دستور نيوز
بقلم موفق حرب
“أساس ميديا”
إن أخطر ما في المواجهة مع إيران قد لا يكون حرباً شاملة تشعل الشرق الأوسط دفعة واحدة، بل العكس تماماً: أن تتوقف الحرب دون أن يبدأ السلام.
الفكرة التي تتكرر اليوم في دوائر صنع القرار ليست اتفاقاً تاريخياً، ولا غزواً عسكرياً، بل هي سيناريو أكثر دقة وخطورة: لا اتفاق نووي، ولا إسقاط النظام، ولا حرب مفتوحة، بل حصار بحري طويل الأمد يبقي إيران مخنوقة اقتصادياً، ومحاصرة استراتيجياً، ومنهكة دون رصاصة حاسمة في انتظار إمكانية تحرك الشعب الإيراني.
وهو نموذج «اللاحرب» الذي قد يحول الخليج إلى خط تماس دائم، ولبنان إلى ساحة ضغوط متجددة، والاقتصاد العالمي إلى رهينة للقلق المزمن. وإذا ترسخ هذا الخيار، فلن يكون سياسة تجاه طهران فحسب، بل إعادة صياغة لمعادلة الشرق الأوسط والعلاقات الدولية: من الحروب السريعة إلى استراتيجيات الخنق الطويلة، ومن الحسم العسكري إلى إدارة الخصوم عبر الإرهاق البحري والاقتصادي.
بالنسبة لإيران، يعني الحصار البحري خنق صادراتها النفطية، واستنفاد عملتها، والحد من قدرتها على تمويل نفوذها الإقليمي. لكنها لا تضمن إسقاط النظام، بل قد تمنحه رواية جديدة: دولة محاصرة تقاوم الغرب. وهنا تكمن المفارقة الأميركية: الضغط قد يضعف طهران اقتصادياً، لكنه قد يدفعها إلى أن تصبح أكثر عدوانية، وأكثر ارتباطاً ببكين وموسكو، وأكثر اعتماداً على شبكات التهريب والاقتصاد الرمادي. بمعنى آخر: واشنطن قد تمنع إيران من الصعود وتوسيع نفوذها، لكنها قد لا تمنعها من التخريب.
أما الخليج فهو أول من يدفع ثمن «اللاحرب». صحيح أن ارتفاع أسعار النفط قد يحقق مكاسب مالية مؤقتة، لكن الحصار الدائم يعني استمرار عسكرة الممرات البحرية، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، والضغط المباشر على النموذج الخليجي القائم على الاستقرار والاستثمار والانفتاح العالمي، لأن الخليج لا يبيع الطاقة فحسب، بل يبيع الثقة أيضا.
وأي توتر دائم حول مضيق هرمز يعني أن المنطقة ستعيش تحت تقييم يومي للمخاطر. فالموانئ والأسواق والطيران والسياحة، وحتى مشاريع التنويع الاقتصادي في الخليج، أصبحت جميعها عرضة للصدمات الاستراتيجية. وهنا لن تكون المشكلة في إيران فقط، بل في تحويل الخليج برمته إلى ساحة ردع مفتوحة.
«الحزب» يواجه اختباراً وجودياً
لكن الأخطر هو أن إيران المحاصرة قد لا ترد بحراً فحسب، بل عبر أذرعها الإقليمية: الحوثيون في البحر الأحمر، والميليشيات في العراق، وساحات مثل لبنان. وهنا يدخل لبنان في قلب المعادلة. وأي حصار طويل على طهران سيضع «الحزب» أمام اختبار وجودي، فهو جزء من شبكة الردع الإيرانية. مع كل ضغط اقتصادي على إيران، يتزايد خطر استخدام لبنان كورقة تفاوض أو ساحة ضغط. أي أن لبنان قد يجد نفسه مرة أخرى يدفع ثمن صراع لا يحسمه، بل يتحمل عواقبه.
بالنسبة للبنان، قد يكون هذا السيناريو هو الأخطر: لا حرب شاملة تفرض الحل، ولا تسوية إقليمية توفر الاستقرار، بل حالة طويلة من الإرهاق تجعل الدولة رهينة سؤال السيادة وحصرية القرار وقدرتها على منع تحول البلاد إلى منصة للرد الإيراني. وإذا تراجعت قدرة إيران المالية، فقد يضعف تمويل الحزب تدريجياً، لكن هذا لا يعني الاستقرار تلقائياً. فالمنظمات المسلحة تحت الضغط قد تصبح أكثر اندفاعاً، وليس أكثر اعتدالاً.
إقليمياً، يعني هذا السيناريو شرق أوسط من دون حرب كبرى، ولكن أيضاً من دون سلام. وسوف يظل العراق ساحة للتوازن الهش، وسوريا ممراً للصراع، واليمن أداة للضغط البحري، ولبنان في قلب المعركة من أجل السيادة.
وعلى الصعيد العالمي، فإن استمرار الحصار البحري المفروض على إيران من شأنه أن يبقي الاقتصاد الدولي تحت تهديد مستمر. وحتى من دون انفجار، يكفي أن يظل هرمز تحت الضغط لإبقاء أسعار الطاقة متقلبة، وسلاسل التوريد العالمية متوترة، والأسواق المالية حساسة لأي تصعيد. إن العالم لن يعاني من صدمة حرب واحدة، بل سيعاني من الإرهاق الناجم عن أزمة مستمرة.
الضغط دون الاحتلال
كأميركي، قد يبدو هذا الخيار مثالياً: القوة من دون غزو، والضغط من دون احتلال، والاستنزاف من دون أكياس للجثث. لكنها في الواقع تفرض على واشنطن التزاماً عسكرياً دائماً وتكلفة استراتيجية مفتوحة، بينما تتصاعد المنافسة مع الصين وتتزايد الشكوك الداخلية حول جدوى الاشتباك على المدى الطويل. قد تنجح الولايات المتحدة في خنق إيران، لكنها قد تجد نفسها عالقة في إدارة حصار من دون نهاية واضحة.
في النهاية، «لا حرب ولا اتفاق» ليس حلاً بقدر ما هو تجميد للصراع داخل قفص جيوسياسي قابل للاشتعال في أي لحظة. وهذا النموذج قد يمنع الانفجار الكبير، لكنه قد يحول الشرق الأوسط إلى منطقة توتر دائم، والخليج إلى خط تماس اقتصادي، ولبنان رهينة للجغرافيا السياسية التي لا ترحم.
في بعض الأحيان، أخطر الحروب ليست تلك التي تبدأ بالنار، بل تلك التي لا يُسمح لها بالانتهاء.
بالتوفيق حرب
#كابوس #المنطقة #لا #اتفاق #ولا #حرب
كابوس المنطقة: لا اتفاق ولا حرب
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – كابوس المنطقة: لا اتفاق ولا حرب
المصدر : www.elsharkonline.com
