصغيرة» الخاصة بهم، والتي توافد إليها الناس للبحث عن بعض احتياجاتهم، حتى لو كان هذا البقال قد تعرض للقصف. لكن الهدنة كانت فرصة إما لتحقيق ربح بسيط لتاجر «منكوب»، أو لرب أسرة جاء بحثاً عن الطعام. بعض «الضروريات» كما يقول أطفال غزة، والتي فقدوها منذ خمسين يوماً. وتزايدت المشاهد الأخرى منذ اليوم الأول للهدنة. حيث تجمهر الأهالي أمام محطات تعبئة الوقود والماء والدقيق محاولين الحصول على كميات كافية تحميهم من الفقر لاحقاً، خوفاً من عودة القصف بعد انتهاء الهدنة، مما يظهر حجم النقص التي عانى منها الجميع خلال الفترة الماضية، مما اضطر الآلاف منهم إلى ابتكار طرق جديدة وقديمة للطهي، أو حتى صنع الخبز بأقل الوسائل. ولا تزال مشاهد النزوح تنتشر من مختلف مدن قطاع غزة، خاصة تلك التي تعرضت لقصف عنيف وتحولت منازل المواطنين إلى أنقاض. ولم يجدوا ما يستفيدون منه، فعادوا للبحث إما عن خيمة أثناء الحرب، أو عن مدرسة ظنوا أنها محمية من القصف، أو الالتحاق بأقاربهم في المناطق الجنوبية التي يأملون أن تكون أكثر أمانًا. من الشمال، وكل هذا يعتمد على مدى تمديد الهدنة المخطط لها. مشهد مؤلم آخر قد ينهي تفاصيل ذلك اليوم، هو صور الجرحى الذين قدموا من الشمال إلى الجنوب بحثاً عن مستشفيات أكثر أماناً بعد أن “ذاقوا الأمرين” في مستشفيات الشمال، واحتجزوا هناك لأيام. دون علاج أو ماء أو طعام أو حتى أمان. لديهم جثث الشهداء في كل مكان، فكانت الهدنة قطعة الخشب التي يعلق عليها الغريق، والتي يتمنى منها العودة إلى الحياة. وكما يقول أهل غزة: «نحن شعب يحب الحياة ويعشق تفاصيلها»، فكانت الهدنة خير دليل على ذلك. بين الدمار وفوق الركام، عادت الحياة إلى غزة، واستراحة محارب، ومشاعر مختلطة بين الخوف مما هو قادم، والفرح بالحاضر، والحزن على ما ضاع في الماضي القريب. أبناء غزة يبحثون في أعماق الأرض بحثا عن تفاصيل وطن لا يزال ينبض بالحرية والكرامة ولمسة الشهداء التي تفوح بالعنف. بينما تسقي دماءهم باطن الأرض وظاهرها، على أمل أن تكون هناك هدنة طويلة الأمد حتى تتحرر «كرامة العالم الصامت» التي توقظها «غزة».
الهدنة.. الغزيون بين شهقات الحرية وعذاب البحث عن بقايا الحياة…
– الدستور نيوز