.

عالم الأسرة – «الخرس الزوجي»: جدار يهدم البيوت

اخبار الأسرهمنذ 3 ساعات
عالم الأسرة – «الخرس الزوجي»: جدار يهدم البيوت


دستور نيوز

عنب بلدي – شعبان شامية

في كثير من البيوت، لا تبدأ المشاكل بصوت عالٍ أو خلاف واضح، بل بصمت خفي يتعاظم مع مرور الوقت حتى يتحول إلى جدار يفصل بين الزوجين.

وهذا ما يسمى في الإرشاد النفسي والأسري “الخرس الزوجي”، بحسب ما قالت استشارية علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي. هي حالة من انقطاع التواصل لا تقتصر على الكلام فقط، بل تمتد لتشمل المشاعر والاهتمام والتفاعل اليومي.

قد يبدو الصمت ظاهريًا هدوءًا، بحسب الاستشاري، لكنه في العمق قد يخفي مشاعر متراكمة من الإحباط أو التعب أو فقدان الأمان.

وأشار العرنوس إلى أن هذا النوع من الصمت يتسلل بهدوء دون لفت الانتباه، حتى يصل الطرفان إلى مرحلة القطيعة رغم العيش تحت سقف واحد.

الصمت أم الانسحاب؟

«الصمت الزوجي» لا يقتصر على قلة الكلام فحسب، بحسب المستشارة، بل هو انسحاب نفسي وعاطفي تدريجي من العلاقة.

وفي هذه الحالة، لا يغيب الصوت فقط، بل يغيب أيضًا الاهتمام والتفاعل والاندماج، بحسب العرنوس، معتبرًا أن الصمت يحمل رسائل غير معلنة مثل “لم أعد أشعر بالأمان” أو “لم يعد هناك جدوى من الكلام”.

الصمت بدل المواجهة

ومن الناحية النفسية، فإن الصمت غالبا ما يكون آلية دفاع وليس قرارا واعيا، بحسب العرنوس، حيث يلجأ إليه الفرد عندما يشعر بأن صوته غير مسموع، عندما يخاف من التصعيد أو الرفض، ويتعب من تكرار نفس الخلافات دون نتيجة، أو يفقد الأمل في التغيير، مشيرا إلى أن الصمت في هذه الحالة ليس راحة، بل تعب صامت.

ولفت العرنوس إلى أن «الخرس» لا يحدث فجأة في أغلب الأحيان، بل هو نتيجة تراكمات تتمثل في: خيبات أمل صغيرة متكررة، ومشاعر غير معلنة، وتجاهل طويل الأمد للحاجات العاطفية، حتى يصل أحد الطرفين إلى قناعة داخلية بأن التعبير لم يعد يجدي نفعاً.

المؤشرات والتداعيات

وهناك مؤشرات واضحة لاكتشاف الزوجين أنهما دخلا مرحلة «الصمت الزوجي» الخطير، بحسب المستشارة، حيث يقتصر الحديث على الأمور الضرورية فقط، وغياب كامل للحوار العاطفي، وتجنب الجلوس أو النقاش، والشعور بالغربة رغم العيش تحت سقف واحد، مؤكدة أن الأخطر ليس الصمت، بل اللامبالاة التي تأتي بعده.

العواقب النفسية على الأزواج والأبناء

ويولد “الصمت الزوجي” لدى الزوجين آثارا نفسية، بحسب الاستشاري، مثل الشعور العميق بالوحدة داخل العلاقة، وتدني احترام الذات، والتوتر الداخلي المستمر، والاحتقان العاطفي الذي قد يتحول إلى انسحاب كامل، حيث تصبح العلاقة شكلا بلا روح.

ويؤثر ذلك أيضاً على الأطفال، الذين لا يحتاجون إلى سماع الشجار ليتأثروا، بل يكفي أن يشعروا بالصمت البارد، وقد يبدو أنهم يشعرون بالقلق أو التوتر غير المبرر، ويجدون صعوبة في التعبير عن مشاعرهم، ويقلدون نفس النمط في علاقاتهم في المستقبل، بحسب الاستشاري، معتبراً أن المنزل الصامت قد يكون أكثر إرباكاً من المنزل الذي يوجد فيه خلاف صحي.

وقال العرنوس إن “الصمت” ليس بالضرورة علامة على نهاية الحب دائما، فقد يكون حبا متعبا أو مشاعر لم تجد طريقة صحية للتعبير، في حين أن استمرارها لفترة طويلة قد يؤدي إلى تآكل المشاعر.

السلوكيات غير المقصودة

ومن الأخطاء الشائعة التي تزيد من الخرس، بحسب العرنوس، انتظار الطرف الآخر لبدء استخدام الصمت كعقاب، وتفسير الصمت بشكل سلبي دون سؤال، وتراكم المشاعر دون إطلاقها، لافتاً إلى أن هذه السلوكيات تحول الصمت إلى جدار يصعب كسره.

نصائح ومفاتيح لكسر “كتم الصوت”

وتحدثت المستشارة النفسية العائلية عن آلية كسر هذا الصمت بطريقة ناضجة، من خلال تجنب اللوم، والاعتراف بالمشكلة بهدوء، بالإضافة إلى اختيار الوقت المناسب للحوار، والتعبير عن المشاعر دون اتهام، والاستماع الحقيقي للطرف الآخر، مشيرة إلى أنه في بعض الأحيان جملة بسيطة مثل “افتقدت حديثنا” قد تفتح بابا مغلقا منذ فترة طويلة.

وفي حال رفض أحد الأطراف التواصل بشكل كامل، نصح العرنوس بعدم الضغط أو المواجهة الحادة، بل استخدام المبادرات الصغيرة والمستمرة وإظهار الأمان بدلاً من المطالب، موضحاً أنه في حال استمرار الانسحاب يصبح التدخل المهني خطوة ضرورية.

ويؤثر التعب النفسي والضغوط الحياتية على ظهور “الخرس الزوجي”، بحسب العرنوس، فالضغط النفسي المستمر يجعل الإنسان أقل قدرة على التعبير عن نفسه، وقد يدفعه إلى الانسحاب أو الصمت أو تجنب النقاش.

لكن المشكلة تحدث عندما يتحول هذا الصمت المؤقت إلى أسلوب دائم، ويصبح «الصمت» وسيلة للهروب بدلًا من الانقطاع.

ويرى المستشار النفسي الأسري أن الاعتذار الصادق هو أقوى مفتاح لكسر “الصمت الزوجي”، على أن يكون واضحا دون مبالغة في التبرير، ويصاحبه تغيير في السلوك، معتبرة أن ذلك لا يعيد الحوار فحسب، بل يعيد الشعور بالأمان.

التقدير يلعب دورا إيجابيا

ويعتبر عدم التقدير من أهم أسباب الصمت، بحسب العرنوس. عندما يشعر الشخص أنه غير مرئي في العلاقة، فإنه ينسحب تدريجياً. لذلك فإن كلمة شكر أو ملاحظة مجهود بسيط أو تعبير عن الامتنان قد يعيد الحياة إلى العلاقة ويقلل من احتمالية “الصمت”.

متى نحتاج للتدخل المهني؟

ويصبح التدخل المتخصص ضرورياً، بحسب الاستشاري، عندما يستمر «الخرس» لفترة طويلة دون تحسن، أو عندما تتحول العلاقة إلى تعايش بارد، أو يظهر تأثير نفسي واضح على الأبناء، أو يفشل الزوجان في إعادة الحوار، محذراً من أن تأخر العلاج في مثل هذه الحالات يزيد الفجوة إلى حد كبير.

وأكد العرنوس إمكانية استعادة الدفء بعد “الخرس”، مشيراً إلى أن ذلك يصاحبه شروط، مثل وجود رغبة حقيقية لدى الطرفين والاستعداد لتغيير الأنماط القديمة، إضافة إلى الصبر لإعادة بناء الثقة، فالعلاقة لا تصلح بكلمة واحدة، بل بتصرفات متكررة.

وشددت المستشارة على دور الكلمات البسيطة في تنشيط العلاقة، موضحة أن عبارات مثل “أقدرك”، و”أفتقد وجودك”، و”لنبدأ من جديد”، قد تكون بمثابة علاج نفسي، فالكلمة الصادقة قد تعيد شعوراً ضاع منذ زمن طويل.

واختتمت المستشارة النفسية العائلية حديثها لعنب بلدي، قائلة إن “الخرس الزوجي” ليس غياب الكلام، بل غياب التواصل الإنساني العميق، مؤكدة أن كل صمت طويل يحمل وراءه قصة لم تروى. العلاقات لا تنهار بسبب الخلافات، بل بسبب الصمت الذي يمنعها من الفهم.

#الخرس #الزوجي #جدار #يهدم #البيوت

«الخرس الزوجي»: جدار يهدم البيوت

– الدستور نيوز

عالم الأسرة – «الخرس الزوجي»: جدار يهدم البيوت

المصدر : www.enabbaladi.net

.