.

اراء و اقلام الدستور – إسقاط الحكومة في الشارع: مغامرة لا تخدم إلا العدو الإسرائيلي

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – إسقاط الحكومة في الشارع: مغامرة لا تخدم إلا العدو الإسرائيلي


دستور نيوز

بقلم الدكتور ابراهيم العرب

في لحظات التحول الحرجة في تاريخ الأمم، لا تقاس المواقف السياسية بكمية الصراخ في الشارع، ولا بقدرة أي طرف على تعطيل المؤسسات أو تهديد الاستقرار. بل يقاس ذلك بمدى القدرة على الحفاظ على الكيان الوطني من الانهيار، وضمان الشرعية الدستورية، ومنع الأعداء من استغلال الانقسامات الداخلية. ومن هذا المنطلق، فإن أي دعوة لإسقاط الحكومة في الشارع، في ظل الظروف اللبنانية الراهنة، لا يمكن النظر إليها إلا كخيار بالغ الخطورة يخدم في نهاية المطاف العدو الإسرائيلي الذي يراهن منذ سنوات على تفكك الدولة اللبنانية وتآكل مؤسساتها وتفكك شعبها.

ومن الواضح أن الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم يدرك تماماً أن زمن إسقاط الحكومات عبر المعادلات السياسية السابقة، كما حدث في 11 كانون الثاني/يناير 2011 مع حكومة الرئيس سعد الحريري، قد ولى إلى الأبد. لقد تغيرت الظروف الداخلية، ولم تعد موازين القوى الدستورية تسمح بتكرار تلك التجربة. واليوم لا يوجد ثلث زائد واحد قادر على إسقاط الحكومة من داخل مجلس الوزراء، ولا أغلبية نيابية قادرة على قلب المعادلة القائمة في مجلس النواب. وحتى لو قرر المكون الشيعي الاستقالة من الحكومة، فإن ذلك لن يؤدي بالضرورة إلى شلل السلطة التنفيذية أو إسقاطها، وذلك بفضل إمكانية تعيين البدائل واستمرار عمل المؤسسات وفق مقتضيات الدستور.

ولذلك فإن إسقاط الحكومة بالطرق الدستورية يصبح غير متاح، أو على الأقل غير قابل للتحقيق بالطرق التقليدية المعروفة. ومن هنا فإن الانتقال من منطق الضغط السياسي داخل المؤسسات إلى منطق التهديد بإسقاط الحكومة في الشارع يشكل تحولاً بالغ الحساسية. الشارع في لبنان ليس مساحة محايدة، بل هو ميدان معقد تحكمه توازنات طائفية وسياسية وأمنية دقيقة. وأي دعوة لاستخدامه لإسقاط سلطة شرعية قد تفتح الباب لردود أفعال سلبية، وبالتالي يصبح الشارع شوارع معارضة ومتوترة، بعضها يؤيد الحكومة ويرد على الاعتداءات عليها، والبعض الآخر يدعو لإسقاطها.

هذا هو الخطر الحقيقي. وعندما يتحول الخلاف السياسي إلى مواجهة ميدانية، يواجه لبنان خطر الانزلاق إلى صراع داخلي قد يصعب السيطرة على تداعياته. وفي بلد هش مثل لبنان، الذي يعاني بالفعل من أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة، فإن أي تصعيد في الشارع يمكن أن يدمر ما تبقى من ثقة المجتمع الداخلي والخارجي بالدولة. والأسوأ من ذلك أن الجيش اللبناني، باعتباره المؤسسة الوطنية الجامعة، قد يجد نفسه مضطرا إلى فصل مناطق الصراع، مما يضعه في موقف حساس ويعرضه لضغوط سياسية وشعبية لا ينبغي أن ينخرط فيها. فالجيش اللبناني هو الضامن الأخير للسلم المدني وصمام الأمان الوطني، ولبنان يحتاج إلى أعلى درجات التماسك لمواجهة الاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية.

من الناحية السياسية والإستراتيجية، لا يمكن اعتبار محاولة الإطاحة بالحكومة عاملا مساهما في المواجهة مع إسرائيل. بل على العكس من ذلك، فإن الاعتداء على الشرعية اللبنانية وإثارة الفوضى الداخلية من شأنه أن يشكل هدية مجانية للعدو الإسرائيلي الذي يسعى دائماً إلى تفكيك الداخل اللبناني. إسرائيل التي تراهن على تفكك لبنان ستجد في أي اضطراب فرصة لتبرير عدوانها وتعميق ضغوطها وفرض وقائع جديدة على الأرض، خاصة في الجنوب. وذلك لأن الدولة الضعيفة والمنقسمة لا تستطيع التفاوض بقوة، أو حماية أراضيها بشكل فعال، أو إعادة النازحين بكرامة، أو إطلاق عملية إعادة الإعمار بثقة. ولذلك كان الأجدر بسماحة الشيخ نعيم قاسم أن يتعهد بالتمسك بالمؤسسات الدستورية بدلاً من التهديد بها. تبقى المؤسسات، رغم ضعفها وهشاشتها، الإطار الوحيد الذي يمكن من خلاله حماية لبنان من الفراغ والفوضى. ومن خلالها يمكن تثبيت وجود الدولة والمضي قدماً نحو تحقيق أهداف سياسية ودبلوماسية وأمنية تسعى إلى كبح جماح الحرب وتحرير الجنوب المحتل وإطلاق سراح الأسرى وضمان عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم والبدء في إعادة الإعمار.

ومن هنا، يبدو أن رفع شعار إسقاط الحكومة في هذا التوقيت ليس خياراً حكيماً، فهو ينقل المعركة من مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية إلى مواجهة الداخل اللبناني نفسه. وهذا التحول خطير، لأنه يبدد البوصلة الوطنية، ويجعل التنافس الداخلي بديلاً لمواجهة العدو، على الأرض ودبلوماسياً، وينقل النقاش من كيفية حماية السيادة إلى كيفية تحطيم المؤسسات. أما في العلوم السياسية فإن قوة الدولة لا تقاس بقدرة مكوناتها على تعطيلها، بل بقدرتها على إدارة الخلافات ضمن الأطر الدستورية لمنع تحولها إلى صراع داخلي مفتوح.

وفي هذا السياق، يظهر دور رئيس مجلس النواب اللبناني فخامة السيد نبيه بري، الذي يمثل خبرة سياسية طويلة وحساً وطنياً عميقاً. لقد شهد الرئيس بري منعطفات الحرب والسلام، ويدرك تماماً أن أي تذبذب داخلي قد يتحول إلى بوابة فتنة طالما حذر منها. ولذلك فإن الاعتماد على حكمته يعتبر ضرورة وطنية وليس مجرد تفصيل عابر. وهو من أشد الحريصين على بقاء الحكومة ومنع سقوطها في الشارع، مدركاً أن حماية المؤسسات هي في نهاية المطاف حماية للبنان نفسه، وأن استهداف الشرعية سيكون في مصلحة إسرائيل، وليس في مصلحة الدولة. لذلك، في رأينا المتواضع، أن الرئيس بري لن يقبل بأي تحركات شعبية تستهدف المؤسسات الدستورية أو تدفع البلاد نحو المواجهة الداخلية. لقد أثبتت بلاده، مرات عديدة، قدرتها على قراءة الأخطار قبل وقوعها، فهي تعلم أن صدام الشارع هو السيناريو الذي يتمناه العدو الإسرائيلي بفارغ الصبر. ومن هنا فإن كل مواقفه تهدف إلى منع الانزلاق إلى الفوضى، وتعكس مسؤولية وطنية كبيرة، لا سيما في ظل وضع لبنان الذي لم يعد يحتمل تجارب مدمرة أو مغامرات تهدد مصيره.

ومن ناحية أخرى، لا يمكن فصل المشهد الداخلي عن السياق الإقليمي والدولي. تبدو الولايات المتحدة الأميركية مقتنعة بأن الحرب الأخيرة أضعفت حزب الله استراتيجياً، وأن الفرصة متاحة الآن لفرض حقائق سياسية جديدة تعزز سلطة الدولة اللبنانية والجيش وتحد من نفوذ الحزب العسكري. وفي هذا السياق فإن أي اضطراب داخلي سيستخدم حتماً لزيادة الضغوط على لبنان، وربما لتبرير مقاربة أكثر قسوة تجاهه. ولذلك فإن المصلحة الوطنية تقتضي إدارة هذه المرحلة بأعلى مستويات العقلانية، بعيداً عن منطق التحدي والهزيمة.

في المقابل، حاول رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، تبني خطاب متوازن يربط بين حق لبنان في الدفاع عن نفسه من خلال مؤسساته الأمنية والعسكرية الشرعية، وضرورة تعزيز الدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة لصنع القرار الوطني. هذه اللغة ليست مجرد تفصيل بنيوي، بل تعكس محاولة رسم معادلة جديدة تنبع من الاعتراف بتضحيات الشعب اللبناني في مواجهة الاحتلال، والسعي التدريجي لإعادة حصر القرار الأمني ​​والعسكري بالدولة دون الذهاب إلى صدام مباشر أو استفزاز داخلي. وذلك لأن حصر السلاح في أيدي الجيش اللبناني، والسعي إلى انسحاب إسرائيل بشكل كامل من المناطق الجنوبية المحتلة، وضمان عودة أهلنا إلى مدنهم وقراهم بأمان وكرامة، والبدء بورشة إعادة الإعمار، ليست شعارات سياسية ظرفية، بل هي عناصر مشروع وطني متكامل.

هذا المشروع يقوم على مبدأ واضح: لا سيادة كاملة من دون دولة قوية، ولا سيادة فعلية من دون وحدة داخلية، ولا حماية للبنان إذا بقي القرار الوطني منقسما بين المؤسسات الشرعية وقوى الأمر الواقع. لبنان اليوم بحاجة إلى إسقاط منطق الشارع من الحياة السياسية، وليس من الحكومة. إنها تحتاج إلى دولة تتحدث باسم كل شعبها، وجيش يحمي الحدود ولا يرهق في الداخل، وحكومة قادرة على التفاوض والعمل وإعادة البناء، وبرلمان يمارس دوره الرقابي والتشريعي، ورئاسة جامعية تحفظ الدستور وتوازناته. أما تحويل الشارع إلى أداة لإسقاط السلطة فهو وصفة أكيدة للفوضى، والفوضى في لبنان لن تؤدي إلى الانتصار على إسرائيل، بل ستمنحها الذريعة والمجال لمزيد من العدوان والابتزاز.

وانطلاقاً من هذا المشروع الوطني الشامل، فإن الرؤساء الثلاثة في لبنان يستحقون الثناء على مواقفهم الوطنية: فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ودولة رئيس مجلس النواب البروفسور نبيه بري، ودولة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام. هؤلاء، كل في موقعه الدستوري، يمثلون حاجة لبنان إلى الحكمة والتوازن والتمسك بالمؤسسات. ووطنيتهم ​​تجسد حرصهم على السلم الاهلي، وحماية الشرعية، والحفاظ على الجيش اللبناني الشجاع، ومنع البلاد من الانزلاق الى فتنة داخلية لا يستفيد منها سوى العدو الإسرائيلي. الرهان الحقيقي اليوم يجب أن يكون على الدولة لا على الشارع، على الدستور لا على الفوضى، وعلى وحدة اللبنانيين لا على انقسامهم. ولبنان لا يحمى بإسقاط حكومته، بل بإقامة مؤسساته، وتعزيز جيشه، وتوحيد قراره الوطني، والوقوف صفا واحدا في وجه الاحتلال والعدوان. هذا هو الخيار الوطني الصحيح، وما سواه فهو مغامرة لا تخدم إلا أعداء إسرائيل ولبنان.

د. ابراهيم العرب

#إسقاط #الحكومة #في #الشارع #مغامرة #لا #تخدم #إلا #العدو #الإسرائيلي

إسقاط الحكومة في الشارع: مغامرة لا تخدم إلا العدو الإسرائيلي

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – إسقاط الحكومة في الشارع: مغامرة لا تخدم إلا العدو الإسرائيلي

المصدر : www.elsharkonline.com

.