دستور نيوز
لمى قنوت
وتشكل العدالة الانتقالية إطارًا قانونيًا وسياسيًا لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة خلال المراحل الانتقالية، من خلال نظام متكامل يشمل المساءلة وكشف الحقيقة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار. إلا أن تطبيق هذا النظام يطرح مشكلة نظرية مركزية تتعلق بالمقارنة بين المنهج التدريجي الذي يؤجل بعض عناصر العدالة، والمنهج المتزامن الذي يفترض تنفيذها بالتوازي. وفي سوريا تظهر المشكلة بوضوح في مشروع قانون العدالة الانتقالية وسلوك السلطة الانتقالية، إذ أنهما لا يعكسان كلا التوجهين في شكلهما النظري، بل يعتبران استخداماً سياسياً للعدالة بهدف إدارة توازنات القوى.
ومن الناحية النظرية، فإن النموذج التدريجي القائم على مركزية الضحايا وتنفيذ العدالة على مراحل يقوم على فرضية أن المجتمعات الخارجة من الصراع تحتاج إلى درجة من الاستقرار قبل الانخراط في المساءلة الشاملة التي قد تهدد التوازنات الهشة. ويبرر هذا النموذج العفو المشروط أو الضمني، وتأجيل المحاكمات، والتركيز على الاستقرار المؤسسي أولاً. لكن مخاطر تسييس هذا النموذج تكمن في تحول منطق «التأجيل» إلى تعطيل دائم وترسيخ الإفلات من العقاب. في المقابل، يرى النهج المتزامن أن العدالة بشموليتها وتزامن آلياتها شرط للاستقرار والسلم الأهلي، وأن تأجيلها يقوض الثقة ويؤسس لدوامات جديدة من العنف.
عند تحليل مشروع قانون العدالة الانتقالية، يبدو على مستوى النص اعتماداً وثيقاً للمقاربة الآنية، من خلال تضمين مركزية الضحايا وكافة آليات العدالة الانتقالية. لكن هذا الإدراج شكلي أكثر منه أساسي، إذ تحتوي المسودة على ثغرات بنيوية، منها فجوة الشمولية الزمنية التي لم تشمل الانتهاكات التي حدثت خلال المرحلة الانتقالية، وفجوة تعريف وتعريف الجماعات والفصائل التي ارتكبت الانتهاكات. واقتصر مشروع القانون على التركيز على جرائم النظام السابق، وكلا الثغرات تؤسس لعدالة انتقائية تميز بين الضحايا، وهو ما يتناقض مع جوهر نهج التزامن الذي يفترض الشمول الكامل.
كما أن الشرعية الدستورية والمجتمعية للعدالة الانتقالية تعتمد على المشاركة الواسعة للضحايا والمجتمع المدني، فيما تم إعداد مشروع القانون بتقييد العمل التشاركي أو إضعافه، وهو يتناقض مع النهج المتزامن الذي يتطلب تعدد الفاعلين، وليس احتكار اتخاذ القرار، ومركزية الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية. وحتى لو افترضنا أن مشروع القانون يقترب من التدرج، فإن نص النص يدحض ذلك. التدرج الحقيقي يتطلب الشمولية بضمانات مكتوبة واضحة، وتأجيل الملفات مؤقت وليس دائم وبخطة زمنية واضحة. وعليه، فإن وصف العدالة الانتقالية الذي اختارته الهيئة، حتى الآن، هو عدالة انتقائية مسيّسة تحمي تحالفات السلطة الانتقالية، وتدير المخاطر بدلاً من معالجة الانتهاكات، وتعيد تعريفها، وتسيطر على الذاكرة الجماعية وفق رؤية السلطة.
وإذا افترضنا أن إقصاء السلطة الانتقالية عن النهج الشامل للعدالة ينطبق على مشروع القانون، لتحقيق استقرار سياسي سريع، فإنه يرسخ هشاشة قانونية طويلة الأمد، ويقوض الشرعية التي تحتاجها السلطة، ويوفر عدالة مسيسة، توصف غالبا بـ”عدالة المنتصر”، أي أنها تستخدم كأداة لحماية الفاعلين والحلفاء، وإدارة التوازنات السياسية وحمايتها، وليس كآلية لحل الانتهاكات وضمان عدم تكرارها، وبالتالي فهي بالضرورة يكرّس المواطنة غير الكاملة للضحايا الذين لم يتم تضمينهم وعدم الاعتراف بهم من قبل تلك العدالة.
مؤشرات التسييس هذه تقارب ما حصل في لبنان من معاملة/تسوية، بعد سنوات الحرب، حيث تم دمج قادة الميليشيات في السلطة، وصدر قانون العفو العام عام 1991، ومحو حقوق الضحايا مع الحق في معرفة الحقيقة والإنصاف والعدالة، ومبادرات المجتمع المدني قطعت طريقاً شاقاً في البحث عن المختفين قسرياً، وحاول البعض فتح مساحات لإحياء الذكرى، لكن حتى الآن فشل لبنان في معالجة إرث الماضي العنيف. بطريقة مستدامة حقا، ويبقى السلام. فالأهلي هش، وتثار الفتن الطائفية والمناطقية لأتفه الأسباب، ما ساهم في تعطيل بناء الدولة وضمان الحياة الكريمة لكل اللبنانيين، وترسيخ تفشي الفساد والإفلات من العقاب.
وبالعودة إلى السياق الذي أنشئت فيه الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وهي سلطة انتقالية حريصة على احتكار السلطة والسيطرة على القرار، فإنها تبدو مؤسسة ذات استقلالية محدودة أو مقيدة سياسيا، تعمل ضمن هامش تحدده السلطة، خاصة أن عضويتها لم تأتي عبر عملية تشاورية واسعة ومجلس شعب منتخب، ناهيك عن ازدواجية عمل بعض أعضائها مع السلطة التنفيذية في الوقت نفسه. وعليه فإن وجود الضمانات القانونية اللازمة في نص القانون يضمن استقلال الهيئة وأعضائها، مع آليات شفافة. للتعيين والفصل، وتنظيم واضح لعلاقته مع السلطات بما يضمن التعاون دون تبعية، بالإضافة إلى تحديد دقيق للاختصاصات وآليات التنسيق الداخلي لمنع التداخل والتعارض.
خلاصة القول، إن الإطار الحالي للعدالة الانتقالية في سوريا قد خرج من النهج الشامل والتدريجي، إلى ممارسة انتقائية مسيسة، يتم التحكم فيها كأداة لإدارة توازنات القوى، بدلاً من التصدي بشكل جذري للإفلات من العقاب، وضمان عدم تكرار الانتهاكات والجرائم. إن الاستمرار في هذا المسار سيعمق الانقسامات ويعيد إنتاج ظروف الصراع.
متعلق ب
إذا كنت تعتقد أن المقالة تحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية، أرسل لي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية، قم بتقديم شكوى
#العدالة #الانتقالية #في #سوريا #بين #خطاب #الإدماج #وممارسة #التسييس
العدالة الانتقالية في سوريا بين خطاب الإدماج وممارسة التسييس
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – العدالة الانتقالية في سوريا بين خطاب الإدماج وممارسة التسييس
المصدر : www.enabbaladi.net
