.

عالم الأسرة – المراهقة ليست مجرد تمرد.. صراع داخلي يجب احتواؤه

اخبار الأسرهمنذ ساعتين
عالم الأسرة – المراهقة ليست مجرد تمرد.. صراع داخلي يجب احتواؤه


دستور نيوز

عنب بلدي – شعبان شامية

وتتجاوز مرحلة المراهقة المفهوم التقليدي القائم على التغيرات الجسدية والعمرية، لتشكل مرحلة هدم وإعادة بناء هوية الإنسان النفسية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، كشفت المستشارة النفسية الأسرية، الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، أن سلوكيات المراهق المندفعة والمتناقضة ترتبط بشكل مباشر بعدم اكتمال نضج الدماغ، وتحديدًا المراكز المسؤولة عن اتخاذ القرار والتحكم في الانفعالات، فهو أكثر اندفاعًا، وأكثر حساسية للنقد، وأكثر تأثرًا بالرفض الاجتماعي مقارنة بالكبار.

ولفت العرنوس إلى أن المراهق يعيش صراعاً داخلياً حاداً يُترجم إلى تناقضات سلوكية، تتأرجح بين الرغبة في التحرر والاستقلال، والحاجة إلى الأمن والاحتواء. قد يطلب الحرية ثم يغضب عندما يشعر بالإهمال، وقد يرفض النصيحة، لكنه في داخله يبحث عن من يفهمه ويطمئنه.

كما تبدو مراهقة هذا الجيل أكثر تعقيدا من الأجيال السابقة، بحسب الاستشارة، لأن مراهق اليوم لا يعيش فقط داخل أسرته أو مدرسته، بل داخل عالم رقمي مفتوح يعمل على مدار الساعة، حيث يتعرض يوميا لآلاف الصور والأفكار والمعايير التي تؤثر على تصوره لذاته ومظهره وقيمته الاجتماعية.

وأشارت إلى أنه في الماضي كان المراهقون يقارنون أنفسهم بدائرة محدودة من الناس، لكنهم اليوم يقارنون حياتهم بأكملها بحياة المشاهير والمؤثرين والصور المصنعة بعناية، مما خلق جيلا يعاني من مستويات عالية من القلق الاجتماعي، ومشاعر الدونية، والخوف من النقص.

كما خلصت الدراسات النفسية الحديثة إلى أن كثرة التحفيز الرقمي السريع يؤثر على قدرة بعض المراهقين على الصبر والتركيز وتحمل الضغوط، إذ يبحث الكثير منهم الآن عن الإشباع الفوري والهروب السريع من المشاعر المزعجة.

المشاكل النفسية الشائعة

أصبح القلق المزمن من أكثر الاضطرابات شيوعاً بين المراهقين، بحسب استشارية علم النفس الأسري هبة كمال العرنوس، والقلق الحديث لا يرتبط فقط بالدراسة أو المستقبل، بل أيضاً بالخوف من الفشل الاجتماعي، وعدم التقبل، وفقدان الصورة المثالية أمام الآخرين.

وقال الاستشاري، إن بعض المراهقين يعيشون في حالة مراقبة دائمة لأنفسهم: «كيف أبدو؟»، «هل أنا محبوب؟»، «هل حياتي أقل من غيرها؟»، لافتاً إلى أن هذا الإرهاق النفسي المستمر يخلق توتراً داخلياً شديداً قد يظهر على شكل عصبية أو انسحاب أو اضطرابات في النوم أو نوبات بكاء مفاجئة.

الاكتئاب الصامت

وأخطر ما في اكتئاب المراهقين اليوم هو أنه لا يكون دائما على شكل حزن واضح، بحسب العرنوس، إذ يظهر أحيانا على شكل برود عاطفي، أو عزلة، أو فقدان الشغف، أو الإدمان الرقمي، أو العدوان.

وقال الاستشاري إن الكثير من الأسر لا تلاحظ الاكتئاب، لأن المراهق يضحك أحيانا أو يستخدم هاتفه باستمرار، بينما داخليا يكون مرهقا ويفتقر إلى المعنى.

كما تؤكد التقارير النفسية الحديثة ارتفاع معدلات الشعور بالوحدة على الرغم من وفرة وسائل الاتصال الرقمية، علماً أن العلاقات الافتراضية في كثير من الأحيان لا توفر الرضا العاطفي الحقيقي الذي يحتاجه الشخص.

اضطراب الهوية

يعيش “مراهق العصر الحديث” وسط صراع كبير في القيم والمعايير. يسمع القيم من العائلة، ويرى قيمًا مختلفة على الإنترنت، ويتعرض لضغوط الأصدقاء والمشاهير والمجتمع.

ولهذا يعاني بعض المراهقين من الارتباك وفقدان الاتجاه وعدم وضوح الشخصية، بحسب عرنوس، مشيراً إلى أن ذلك يظهر في التقليد المفرط أو التمرد أو التغيير السريع في الأفكار والسلوكيات.

الفرق بين سن المراهقة عند الذكور والإناث

وهناك اختلافات نفسية وعاطفية مهمة يجب فهمها بوعي، بعيدا عن الأحكام السطحية، بحسب الاستشاري، إذ غالبا ما يميل المراهقون الذكور إلى إخفاء ضعفهم العاطفي بسبب الضغوط الاجتماعية المرتبطة بفكرة القوة والصلابة.

ولذلك فإن الكثير من الذكور يعبرون عن الألم النفسي بشكل غير مباشر، مثل العصبية أو العناد أو الانسحاب أو السلوك العدواني.

كما أن الذكور أكثر ميلاً إلى المخاطرة وإثبات أنفسهم والتحدي، حيث يرتبط تقديرهم لذاتهم بالإنجاز أو السلطة أو الوضع الاجتماعي.

وأوضح العرنوس أن المشاكل الأكثر شيوعاً بين المراهقين الذكور تشمل: الإدمان الرقمي والألعاب الإلكترونية، وضعف التعبير عن المشاعر، والسلوك الاندفاعي، والبحث المفرط عن إثبات الرجولة، والتأثر بمجموعات من الأصدقاء، والهروب من الضغوط من خلال العزلة أو العنف.

وذكر المستشار النفسي العائلي أن المراهق الذكر غالباً ما يخفي حزنه خلف السخرية أو الصمت لأنه تعلم أن التعبير عن الضعف أمر غير مقبول.

المشاعر المعقدة للمراهقة

غالبًا ما تكون مرحلة المراهقة أكثر حساسية للتقييم الاجتماعي والعاطفي، بحسب العرنوس، وبالتالي فهي أكثر تأثرًا بالمقارنة الجمالية والعلاقات والصورة الذاتية.

تشير الدراسات إلى أن الفتيات أكثر عرضة للقلق المتعلق بالمظهر والقبول الاجتماعي، خاصة مع التأثير الكبير لمنصات التواصل الاجتماعي والصور المثالية المعدلة.

تدني احترام الذات، واضطرابات صورة الجسد، والحساسية المفرطة للنقد، والقلق الاجتماعي، والارتباط العاطفي السريع، والتقلبات المزاجية المرتبطة بالتغيرات الهرمونية والعاطفية، من أبرز التحديات النفسية لدى المراهقات، بحسب ما أوضحت المستشارة لعنب بلدي.

وأضاف العرنوس أن الفتيات المراهقات يميلن إلى التعبير عن آلامهن داخلياً من خلال الحزن أو جلد الذات أو الانسحاب، بينما يميل الذكور أكثر إلى التعبير عن آلامهم خارجياً من خلال السلوك.

أخطاء ترتكبها العائلات التي لديها مراهقين

وأشار العرنوس إلى أن الخطأ الأكبر هو التعامل مع المراهق كطفل كبير وليس كإنسان يمر بمرحلة إعادة بناء نفسي كاملة.

ومن الأخطاء المتكررة التي يرتكبها الأهل: الاستهزاء بمشاعر المراهق، والمقارنة المستمرة مع الآخرين، والرقابة القاسية دون حوار، والتقليل من الضغوط النفسية التي يتعرض لها، واستخدام التهديد والشتائم كوسيلة للتربية، وغياب الإصغاء الحقيقي.

وقال المستشار النفسي الأسري، إن المراهق قد ينسى الكثير من الكلمات، لكنه لا ينسى الشعور الذي تركته داخله طريقة معاملته.

وأوضحت أن الحماية النفسية لا تعني السيطرة الكاملة، بل بناء علاقة آمنة يشعر فيها المراهق بأنه مسموع ومفهوم ومحترم.

توصيات للدعم والحماية من الانهيار

وأوصى العرنوس أولياء الأمور بمجموعة من النصائح عند التعامل مع المراهقين، منها: بناء حوار هادئ ومنتظم مع الأطفال، والتقليل من الأحكام القاسية والنقد المستمر، وتعليم المراهق إدارة انفعالاته وعدم قمعها، ومراقبة عالمه الرقمي بوعي وعدم التجسس، وتشجيع الرياضة والهوايات والعلاقات الواقعية، والانتباه المبكر لأعراض القلق والاكتئاب، وطلب المساعدة النفسية عند الحاجة دون خوف من الوصمة.

ويرى العرنوس أن أهم رسالة يجب أن يفهمها المجتمع هي أن المراهق ليس متمردا بطبيعته، بل هو إنسان يعيش صراعا داخليا معقدا بين الطفولة والنضج وبين الحاجة إلى الحرية والحاجة إلى الأمان.

وفي زمن السرعة الرقمية وزيادة الضغوط النفسية، أصبح المراهقون أكثر حاجة إلى الاحتواء العاطفي والفهم العميق، وليس فقط القوانين والعقوبات.

واختتمت المستشارة حديثها لعنب بلدي بالتأكيد على أن كل كلمة دعم قد تنقذ ثقة المراهق بنفسه، وكل علاقة آمنة قد تحميه من الانهيار النفسي، وكل أسرة واعية يمكنها أن تخلق جيلًا أكثر توازنًا وقدرة على مواجهة الحياة.

#المراهقة #ليست #مجرد #تمرد. #صراع #داخلي #يجب #احتواؤه

المراهقة ليست مجرد تمرد.. صراع داخلي يجب احتواؤه

– الدستور نيوز

عالم الأسرة – المراهقة ليست مجرد تمرد.. صراع داخلي يجب احتواؤه

المصدر : www.enabbaladi.net

.