دستور نيوز
بقلم موفق حرب
“أساس ميديا”
في السنوات القليلة الماضية، كان هناك افتراض بأن الشرق الأوسط أصبح عبئاً على الولايات المتحدة، وأن المستقبل يرسم في آسيا. ولكن الحرب الأخيرة كشفت عن حقيقة لا لبس فيها: فعندما تهتز المنطقة، تعود أميركا على الفور إلى قلبها، ليس لأنها تريد ذلك، بل لأنها غير قادرة على الرحيل.
لسنوات عديدة، تحدثت واشنطن وكأن الشرق الأوسط صفحة طويت، وأن المسرح الحقيقي هو في آسيا والمحيط الهادئ. فقد استنزفت الحروب في العراق وأفغانستان الأموال وعمليات صنع القرار السياسي، وولد ما يسمى “التحول إلى آسيا” كتصحيح استراتيجي: تواجد أقل في الشرق الأوسط، وزيادة التركيز على الصين والمنافسة التكنولوجية والبحرية.
لكن الحروب، كعادتها، تكشف الفجوة بين ما يُعلن عنه وما يُمارس. إن الحرب الأميركية الحالية ضد إيران، والحشد البحري المكثف في الخليج، والعمليات في مضيق هرمز، تشير جميعها إلى نتيجة واحدة: لا تزال الولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره منطقة حيوية لا يمكن تركها للفوضى، ولا يمكن تسليمها إلى المنافسين، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها قضية ثانوية.
إدارة مسرحين
وهذا لا يعني أن واشنطن تخلت عن «التحول نحو آسيا» (محورها إلى آسيابل يعني محاولة إدارة مسرحين في الوقت نفسه، ومنع أي منهما من الانزلاق إلى فراغ استراتيجي تستفيد منه القوى الأخرى.
كان الافتراض القديم هو أن الولايات المتحدة يمكن أن تقلل من وجودها في الشرق الأوسط بسبب تراجع أهميتها النسبية: تقليل الاعتماد على نفط الخليج، وصعود الصين بوتيرة أسرع، وزيادة الضغوط الأوروبية بسبب الحرب في أوكرانيا. وحتى التفكير الاستراتيجي الأميركي الحديث كان يميل إلى خفض الموارد في الشرق الأوسط لصالح آسيا، مع الحفاظ على حد أدنى من الوجود لطمأنة الحلفاء ومنع الانفجارات الكبرى.
لكن الحقائق الأخيرة تكشف حدود هذا التصور: حشد غير مسبوق للبحرية الأميركية منذ حرب العراق، ونشر ضخم للأصول العسكرية، وعودة واضحة إلى منطق السيطرة على الممرات البحرية وردع التصعيد. وهذا مؤشر واضح على أن هذا ليس سلوك قوة منسحبة، بل قوة تعيد إرساء خطوطها الحمراء.
هل عادت أمريكا؟
والسؤال الحقيقي لم يعد: هل عادت أميركا؟ بالأحرى: ما هو نوع الحضور الذي تريده اليوم؟
ومن غير المرجح أن تعود واشنطن إلى نموذج الحروب المفتوحة، والاحتلالات الطويلة، وبناء الدولة. لقد أصبحت التكاليف السياسية والعسكرية لهذا النموذج غير مقبولة. والأرجح هو نموذج مختلف: قوة جوية وبحرية هائلة، وانتشار مرن، وزيادة الاعتماد على الحلفاء، والقدرة على التدخل بسرعة عند الحاجة. بتعبير أدق: السيطرة دون احتلال.
لقد أعادت الحرب الحالية مع إيران ترتيب الحسابات الأميركية على ثلاثة مستويات:
1- لا يزال الشرق الأوسط عقدة في النظام العالمي: أمن الطاقة، وحرية الملاحة، وحماية الحلفاء، ومنع الانتشار النووي. مضيق هرمز ليس ممرًا إقليميًا، بل شريانًا دوليًا. وأي اضطراب فيها يمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة ليؤثر على الاقتصاد العالمي.
2- واشنطن لا تريد ترك فراغ بعد الحرب. ليس لأن الصين أو روسيا مستعدتان لملء هذا الفراغ عسكريا، ولكن لأنهما قادران على استغلاله بطرق أخرى: النفوذ الاقتصادي، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والخطابات السياسية ضد الولايات المتحدة. إن الفراغ اليوم لا يتم ملؤه بالأساطيل فحسب، بل بالصفقات والشبكات والنفوذ.
3- إن المنافسة مع الصين تمر بمنطقة الشرق الأوسط، وليس ببعيد عنها. الطاقة، والممرات البحرية، والتحالفات الخليجية، كلها عناصر متشابكة في الصراع الأوسع مع بكين. ولذلك فإن «التحول نحو آسيا» لا يعني مغادرة الشرق الأوسط، بل إعادة تحديد كيفية التواجد فيه.
وتبقى أمريكا
وبعد الحرب مع إيران، أصبح هذا الترابط أكثر وضوحا. وإذا خرجت إيران ضعيفة ولكن غير مهزومة، فإن الحاجة إلى ردعها سوف تظل قائمة. إذا دخلت مرحلة اضطراب داخلي ستظهر مخاطر الفوضى والانتشار والتفكك. وإذا تم التوصل إلى تسوية، فستحتاج واشنطن إلى قوة قريبة لضمان تنفيذها. وفي كل السيناريوهات فإن النتيجة واحدة: بقاء أميركا، ولكن بشكل مختلف.
المعضلة الأساسية بالنسبة لواشنطن ليست حجم القوة، بل تحديد الهدف: هل المطلوب هو احتواء إيران؟ ردعها؟ تغير سلوكها؟ أم إعادة تشكيل التوازن الإقليمي؟
وبدون إجابة واضحة، يخشى أن يتحول الوجود العسكري نفسه إلى غاية وليس وسيلة لتحقيق غاية سياسية. وهنا يظهر التوازن الصعب: أميركا لا تريد الخروج والخسارة، ولا تريد الانغماس والإرهاق.
والحل الذي يتبلور اليوم هو صيغة تسوية: تواجد دائم ولكن أخف، وقوة أكثر تركيزا، واعتمادا أكبر على الشركاء، واستعدادا دائما للتصعيد عند الحاجة. شرق أوسط مستقر بما يكفي حتى لا يرهق واشنطن، ومستقر بما يكفي حتى لا يتحول إلى فرصة لمنافسيه.
ولذلك، لا يبدو أن الوجود الأميركي في الشرق الأوسط سوف يتراجع بعد هذه الحرب. بل على العكس من ذلك، قد تصبح أكثر وضوحاً في أهدافها: منع الفراغ، وحماية الممرات، وطمأنة الحلفاء، وردع الخصوم. هذه ليست عودة إلى الشرق الأوسط، بل هي إعادة تعريف للبقاء هناك.
بالتوفيق حرب
#لماذا #لا #تستطيع #أمريكا #مغادرة #المنطقة
لماذا لا تستطيع أمريكا مغادرة المنطقة؟
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – لماذا لا تستطيع أمريكا مغادرة المنطقة؟
المصدر : www.elsharkonline.com
