دستور نيوز
عمان – في كتابها “دي دي” تأخذنا الكاتبة شيرين سبانخ في رحلة ممتعة وملهمة وواعية لمخاطبة عقول ومشاعر الفتيات، وتزويدهن بدليل بسيط للتعامل مع تحديات النمو والبلوغ. وبأسلوبها السردي الجذاب، استطاعت شيرين الوصول إلى القضايا التي تؤرق الفتيات في سن الثامنة، متحدثة عن المخاوف التي قد تسيطر عليهن في هذه المرحلة الحرجة. ولم تكتف شيرين بإثارة هذه المخاوف، بل قدمت إجابات واضحة ومطمئنة على العديد من الأسئلة التي تدور في أذهان الفتيات، أسئلة قد تبدو غامضة وصعبة الفهم، لكنها ضرورية في تخفيف التوتر والقلق. ومن خلال هذا الكتاب، تؤكد شيرين أن الحديث عن النمو والبلوغ ليس مجرد مرحلة، بل هو قصة تتطلب حوارًا هادئًا مليئًا بالوعي والفهم، مما يجعل هذا الكتاب رفيقًا للفتيات في هذه الفترة الحساسة من حياتهن. الكتاب مبني على أسس علمية وطبية لمخاطبة الفتيات الصغيرات وتزويدهن بنصائح وتفاصيل مهمة حول التغيرات البيولوجية والنفسية التي تمر بها أجسادهن. هذا الكتاب بكل ما يحتويه من معلومات مهمة هو دليل وناصح للأهل للتدخل المبكر الذي يقلل من المشاكل والتحديات النفسية التي قد تضع الفتاة في حيرة وضياع إذا لم تجد من يفهمها ويحتويها ويمنحها مساحة آمنة للحديث عن كل ما تشعر به. هذا الكتاب يجيب على العديد من الأسئلة والاستفسارات العديدة المتعلقة بالنمو والبلوغ عند الفتيات من سن 8 سنوات، وقد صمم لتمهيد الطريق وشرح هذه المرحلة المهمة والتعامل معها بطريقة علمية وعملية مع مراعاة ثقافتنا العربية. في حوارها مع الدستور نيوز تشرح الكاتبة أهمية هذا النوع من الكتب، وتدعو إلى الاهتمام أكثر بالمحتوى المقدم للأطفال لرفع مستوى الوعي لديهم. تقول إن فكرة الكتاب بدأت حوالي عام 2020، وتحديداً بعد أن لاحظت قلة الوعي بالقضايا الأكثر حساسية لدى الفتيات في المجتمعات العربية وخوف الفتيات من الحديث عن الدورة الشهرية حتى مع المقربين منهن. ومن هنا جاءت المقارنة بين اهتمام الغرب بهذا الموضوع والتعتيم عليه في منطقتنا العربية، إضافة إلى الجهل بكيفية طرح مثل هذه القضايا الحساسة والتعامل معها، وتشير إلى أن الفارق يكمن في اهتمام الغرب بإدخال فكرة البلوغ والتغيرات النفسية والبيولوجية التي تصاحبه ضمن مناهجه المدرسية وفي سن مبكرة، وكذلك إقامة ورشات توعوية بشكل مستمر لتثقيف الفتيات وتعليمهن كيفية الحفاظ على أجسادهن وصحتهن النفسية والعاطفية، فهو تغيير يؤثر بشكل كبير على نفسية الفتاة وثقتها بنفسها، وهذا ما أثبتته العديد من الدراسات العلمية التي تبين أن الفتاة عندما تمر بمرحلة البلوغ والنمو، إذا لم يكن لديها وعي كافٍ بالتغير البيولوجي، فمن المحتمل جدًا أن يؤثر ذلك على ثقتها بنفسها، وهذا أيضًا سيمنعها من الطموح إلى أشياء أعلى. إن شعورها بأهمية هذا الموضوع في عالمنا العربي ضمن إطار ثقافتنا جعلها تؤمن، بل وتسعى لإيجاد وسائل تعليمية تشرح من منظور علمي فقط سبب هذا التغيير، ولماذا يحدث وكيف يكون دليلاً على صحة الجسم. كما يركز الكتاب على نقطة مهمة، وهي أن حدوث الدورة الشهرية لا يعني إطلاقاً أن الفتاة كبرت، بل هو تغيير يهيئها لما سيحدث في المستقبل. ومن خلال بحثها تلاحظ الكاتبة قلة المواقع العربية التي تتحدث عن فكرة البلوغ، تقول إن ما يوجد هو منتديات نقاش تشارك فيها الأمهات همومهن ومخاوفهن حول هذا الموضوع، ويحاولن إيجاد حلول ليتمكن من تقديم إجابات مرضية ومقنعة لبناتهن على العديد من الأسئلة التي تخطر على بالهن وقد تفقدهن الأمان. وبحسب الكاتبة والبحث الذي أجرته، فقد تبين أن منظمة الصحة العالمية أعلنت في عام 2014 أن سن البلوغ للفتيات في جميع أنحاء العالم انخفض إلى 8 سنوات، لذا من المهم جدًا أن نبدأ في إعداد الفتيات لهذه المرحلة الانتقالية، مع الحفاظ على الصفة العلمية والتربوية السليمة، وهذا الانخفاض يعود إلى تغير نوعية الطعام والبيئة، إلا أن ما يحدث في هذه المرحلة، وتحديدًا قمع الفتاة وإشعارها بأنها كبرت قبل أوانها، يلغي أي إحساس بطفولتها، فهناك بعض الآباء الذين يحاولون إقناعها بأنها كبرت ويبدأون بتقييدها والضغط عليها ومنعها من اللعب وممارسة هواياتها، كل ذلك خوفًا دون مراعاة نفسيتها أو التغيرات التي تمر بها. إضافة إلى تأثير سلبي آخر وهو أن الفتاة تبدأ بالتفكير بما هو أبعد من عمرها خاصة عندما تعتقد أنها كبرت وأصبحت قادرة على الزواج والإنجاب وما ينتج عن ذلك من زواج القاصرات وعواقبه الخطيرة للغاية حيث لا يزال جسد الفتاة غير مهيأ لمشاكل الحمل والولادة مما يهدد حياتها بالخطر وينهي طفولتها مبكرا وتشير الكاتبة إلى أن هدفها في البحث في فكرة النمو والبلوغ كان في البداية وضع برنامج يتناول الصحة النفسية والجسدية للفتاة في تلك المرحلة لاستهداف أكبر عدد من الفتيات في المناطق التي يقل فيها مستوى الوعي ونوهت بضرورة إدراك الفتاة أن ما يحدث لها هو تغير طبيعي يحدث مع كل الفتيات وذلك من خلال المعلومات والحقائق العلمية ويمكنها التحدث مع شخص قريب منها تثق به مثل والدتها أو أختها أو حتى معلمة أو مرشدة نفسية في المدرسة. ولنكون واقعيين، هناك آباء يضطرون إلى لعب هذا الدور في حالات الطلاق أو وفاة الأم، لذا فإن هذا سيساعدها بالتأكيد على تقبل الفكرة وهي مطمئنة ولديها ثقة كاملة بنفسها. يقدم الكتاب للآباء والفتيات مجموعة من النصائح المهمة، ويجيب على العديد من الأسئلة المتكررة، والغرض منه هو التوعية وتوضيح الأمور التي تحتاج إلى شرح بطريقة مبسطة قريبة من جميع المستويات. ميزة هذا الكتاب أنه يواكب مرحلة البلوغ المبكر وبكل التفاصيل المناسبة لذلك العمر، ويتحدث عن كل ما تمر به الفتاة من سن 8 إلى 14 عامًا، وأن كل جسم يختلف عن الآخر، تحتاج الفتاة إلى فهم تدريجي لما يحدث لها بالضبط حتى لا تخاف أو تقلق أو ربما تلجأ إلى أساليب خاطئة وأشخاص يزودونها بمعلومات غير صحيحة وغير كافية حول الموضوع حتى تعرف. كان الحل هو تأليف كتاب بهذه القيمة والمتعة يلامس العقل والمشاعر، ويكون وجهة آمنة لكل من يبحث عنه. هو كتاب توعوي حاولت الكاتبة من خلاله التخفيف من حدة الحياء والخجل والقضاء على ثقافة الخجل في موضوع يتم تناوله علمياً ودينياً، وتوضح الكاتبة طبيعة محتوى الكتاب حيث يتكون من أربعة أجزاء رئيسية كل جزء مصمم لغرض محدد، الجزء الأول يتحدث عن الاستعداد الفكري والعاطفي ويحتوي على معلومات علمية تشرح ما يحدث في جسد الفتاة خلال هذه الفترة ولماذا، مستخدمة أسلوباً سردياً بسيطاً ومثيراً في نفس الوقت ليمنع كل من يقرأه من الشعور بالملل، وفي الجزء الثاني تقدم الكاتبة قصة “دي دي” وهي عملية خروج أول بويضة لتعلن عن وصول الفتاة إلى سن البلوغ وحدوث الدورة الشهرية بشكل دوري، ومن هنا جاء اسم الكتاب، ولم ترغب الكاتبة في أن يكون العنوان مباشراً بل أرادته مخفياً ليجذب القارئ أكثر ويجبره على طرح الأسئلة التي تسبق لحظة الاكتشاف، بطلة القصة فتاة تدعى ياسمين وهي ابنة الكاتبة في الحقيقة. وتقول: “ياسمين هي ابنتي وشريكتي في التعلم، ومن خلالها أصل إلى أهمية حصول كل فتاة على المعلومات العلمية الصحيحة لفهم أجسادها ودعم نموها الجسدي والعقلي والعاطفي السليم”. كما يتضمن الكتاب قسم “دردشة” يشبه الحديث مع ياسمين، ويتضمن صورًا ومعلومات توضح كل التغييرات. وهناك نصائح للآباء والأمهات، منها كما تقول المؤلفة: “كوني واثقة من نفسك وطبيعية، وأظهري الثقة لابنتك، واختاري الوقت والمكان المناسبين. ومن الأفضل مناقشة هذا الموضوع في مكان هادئ خالٍ من المشتتات الخارجية، ولا يفضل مناقشته في مواقف مشحونة عاطفيًا. بالإضافة إلى ذلك، أظهري التعاطف والإيجابية حتى تشعر الابنة بالأمان، وقدمي الدعم والتشجيع، وكوني صادقة، واستخدمي مصطلحات غير معقدة أو محرجة، وحاولي شرح المفاهيم بطريقة تناسب عمر ابنتك”. ومن المهم مشاركة قصص واقعية عن هذه التجربة، موضحة أن التجربة قد تختلف من فتاة لأخرى لتشعر بالأمان، وأن هذا الموضوع علمي وطبيعي ولكن له خصوصيته، وتوعية الفتاة بأن تكون لديها ثقة كافية إذا تعرضت لموقف معين وأن تكون قادرة على التحدث عنه مع معلمتها وطلب المساعدة منها. أما القسم الأخير في الكتاب فهو بعنوان “أفكار”، ويحتوي على اقتراح للإجابة على بعض الأسئلة المتوقعة بعد قراءة القصة ومجموعة أفكار تتعلق بالعناية الشخصية، كما يوجد نشاط عملي مبسط في حال أرادت الأهل التفاعل وتقريب الموضوع من بناتهم وإقناعهن بأنهن يكبرن تدريجيا وليس دفعة واحدة، وأنهن ما زلن يتمتعن بالحق في اللعب وممارسة هواياتهن والاستمتاع بطفولتهن، بالإضافة إلى الرياضة والعناية بغذائهن من خلال نظام غذائي صحي وإعطائهن مساحة للحوار والتعبير عن كل المشاعر التي لديهن. وتوضح الكاتبة أن العمل تم مع طاقات نسائية شاركتهن النجاح وقدمت مادة غنية بالمعلومات العلمية. الكاتبة امرأة وشريكتها في العمل زميلتها من أيام الجامعة الفنانة دينا فواخيري التي حولت النص كاملاً إلى رسوم توضيحية، بالإضافة إلى صاحبة دار كليلة ودمنة للنشر مسرة طوقان، وجميعهن نساء من الأردن. كما تشير الكاتبة إلى أن بداية كتابتها للكتاب تزامنت مع الحرب على غزة، ما يدل على مدى المشاعر الحزينة التي سيطرت عليها في تلك الفترة وكمية التساؤلات التي سيطرت على تفكيرها متسائلة عن مشاعر الفتيات هناك ونفسياتهن في ظل الحرب القاسية التي انتهكت كل المقدسات. أما إهداء الكتاب فكان موجهاً إلى “نساء غزة، إلى ياسمين قلبي وإلى لآلئ غزة التي تولد من أرحامها الكرامة كل يوم”. وتؤكد أن هذا المشروع لكل الفتيات العربيات، آملة أن يزيد من تمكينهن ووعيهن وثقتهن، فتمكين المرأة لا يكون فقط من خلال المشاريع، بل من خلال تمكينها كطفلة، بدءاً من فهمها لجسدها ومجتمعها وعقلها، فالمرأة الواثقة قادرة على تحقيق كل ما تريد، وتأمل أن يصل الكتاب إلى كل بيت وأن يكون جزءاً مهماً من المكتبات والمدارس، بحيث يكون في متناول كل الفتيات والأمهات وحتى المعلمات، والكتاب متوفر في متحف الأطفال الأردني ومكتبة رادرز، وتطمح الكاتبة إلى تحويله إلى كتاب صوتي ونسخة إلكترونية، بالإضافة إلى اهتمامها بالأطفال المصابين بالتوحد ومتلازمة داون والوصول إليهم لأنهم جزء أساسي من المجتمع، ولهم الحق في الحصول على المعلومات بأسهل الطرق الممكنة، فالموضوع عبارة عن دائرة متكاملة ويحتاج إلى اهتمام الجميع لأن عملية النمو والبلوغ هي أساس الحياة وبناء المجتمعات.

“DD” كتاب يفتح حوارًا علميًا واعيًا حول مرحلة البلوغ لدى الفتيات…
– الدستور نيوز