دستور نيوز

عمّان – غرزة تلو الأخرى، والقصص المنسوجة في المطرزات تحمل معها ذكريات السنين الماضية. في كل خيط قصة حب وجهد من الأيدي التي طرزت أجمل الفساتين الأردنية والفلسطينية. كل هذا رغبة في الحفاظ على القطع التي تحمل الكثير من الذكريات. إضافة إعلان لنقل أو تجديد الفساتين هو ما تبرعت به المصممة الأردنية الشابة دعاء الفرا وهي تتقنه بامتياز. تبدع أجمل التصاميم بكل حب، وتحول الفساتين بمهارة وإتقان إلى تصميمات معاصرة وراسخة. وسعت إلى رسم البسمة على وجوه الكثير من محبي التراث. وأوضحت في حديث خاص لـ«الدستور نيوز»، أنها جمعت بين التراث والحضارة والعمل المتقن المصنوع بالحب. وتقول: “تصميم معاصر بروح التراث. وهذا ما أتفوق فيه. حبي لعملي كبير وحرصي على أن تظهر القطعة كما تنال إعجاب العملاء، وبشكل أجمل، هو أهم شيء. اليوم تمكنت من الوصول إلى هذه المرحلة”. وتتذكر الفرا أنها كانت تحب الموضة منذ صغرها، حيث كانت تجلب الألعاب وتخيط الملابس بأشكال وتصاميم مختلفة عندما لم يتجاوز عمرها سبع سنوات. وفي المرحلة الإعدادية، كانت تحاول تغيير تصميم ملابسها عن طريق قصها، وكانت تظهر عليها علامات التغيير، لكنها لم تتقن بعد هذه العملية، مما أدى إلى إتلاف القطعة بدلاً من تحسينها. ولهذا السبب تلقت توبيخاً من والدتها، لكن هذا زاد من شغفها بالتصميم. ومع كبرت الفرا، زاد شغفها بالتصاميم وزاد تعلقها بالتصاميم، مما جعلها تحدد هدفها مبكراً. وكانت كلما شاهدت عرض أزياء لمصممة أزياء، كانت تنظر إليه بشغف وكأنها في المكان الذي تطمح للوصول إليه. لذلك تخصصت في تصميم الأزياء في المعهد الإيطالي المصري في مصر لتنمية موهبتها. بعد تخصصها في تصميم الأزياء، أدركت الفرا أن الشخص الذي تمتلئ كتبه بالخربشات هو عاشق للرسم وموهوب، لكنه ضل طريقه. وأوضحت أن كتبها مليئة بالخربشات، ولم تكن على علم بموهبتها في الرسم التي اكتشفتها أثناء الدراسة. واختبأت موهبتها بداخلها حتى تخصصت في تصميم الأزياء وخرجت إلى العالمية. وتقول: “إن عالم تصميم الأزياء كبير وبحر واسع، ومن يدخله يقضي كل يوم في التعلم دون توقف”. وهي مطلعة دائماً على عالم الموضة من أجل التطور في عملها، مشيرة إلى أنها تعمل على كافة التصاميم وليس الفساتين فقط. وتشير الفرا إلى أنها كانت هوايتها تصميم القطع الخاصة بها، حيث تعلمت وصممت بنفسها. وعندما ارتدت هذه القطع اندهش الآخرون وأثنوا على عملها. وفي أحد الأيام، طلبت منها امرأة تعرفها أن تصمم لها عباية، ووقتها شعرت بالمسؤولية وأدركت أنها ستنتقل من الموهبة إلى العمل، وتخطو أولى خطواتها لتحقيق حلمها. وتقول: “عندما تصمم لنفسك، فإن المسؤولية ليست كبيرة، ولكن عندما تعمل من أجل الآخرين، تصبح المسؤولية أكبر”. وتوضح الفرا أنها منذ أن بدأت التصميم قبل 6 سنوات وهي تعمل على نقل الفساتين. وأوضحت أن فكرة نقل الفساتين المطرزة ليست جديدة، ولكن هناك الكثير ممن لم يعلموا بها. منذ عامين، بدأت بتوثيق أعمالها على صفحتها على إنستغرام؛ ونصحها الكثيرون بإنشاء صفحة لأعمالها لتكون مرجعاً لتوثيق تصاميمها. في البداية لم تكن الصفحة قوية، لكنها مع مرور الوقت ازدهرت، واليوم تجاوز عدد متابعيها 48 ألفا، كما شهدت إقبالا كبيرا، وأعجب الكثيرون بفكرة الهجرة. ومع أحداث غزة، شاركت الفرا فيديو قصير “ريل” لأحد تصميماتها وتحدثت عن الوضع في غزة، لكن هذه المرة بصوتها والفيديو تصدر “الترند”، وانتشرت الصفحة لتشهد طلب واسع من مختلف الدول العربية. وشعرت الفرا بالنجاح عندما يأتيها شخص من بريطانيا بفستان والدته لترحيله، ويأتي آخرون من الولايات المتحدة لتجديد فساتين أمهاتهم أو إعادتها كما كانت. ويصاحب الشعور بالنجاح مسؤولية كبيرة، لذا تحرص على عدم إتلاف الفستان الذي بين يديها وعدم الخروج عن التقليدي. وتؤكد الفرا أنها حريصة على كل قطعة، مشيرة إلى أنها لا تزيل أياً من التطريزات، مستذكرة سيدة زارتها وأخبرتها أن الفستان استغرق عامين كاملين في تطريزه، واليوم تريد نقله. مما يجعل فكرة استبعادها من السؤال ممكنة أو غير واردة. وتؤكد أن الحب هو الدافع الأكبر ليكون العمل جميلاً ومميزاً، إذ أن ما يصنع بالحب يصل إلى القلب مباشرة، مبينة أن هناك أشخاصاً يثقون بك ويثقون بك بقطعة عمرها أكثر من 50 عاماً. ، وهو شعور لا يوصف. “يقال دائمًا أن العطاء يجلب خيرًا كثيرًا”، وكذلك الأمر بالنسبة للفرح. يكفي العملاء الذين ينسون تعبهم ويقدرون عملهم. وقد مكنها الإنستغرام من الوصول إلى العديد من الأشخاص الذين تعرفوا على تصاميمها ومهاراتها، وهي تعمل بمفردها في مشغلها الخاص. بالنسبة لها، الفساتين هي ثقة كبيرة. الجانب الأخلاقي لهذه الفساتين كبير، كما أن فكرة تسليمها لشخص آخر مخيفة، فهي تشعر بمسؤولية كبيرة في الحفاظ عليها. وبحسب الفرا، فهي تفعل ما تراه مناسباً لشخصية صاحبة القطعة وما يناسبها، وتختار لها القصة والنموذج وتعمل عليها بما يرضي العملاء. الحزام هو ما يميز عمل الفرا، علماً بأنه جزء أساسي من التراث واسمه “الشداد” الذي كانت ترتديه النساء قديماً. وتؤكد أن إعادة إدخاله في تصاميمها ساعد في تذكير الناس به وزيادة الطلب عليه. وتقول: «إذا كان الثوب لا يحتاج إلى تعديل، فالحزام يكفي لنقله من مكان إلى آخر». وتشير إلى أن اللونين الأحمر والعنابي من الألوان المفضلة في التراث الأردني والفلسطيني، ولهذا اختارتهما للحزام. لا تزال كل امرأة تحتفظ بفستان أحمر واحد على الأقل، وقد أحبت العديد من الفتيات الصغيرات هذا الفستان بفضل تصميماته. وبحسب الفرا، فإنها تطمح إلى افتتاح ورشة عمل خاصة بها وتوظيف العديد من النساء وتعليمهن. وبذلك تحقق هدفها في الحفاظ على التراث، حيث تتلقى العديد من الرسائل التي تطلب منها تدريسها. وكانت والدة الفرا أكبر الداعمين لها، إذ شجعتها على عدم التوقف عن حلمها وشجعتها على الجلوس أمام ماكينة الخياطة كل يوم ولو لساعة. أول قطعة صممتها وخياطتها كانت عبارة عن طقم صلاة، وأهدته لوالدتها التي كانت فخورة به. ارتدته ونظرت إليه بفرحة وأخبرتها بمدى فخرها به. مرت الفرا بالعديد من التحديات والعقبات في طريقها، ولم تكن الحياة سهلة عليها. الأشخاص السلبيون موجودون في كل مكان حولها، وكان التحدي الأكبر بالنسبة لها هو إثبات قيمتها، والتغلب على هؤلاء الأشخاص دون الاهتمام بهم، والاستمرار في طريق تحقيق حلمها. “صنع بالحب” قول وعمل في تصاميم الفارة؛ وتسعى إلى اتباع خط الملابس المحتشمة للمحجبات، مؤكدة أن التراث هو الأقرب إلى قلبها وسيظل يرافق رحلتها. تقول: “في النهاية، نحن نكافح من أجل الحفاظ على التراث لأن هناك من يحاول سرقته”، ولهذا تسعى إلى حمايته من التدمير والسرقة.
الفرا.. مصممة أزياء تحيي الذكريات وتعيد الفساتين القديمة إلى الحياة…
– الدستور نيوز