.

عالم الأسرة – “النزل” في سوريا.. فضاء اجتماعي للنقاش وحل النزاعات

اخبار الأسرهمنذ ساعتين
عالم الأسرة – “النزل” في سوريا.. فضاء اجتماعي للنقاش وحل النزاعات


دستور نيوز

عنب بلدي – محمد ديب بزت

في العديد من المناطق السورية، لا تزال “الضيافة” حاضرة كفضاء اجتماعي متجذر في تفاصيل الحياة اليومية. فهو ليس مكانًا للجلوس أو استقبال الضيوف، بل هو بناء اجتماعي كامل تتحرك فيه العلاقات، وتدور المناقشات، وتحل الخلافات، وتعاد صياغة العلاقات بين الأفراد في إطار عادات وتقاليد لم تختف رغم التحولات التي شهدها المجتمع خلال السنوات الماضية، بل ظلت حاضرة بشكل أو بآخر، خاصة في البيئات القبلية والريفية التي لا تزال تعتبر “مضافة” جزءًا من سياقه الاجتماعي.

قد يبدو «بيت الضيافة» في شكله المادي بسيطًا، غرفة كبيرة أو مبنى مستقل ملحق بالمنزل، مؤثث بشكل تقليدي، تتوسطه «جلسة قهوة عربية» أو «شاي»، ويمتد المشهد أحيانًا إلى مساحة مفتوحة تستقبل الزوار بشكل شبه دائم، لكن هذا الشكل الخارجي لا يعكس إلا جزءًا صغيرًا من وظيفته الحقيقية، حيث يتحول «بيت الضيافة» عمليًا إلى مجلس حي تدار فيه تفاصيل وشؤون الحياة اليومية، وتناقش القضايا الصغيرة والكبيرة، وشبكة العلاقات الاجتماعية التي يربط أبناء المنطقة ببعضهم البعض.

التوسع خارج الحدود

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل “المضافة” عن طبيعة المجتمع العشائري في سوريا، الذي يمتد جغرافياً واجتماعياً إلى ما وراء الحدود، حيث تتوزع العشائر العربية بين سوريا والعراق والأردن ومناطق أخرى، مع تشابه كبير في العادات والتقاليد، خاصة فيما يتعلق بالضيافة وإدارة العلاقات الاجتماعية، ما يجعل “المضافة” جزءاً من نظام ثقافي أوسع لا يتوقف عند حدود الدولة.

وقال محمد العلي السرحان، من عشيرة المشاهدة بريف حلب الجنوبي، إن “المضافة” في السياق العشائري لا يمكن النظر إليها بمعزل عن هذا الامتداد، فهي مرتبطة بنظام اجتماعي مماثل عبر أكثر من بلد.

وتبقى «الخيمة العربية» أو مجالس الاستقبال المماثلة الإطار الأساسي الذي تدار من خلاله شؤون العشيرة، سواء في استقبال الضيوف أو عقد الاجتماعات أو حل الخلافات أو السعي للصلح بين الناس، وفق عادات موروثة لا تزال حاضرة بقوة.

وأضاف السرحان، في حديث إلى عنب بلدي، أن الضيافة في هذا الإطار تعتبر نظامًا كاملاً يبدأ من لحظة استقبال الضيف وتكريمه، ويمتد لعدة أيام في بعض الأحيان قبل الانتقال إلى سبب الزيارة أو موضوعها، وهو ما يعكس مكانة الكرم في البنية الاجتماعية للعشيرة.

الجانب المستمر لهذا التقليد، بحسب السرحان، هو وجود القهوة العربية كعنصر رمزي أساسي ضمن “المضافة”، ليس فقط كضيافة، بل كجزء من طقوس اجتماعية متكاملة، ترتبط أيضاً بدور شيخ العشيرة، الذي يتولى إدارة الشؤون الداخلية، وحل النزاعات، وتنظيم العلاقات بين أفراد العشيرة، في إطار مرجعية اجتماعية غير رسمية لا تزال تلعب دورها.

ممارسة تتجاوز اللوحة التقليدية

وفي السياق نفسه، قال علي الخطيب من عشيرة “البكارة” في مدينة الحسكة، إن “دار الضيافة” لا يزال يمثل مساحة يومية فعلية، ولا يرتبط بمناسبة أو مناسبة موسمية، إذ يستخدم بشكل مستمر للقاء أفراد العشيرة وتبادل الأحاديث ومناقشة القضايا العامة واستقبال الضيوف، ما يجعله نقطة تجمع اجتماعي دائم يتجاوز فكرة “المجلس التقليدي” إلى كونه جزءاً من حياة الناس اليومية.

وأضاف الخطيب، في حديث إلى عنب بلدي، أن أهمية هذا الفضاء تكمن في قدرته على الحفاظ على شكل من أشكال التواصل المباشر بين الأفراد، في وقت تتغير فيه أنماط الحياة بشكل كبير.

وأشار إلى أنه رغم هذا التغيير، ظلت دار الضيافة نقطة مرجعية للعلاقات الاجتماعية، ومكانا يتم فيه إعادة تنظيم الكثير من التفاصيل اليومية، سواء كانت تتعلق بالمشاكل الشخصية أو القضايا العامة داخل المجتمع المحلي.

كما يرى إبراهيم العكيدي، من عشيرة “العكيدات” بريف حلب الجنوبي، أن “المضافة” لا تزال تحافظ على دورها كمرجع اجتماعي أساسي، يلجأ إليه الناس في مختلف القضايا، سواء المتعلقة بالخلافات أو الاحتياجات اليومية، أو حتى تنسيق العلاقات بين أفراد العشيرة.

واعتبر العكيدي، في حديث إلى عنب بلدي، أن هذا الدور لم يتراجع، بل تكيف مع الظروف الحالية، وأصبح أكثر ارتباطًا بالحياة اليومية، خاصة فيما يتعلق بدعم الشباب وتعزيز الانتماء الاجتماعي داخل العشيرة، ما يجعل من “دار الضيافة” مساحة تتجاوز فكرة الجلوس التقليدي وتتحول إلى بنية اجتماعية فعالة.

بين التقليد والاستمرارية

وعلى الرغم من هذا الطابع التقليدي، فإن «النزل» لم يبق ثابتاً تماماً في شكله أو وظيفته، إذ شهد بعض التغييرات في طريقة الاستخدام والانفتاح. ولم يعد يقتصر على الأعيان أو كبار السن فقط، بل أصبح في كثير من الأحيان أكثر مرونة وانفتاحا على مختلف الفئات، كما أن وجود وسائل الاتصال الحديثة لم يلغي دوره، بل جعله في بعض الحالات أكثر أهمية كمكان للتواصل المباشر الذي لا يمكن الاستعاضة عنه تماما بالعلاقات الافتراضية.

ومن زاوية أوسع، يمكن النظر إلى “دار الضيافة” على أنها مساحة تعكس فكرة الكرم كقيمة اجتماعية عميقة الجذور، لا تمارس كواجب فحسب، بل كجزء من هوية اجتماعية كاملة، حيث يتم استقبال الضيف وتكريمه دون توقع أي شيء في المقابل.

ويعتبر هذا الفعل معياراً اجتماعياً يعكس مكانة الأسرة أو العشيرة في محيطها، والذي يصاحبه استمرار الولائم في المناسبات الاجتماعية والعائلية، كامتداد طبيعي لدور «الضيافة»، ومساحة لتقوية الروابط وإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع.

وفي هذا السياق، يتداخل “الاستشفاء” مع مفهوم أوسع للتضامن الاجتماعي، فهو لا يقتصر على الضيافة أو الاجتماعات، بل يمتد أحيانًا إلى مناقشة قضايا تتعلق بالاحتياجات المعيشية للأفراد، أو دعم بعض الحالات داخل المجتمع، في إطار مسؤولية جماعية غير مكتوبة، تعكس طبيعة العلاقات في البيئات القبلية.

ورغم التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية، إلا أن “دار الضيافة” لم تتحول إلى مجرد بقايا من الماضي. بل بقي فضاء حافظ على وجوده من خلال حركته داخل المجتمع. ويتغير شكلها أحياناً، لكنها تحافظ على جوهرها كمساحة للقاء المباشر، وميدان لإدارة العلاقات الاجتماعية، ومكان تصاغ فيه تفاصيل الحياة اليومية بعيداً عن المؤسسات الرسمية.

بين القهوة المقدمة في بداية اللقاء، وأحاديث المساء التي تستمر لساعات، والاجتماعات غير الرسمية، يواصل «النزل» أداء دوره كـ «مجلس شعب»، وهو الفضاء الذي لا يزال حاضراً في الذاكرة الجماعية لأبناء القبائل، ويشكل جزءاً من البنية الاجتماعية التي لا تزال قادرة على الاستمرار رغم كل ما تغير.

#النزل #في #سوريا. #فضاء #اجتماعي #للنقاش #وحل #النزاعات

“النزل” في سوريا.. فضاء اجتماعي للنقاش وحل النزاعات

– الدستور نيوز

عالم الأسرة – “النزل” في سوريا.. فضاء اجتماعي للنقاش وحل النزاعات

المصدر : www.enabbaladi.net

.