.

اراء و اقلام الدستور – الدولة لا يمكن أن تستعاد بنزع السلاح وحده – صوت لبنان – صوت لبنان

سامر الشخشيرمنذ 4 ساعات
اراء و اقلام الدستور – الدولة لا يمكن أن تستعاد بنزع السلاح وحده – صوت لبنان – صوت لبنان


دستور نيوز

لقد نسي سام

الاثنين 4 مايو 2026 – 08:08

المصدر: الشرق الأوسط

حادثة ساقية الجنزير في بيروت والجديدة في المتن لم تكن مجرد مشاكل أمنية عابرة. وفي الجديدة، بدأ التوتر أمام إحدى الكنائس قبل أن يتطور إلى اعتداء مباشر على شرطي وكاهن أمام مزارها. أما ساقية الجنزير، فنفذت القوة الضاربة بقيادة العميد محمد شريم، مداهمة لأحد أصحاب المولدات، أعقبها نقاش وتحقيق وبيانات تحدي نقلا عن شريم. وما يجمع الحادثتين يتجاوز الحقائق الميدانية، ليكشفا عن صعوبة فصل الدولة عن شبكات النفوذ داخلها ومن حولها. ولا يقتصر الأمر على التجاوزات أو سوء استخدام السلطة، بل يطرح سؤالاً أعمق: ماذا تعني استعادة الدولة في لبنان؟

وفي الجدل الدائر حول الحرب المستمرة والمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، كثيراً ما يختزل الموضوع إلى عنوان واحد: سلاح حزب الله، وكأن استعادة السيادة تبدأ وتنتهي بإزالتها، أو إعادة تنظيم وضعها. ولكن هذا في أفضل الأحوال لا يمثل سوى نصف السؤال، لأن المعضلة التي يمثلها حزب الله ليست مجرد سلاح.

فخلال أربعة عقود لم يكتف الحزب ببناء ترسانة عسكرية، بل نسج بنية نفوذ معقدة: أمنية، وإدارية، وسياسية، واقتصادية، وأحيانا قضائية، تتقاطع مع مؤسسات الدولة، وتخترق بعضها، وتلتف على بعضها الآخر، حتى أصبح السؤال ليس كيف تتعامل الدولة مع الحزب، بل كيف تتعافى الدولة من شبكة نفوذ أعادت تشكيل جزء من وظائفها. وهذه هي المعضلة التي لا تتطرق إليها الكثير من المناقشات حول “نزع السلاح”.

فالسلاح هو رأس الظاهرة، وليس الظاهرة بأكملها. هناك اقتصاد الظل، وشبكات الحماية، وقنوات التأثير داخل الإدارة، والتأثير في القرارات، ومفهوم الشرعية القائم على الازدواجية المستمرة بين الدولة وفوق الدولة. هذه البنية، وليس الصواريخ وحدها، هي التي جعلت من الحزب لاعباً يتجاوز كونه منظمة مسلحة. ولهذا السبب فإن فكرة إمكانية استعادة السيادة من خلال الترتيبات الأمنية أو التفاهمات الحدودية لا تؤدي إلا إلى تبسيط المشكلة. فالسيادة ليست مجرد احتكار للسلاح، بل هي احتكار أو مشاركة في صنع القرار والسلطة والوظيفة العامة. من هنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: حتى لو افترضنا أن الحرب الحالية أو المفاوضات المباشرة أدت إلى تقليص دور الحزب العسكري، فماذا عن البنية التي بناها داخل الدولة؟ فهل يكفي احتواء السلاح إذا ظلت الدولة العميقة التي نشأت حوله قائمة؟

ربما ينبغي عكس السؤال: فبدلاً من التركيز على كيفية نزع سلاح الحزب، من المفيد أن نتساءل متى وكيف قد تتمكن الدولة من استعادة نفسها من بنية النفوذ التي تراكمت على مدى أربعة عقود من الزمن. فالمسألة ليست فنية، بل سياسية وتاريخية، فالأمر لا يقتصر على «دولة داخل دولة»، بل تداخل بنيوي بينهما، ما يجعل المعالجة أكثر تعقيداً من مجرد قرار نزع السلاح.

أضف إلى ذلك أن اختزال المشكلة في تغلغل حزب الله في مؤسسات الدولة يبقى ناقصاً، لأن هذا الاختراق لم ينشأ من فراغ، بل ضمن نظام سياسي وإداري تكيف معه، واستفاد منه أحياناً. فالدولة العميقة التي راكمها ليست مجرد اختراق من خارج الدولة إلى داخلها، بل هي نتاج تفاعل بين السلاح والشبكات الزبائنية والتوازن الطائفي والمحاصصة واقتصاد الظل وبنية الفساد وطبقة سياسية قبلت التعايش مع هذا الواقع. وهذا ما يجعل المعضلة تتجاوز مجرد مواجهة تنظيم مسلح أو تفكيك النفوذ الأمني، إذ ما ترسخ هو منظومة المصالح والحاضنات المتداخلة. لذلك، لا يبدو أن استعادة الدولة هي مواجهة مع الحزب وحده، بل مع بنية لبنانية أوسع تكيفت معها، بل وأعادت إنتاج ظروفها أحياناً. ولذلك فإن أي تسوية عسكرية أو تفاوضية قد لا تكون كافية، حتى لو قيدت دوره العسكري، إذا بقيت هذه البنية العميقة على ما هي عليه، لأن ما قد يتغير حينها هو ميزان القوى، وليس المعادلة نفسها.

ويبقى السؤال: ماذا يفعل الاتفاق ببنية السلطة الداخلية؟ التفاوض قد يهدئ الجبهات، لكنه لا يتناول جوهر الأزمة: أزمة الدولة نفسها. هنا على وجه الخصوص، تبدو حوادث العجلة المتسلسلة والجديدة ذات أهمية كبيرة. لأنهم يتذكرون أن أزمة السيادة في لبنان لا تتوقف عند الحدود الجنوبية والسلاح غير الشرعي، بل تمر في قلب المؤسسات نفسها. وهذا ما يجعل استعادة الدولة مساراً أبعد بكثير من مسألة السلاح. وهو مسار يتعلق بإعادة بناء عقيدة القضاء والإدارة والأمن، واستقلال القرار العام، ومنع استخدام مؤسسات الدولة المدنية كأدوات ضمن موازين القوى الموازية، وإخضاع عناصر السلطة لشرعية واحدة.

وما تراكم على مدى عقود لن يتم تفكيكه بتسوية أو إجراء أمني مؤقت، بل بمشروع دولة طويل الأمد. فهو يعيد تعريف السلطة والشرعية والعلاقة بين المواطن والدولة. وهنا تكمن صعوبة التعامل مع الحزب ليس كقوة عسكرية فحسب، بل كجزء متشابك من بنية الحكم نفسها، وهو ما يجعل التحدي الحقيقي في فترة ما بعد الحرب تحدياً بنيوياً بامتياز، وليس مجرد استحقاق أمني أو تفاوضي.

المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها

#الدولة #لا #يمكن #أن #تستعاد #بنزع #السلاح #وحده #صوت #لبنان #صوت #لبنان

الدولة لا يمكن أن تستعاد بنزع السلاح وحده – صوت لبنان – صوت لبنان

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – الدولة لا يمكن أن تستعاد بنزع السلاح وحده – صوت لبنان – صوت لبنان

المصدر : www.vdl.me

.