دستور نيوز

د. حمزة العكاليإن السجلات التاريخية لأي أمة هي حجر الزاوية في هويتها، وتحافظ مراكز التوثيق والأرشفة والمكتبات الوطنية على هذه السجلات، وتحفظ رواية الماضي للأجيال القادمة. ومع ذلك، في عصر الرقمنة، تواجه الوثائق المادية خطر التدهور وتقييد الوصول إليها. وتوفر الرقمنة حلاً، لكن الإطار القانوني لهذا التحول أمر بالغ الأهمية لضمان الأصالة وإمكانية الوصول والحفظ على المدى الطويل. يعد الإطار القانوني ضروريًا لضمان المساءلة والشفافية من أجل تحديد مسؤوليات الأطراف المختلفة المشاركة في عملية الرقمنة، وضمان الالتزام بأفضل الممارسات والمعايير الدولية، وحماية الحقوق من خلال تحديد أصحاب حقوق النشر والملكية الفكرية، وضمان احترام خصوصية الأفراد المذكورين في الوثائق. وتكمن أهمية هذا الإطار أيضًا في الوصول العادل إلى الوثائق من خلال ضمان الوصول إلى الأرشيفات الرقمية لجميع المواطنين، فضلاً عن الحفاظ عليها على المدى الطويل من خلال ضمان استدامة الأرشيفات الرقمية وحمايتها من التلف أو الضياع، مع تطوير استراتيجيات فعالة للحفظ الرقمي. إن تحديد النطاق القانوني يتطلب وضع معايير واضحة لهذا الإطار يجب أخذها بعين الاعتبار عند تحويل الوثائق إلى نسخ رقمية. المعيار الأول هو القبول القانوني للنسخ الرقمية، حيث أن القبول القانوني للنسخ الرقمية هو حجر الزاوية لضمان موثوقية وأصالة المعلومات المؤرخة رقمياً. وهذا يشكل تحدياً قانونياً كبيراً يتطلب وجود إطار قانوني سليم ينظم عملية الرقمنة ويحدد معايير قبول النسخ الرقمية كبدائل قانونية للوثائق الأصلية. إن الوزن القانوني للنسخ الرقمية يشكل مصدر قلق كبير. يجب أن يرتكز الإطار القانوني على عدد من الشروط، أبرزها شرط المصادقة الذي يضمن صحة النسخ الرقمية، حيث يتطلب ذلك وجود آليات صارمة للتحقق من صحة النسخ الرقمية وضمان مطابقتها للوثائق الأصلية. ومن هذه الآليات التوقيعات الرقمية. حيث تستخدم التوقيعات الرقمية لربط النسخة الرقمية بالوثيقة الأصلية والتأكد من عدم العبث بها. وهي بمثابة بصمة إلكترونية تمكن من التحقق من هوية صاحب الوثيقة وتمنع أي تزوير أو تعديل. ويمكن استخدام تقنيات التشفير لربط النسخة الرقمية بالوثيقة الأصلية ومنع التزوير أو العبث بها، بالإضافة إلى آلية تحديد الوقت التي تسجل تاريخ ووقت إنشاء النسخة الرقمية، مما يساعد على تتبع سلسلة الحراسة والتأكد من عدم العبث بالوثيقة بمرور الوقت، بالإضافة إلى آلية مسار التدقيق: توثق مسارات التدقيق جميع التعديلات والتغييرات التي أجريت على النسخة الرقمية، مما يسمح بتتبع الوثيقة ومن المسؤول عن أي تعديلات. الشرط الثاني الذي يرتكز عليه الإطار القانوني لرقمنة الوثائق هو اتباع أفضل الممارسات الدولية لضمان الاستخدام طويل الأمد، ويتم ذلك من خلال معايير دقيقة لعملية التحويل الرقمي لضمان جودة النسخ الرقمية واستخدامها طويل الأمد. وتتضمن هذه المعايير دقة المسح وقدرته على التقاط كافة تفاصيل الوثيقة الأصلية بدقة من نصوص وصور ورسومات، بالإضافة إلى معيار تنسيقات الملفات التي تتسم بالاستقرار والتوافق مع التقنيات المستقبلية لضمان إمكانية الوصول إليها على المدى الطويل، وكذلك معيار إنشاء البيانات الوصفية من خلال توفير معلومات وصفية عن محتوى الوثيقة وتاريخها ومالكها، مما يسهل عملية البحث والاسترجاع. أما الشرط الثالث الذي يرتكز عليه الإطار الوطني للرقمنة فهو إدارة الوثائق الأصلية (الاحتفاظ بها والتخلص منها). ويركز هذا الشرط على تحديد مصير الوثائق الأصلية بعد تحويلها إلى صيغة رقمية، إما بالاحتفاظ الدائم بنسخ أصلية لأسباب تاريخية أو ثقافية أو قانونية، أو من خلال الأرشفة الآمنة، حيث يمكن أرشفة الوثائق الأصلية بشكل آمن في ظروف خاضعة للرقابة لضمان حمايتها من التلف أو الضياع، مع جعلها متاحة في حالات محددة، أو من خلال التخلص المنظم: حيث يتم التخلص من الوثائق الأصلية بطريقة منظمة وآمنة بعد التأكد من عدم الحاجة إليها لأغراض قانونية أو تاريخية. وبالعودة إلى المعايير التي يرتكز عليها الإطار القانوني لرقمنة الوثائق، فإن المعيار الثاني هو حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية وعملية رقمنة الوثائق الوطنية، حيث تعد الأرشيفات الوطنية كنزًا غنيًا بالتاريخ والثقافة، إلا أنها تواجه تحديات كبيرة في عصر الرقمنة، وخاصة فيما يتعلق بحقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية. غالبًا ما تحتفظ الأرشيفات الوطنية بوثائق ذات حقوق ملكية معقدة، ويجب أن يتناول الإطار القانوني المتعلق بحقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية ما يلي: تحديد حاملي حقوق الطبع والنشر، حيث أنهم ذوو أهمية كبيرة في عملية رقمنة الوثائق الوطنية وأرشفتها فيما يتعلق بتعقيد الملكية: تعدد المالكين والتغيرات في الملكية بمرور الوقت، باستثناء المخاطر القانونية، فقد يواجه الأرشيف الوطني مخاطر قانونية إذا تم رقمنة وثيقة دون الحصول على إذن من مالك حقوق الطبع والنشر. على سبيل المثال، قد تحتوي وثيقة حكومية على نصوص قانونية منشورة تتطلب إذنًا من الجهة الحكومية وكذلك المؤلف الأصلي للقانون. ومن الضروري التركيز على إيجاد حلول لمعالجة تحديات حقوق الطبع والنشر من خلال البحث الدقيق في الملكية. وهنا يتوجب على الأرشيف الوطني إجراء بحث دقيق لتحديد مالك حقوق الطبع والنشر لكل وثيقة قبل رقمنتها، بالإضافة إلى الاتصال بأصحاب حقوق الطبع والنشر، ومن واجب القائمين على الأرشيف التواصل مع أصحاب حقوق الطبع والنشر المعروفين للحصول على إذنهم برقمنة الوثائق، بالإضافة إلى تطبيق استراتيجيات الاستخدام العادل من خلال تطبيق استراتيجيات الاستخدام العادل لرقمنة الوثائق دون الحاجة إلى الحصول على إذن من مالك حقوق الطبع والنشر في بعض الحالات، وأخيراً استخدام تراخيص المشاع الإبداعي لمنح الجمهور حقوقًا محددة لاستخدام الوثائق الرقمية، مع الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية لمالك حقوق الطبع والنشر. المعيار الثالث الذي يرتكز عليه الإطار القانوني لرقمنة الوثائق هو أمن البيانات والخصوصية، حيث تعد الأرشيفات الرقمية كنزًا وطنيًا لا يقدر بثمن يجسد تاريخ وثقافة الأمة. إلا أنها في الوقت نفسه عرضة للتهديدات السيبرانية التي تهدد سلامة البيانات وخصوصية الأفراد. الأرشيفات الرقمية معرضة للتهديدات السيبرانية، وعليه فإن الإطار القانوني في هذا الصدد يجب أن يتناول ما يلي: تدابير أمن البيانات، حيث يجب تنفيذ بروتوكولات أمن سيبراني قوية لحماية الوثائق الرقمية من الوصول غير المصرح به أو التعديل. وقد يشمل ذلك التشفير وأدوات التحكم في الوصول والمراجعات الأمنية المنتظمة. كما يجب معالجة مخاوف الخصوصية، حيث يجب معالجة قضايا الخصوصية للأفراد المذكورين في الوثائق التاريخية، وخاصة المعلومات الحساسة. وقد يشمل ذلك تحرير التفاصيل الشخصية أو وضع قيود على الوصول إلى الوثائق الحساسة، بالإضافة إلى معالجة العناصر التي تحكم الوصول إلى الوثائق من خلال إنشاء نظام وصول متعدد المستويات يعتمد على أدوار المستخدم وحساسية الوثيقة. كما أن أمن البيانات والخصوصية ضرورة ملحة في سياق رقمنة الوثائق الوطنية، لعدة أسباب، بما في ذلك الحفاظ على التراث الوطني وحماية المعلومات الحساسة وضمان ثقة الجمهور. تعد رقمنة الوثائق الوطنية أداة قوية للحفاظ على التراث الوطني وتعزيز الوصول إلى المعلومات. توفر رقمنة الوثائق الوطنية فرصًا هائلة للحفاظ على التراث وتعزيز البحث العلمي والثقافي. ومع ذلك، لضمان نجاح هذه العملية، يجب وضع إطار قانوني متين يعالج جميع الجوانب المتعلقة بالأصالة والوصول والحفظ على المدى الطويل. وهذا يتطلب بشكل عام التعاون بين مختلف الجهات لبناء أرشيف رقمي وطني مستدام، وكذلك تثقيف وتوعية المجتمع بأهمية الرقمنة، بالإضافة إلى تدريب وتطوير مهارات القائمين على عملية الأرشفة. ولابد من التأكيد على أنه معًا يمكننا بناء أرشيف رقمي وطني مستدام يحفظ هوية وتاريخ الأمة للأجيال القادمة.
الإطار القانوني لأرشفة الوثائق الوطنية
– الدستور نيوز