دستور نيوز
بقلم نقولا ناصيف
“أساس ميديا”
كلما تطورت المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المباشرة، كلما علت اعتراضات «الحزب» وتهديداته. وبعد المبالغة في من يصل إليه أولاً بتأكيد رفضه له باعتباره امتيازاً مجانياً، قال بعد الجولتين الأولى والثانية إنه غير معني بنتائجه. وضاعف الترهيب بعد الجولتين الثالثة والرابعة بالتحذير من استعداده لمواجهة كل من يقترب بسلاحه، وإذا كان الجيش اللبناني فسيكون أداة أميركية. وكانت النغمة الأخيرة، حتى الآن على الأقل، هي الأعلى عندما توجه نائبه حسن فضل الله، للمرة الأولى، إلى الجيش وكأنه يظن أنه في مرحلة ما سيكون عدواً لـ«الحزب»، أو في أحسن الأحوال قد يجد نفسه وجهاً لوجه معه.
منذ أن تحدث رئيس الجمهورية جوزف عون للمرة الأولى عن المفاوضات مع إسرائيل، في شباط/فبراير الماضي، من دون أن يقول إنها مباشرة، بدأ «الحزب» يفترق عنه. بعد 2 آذار/مارس، عندما انخرط في الحرب، واتخذ عون سلسلة من المواقف التي تندد بتورط «الحزب» وجر البلاد إلى حرب مع إسرائيل لا يريدها، حدثت قطيعة كاملة بينهما. ولم ينحن كلاهما للآخر تحت وطأة التصعيد المتبادل، بحيث أصبح من الصعب على أي منهما التراجع بسبب تناقضهما الكثير في الرؤية والخيارات والخطاب والمواقف. بل إن كلاً منهما لا يريد أن يفعل ذلك، ويسير في الاتجاه الذي يفترض أنه سينتصر على الآخر. وكان للشقاق أثره على العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وتراجع التواصل بينهما إلى درجة اقتصر على مستشاريهما علي حمدان وأندريه رحال.
المسافة والغربة
وما غير محسوب هو انقطاع الاتصالات بشكل كامل بين الجيش و«الحزب»، من دون أن يكون هناك سبب لذلك. وحتى وقت قريب كان «الحزب» يتصرف وكأنه ينأى بالمؤسسة العسكرية عن المواجهة السياسية مع رئيسي الجمهورية والحكومة، وأشاد بما أعلنه مراراً وتكراراً قائده اللواء رودولف هيكل من أن الجيش لن يسمح بالاشتباك مع «الحزب»، سواء للأسباب التي يقدرها أو بناء على تعليمات حكومة الرئيس نواف سلام. والآن تم الوصول إلى نقطة الاختلاف، انطلاقاً من نتائج الجولتين الثالثة والرابعة من مفاوضات واشنطن، التي أعلنت في 15 أيار/مايو الاستعداد لاتباع مسارين أمني وسياسي.
تواجه المؤسسة العسكرية وقائدها بعض الحقائق التي يجدون أنفسهم معنيين بها:
الأول، أنها معنية بقرار مجلس الوزراء في 2 آذار/مارس 2025، حصر السلاح في يد الدولة وبسط سيادتها على كامل أراضيها، ومنه انبثقت تجربة انتشار الجيش جنوب نهر الليطاني وفق القرار 1701 ووقف إطلاق النار المعلن في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وبتقدير الجيش، لم تفشل التجربة، وإن شابتها ثغرات إسرائيلية بسبب عدم فشلها. الانسحاب من النقاط الخمس المحتلة، وثغرات أخرى سببها «الحزب». برفضه التعاون مع الجيش وتوجيهه إلى مخابئ الأسلحة والأنفاق، وبإصراره على رفض تفتيش المنازل، قبل أن يتأكد لاحقاً مع اندلاع الحرب أنه كان يخفي مستودعات أسلحة هناك. ولعل الدليل الصارخ على رفضه التعاون حينها، هو مقتل ستة عسكريين، من خبراء المتفجرات، وجرح آخرين في انفجار مستودع كان يخفيه في وادي زبقين – مجدل زون في صور، في 9 آب 2025، واكتشف لاحقاً أنه كان مفخخاً.
والثاني هو عدم وجود هدنة أو وقف لإطلاق النار كما أُعلن في الجولة الرابعة، وهو ما لا يعلم به الجيش. إن وقف إطلاق النار الذي تم تمديده للمرة الثانية هو استمرار لوقف إطلاق النار الأول في 27 نوفمبر 2024، والذي سمح لإسرائيل بالتحرك بحرية داخل الأراضي اللبنانية. وقف إطلاق النار التالي في 17 أبريل، ثم في 23، وأخيرا الثالث في 15 مايو، لم يكن أكثر من استمرار لحدود الهجمات الإسرائيلية في لبنان. والضمانة الأميركية التي يتحدث عنها جزئية ومقتصرة على ثلاثة أهداف يقول الأميركيون إنهم انتزعوها من الإسرائيليين: عدم قصف بيروت والضاحية الجنوبية ومباني الدولة اللبنانية ومنشآتها.
مساعدات مشروطة؟
والثالث، أن المعطيات المبكرة تتحدث عن طلب إسرائيلي تشكيل غرفة عمليات لبنانية – إسرائيلية مشتركة لا طرف ثالث فيها سوى الأميركيين، من دون أن تتوفر لدى قيادة الجيش معطيات ملموسة حول ما يعتزم بحثه في المسار الأمني نهاية الشهر الجاري. هذه الغرفة مسؤولة عن الإشراف على مهمة مزدوجة: نزع سلاح «الحزب» تمهيداً لانسحاب الاحتلال. والمقصود بغرفة العمليات المشتركة هو الإلغاء النهائي للجنة الآليات المعمول بها منذ إعلان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وطرد فرنسا والأمم المتحدة منها بحيث يقتصر عملها على الثلاثي، على أن يكون الأميركي وحده الوسيط. وواقع ما حدث منذ 2 آذار/مارس أن “الآلية” فقدت فعلياً مبرر وجودها مع انهيار وقف إطلاق النار الذي يفترض أنه ساري المفعول منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وهي المنوط بها مراقبة تنفيذه وحث الأطراف على احترامه، وهو ما لم يعد قائماً منذ ذلك الحين.
والرابع هو الدور المنوط بالراعي الأميركي، وهو أن يكون شاهداً في غرفة العمليات المشتركة، وهو ما لا يخفيه الجيش، ويعبر من خلاله عن قلقه. لكن الأمر لا يقتصر على هذا الجانب، إذا أخذنا بعين الاعتبار ما أدلى به قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) براد كوبر، من ربط المساعدات الأميركية للجيش اللبناني بالتقدم الذي يحرزه في خطة نزع سلاح «الحزب». وهو مطلب أميركي بقدر ما هو مطلب إسرائيلي، لكنه تحول مهم وجديد في موقف وزارة الدفاع الأميركية تجاه الجيش اللبناني. ولأول مرة يتم الإعلان عن مثل هذا الارتباط، بينما كانت المساعدات العسكرية الأميركية على مر العقود في كثير من الأحيان هدفاً في حد ذاته لتعزيز وتقوية قدرات الجيش، وتمكينه من القيام بدوره في الداخل وضد الإرهاب.
خامساً، لا يملك الجيش بعد، على الأقل، تصوراً لما سيجري بحثه في 29 أيار/مايو. فقرار الحكومة اللبنانية الذهاب إلى مفاوضات المسار الأمني سيرافقه وفد من ضباطها، لن يضم الملحق العسكري اللبناني في واشنطن أوليفر حكيمة، الذي كان الضابط اللبناني الوحيد الذي شارك في مفاوضات 14 و15 أيار/مايو. وبطبيعة الحال، سيكون المسار الأمني من مسؤولية الجيش، بغطاء من السلطات الدستورية اللبنانية، للوصول إلى الترتيبات الأمنية على جانبي الحدود.
نيكولاس ناصيف
#ماذا #ينتظر #الجيش #في #العملية #الأمنية
ماذا ينتظر الجيش في العملية الأمنية؟
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – ماذا ينتظر الجيش في العملية الأمنية؟
المصدر : www.elsharkonline.com
