ألدستور

وجاء إعلان الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل الدول الأوروبية الثلاث، النرويج وإيرلندا وإسبانيا، في وقت فقد فيه الاحتلال الصهيوني توازنه. ووصفت الاعتراف بالدولة الفلسطينية بأنه هدية لحماس، ووصفت المحكمة الدولية التي أصدرت قرارها الجمعة بوقف الحرب فورا في رفح بمحكمة معادية للسامية (ضد إسرائيل)، ولأنها لم تحقق شيئا من ذلك أهدافه التي أعلنها في 8 أكتوبر من العام الماضي، ولم ينجح في تضليل العالم. انطلق، على مدى 280 يوما، تحت الغطاء الأمريكي المنافق، في أبشع شكل استعماري في التاريخ الحديث، لارتكاب مجازر جماعية وتدمير البنية التحتية. المباني السكنية والمدارس والمستشفيات ودور العبادة والمرافق الحيوية في كل أنحاء قطاع غزة، وبشكل مصغر في جنين وغيرها في الضفة الغربية. لقد رافق إعلان الاعتراف بالدولة الفلسطينية ثلاثة أحداث بالغة الأهمية. الأول: صدور تقرير المدعية العامة في المحكمة الجنائية الدولية، والذي يشير إلى محاكمة نتنياهو وجالانت كمرتكبي جرائم حرب وإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية. الثاني: قرار الأمم المتحدة الاعتراف بالدولة الفلسطينية كاملة العضوية، حيث صوتت (143) دولة بنعم. ثالثاً: استمرار وتصاعد الاحتجاجات والمظاهرات الطلابية في الجامعات الأمريكية والأوروبية والأسترالية للمطالبة بالحرية لفلسطين والوقف الفوري للحرب العدوانية الإسرائيلية على غزة. خلال العقود الماضية، وخاصة بعد رحيل شخصيات بارزة مثل ديغول، اتجهت أوروبا إلى اتباع الولايات المتحدة معصوبة العينين وبطاعة كاملة، خاصة في أي أمر يتعلق بالكيان الصهيوني أو مهاجمة دولة عربية. شيئاً فشيئاً بدأت الأحداث تثبت للأوروبيين أن المصالح الأوروبية والمصالح الأميركية ليست بالضرورة متوافقة أو في نفس الاتجاه، بل تخضع تحت مظلة الناتو. وجاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتثبت ذلك، إذ أنهكت السياسة الأميركية تجاه الحرب الاقتصادات الأوروبية ورفعت أسعار الطاقة لديها، بعد أن كانت علاقة أوروبا مع روسيا في أفضل حالاتها. ومن ناحية أخرى، فإن استمرار احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية والأراضي السورية واللبنانية، ومساهمتها غير المعلنة في تفكيك العراق وليبيا وتدمير سوريا، والسياسة العنصرية التي تنتهجها بهدف تهجير الفلسطينيين والسيطرة على كافة أراضيهم. ونظراً لفلسطين وقدرات الدول المجاورة العربية والخليجية، فإن هذه السياسة أدخلت المنطقة في حالة من عدم الاستقرار. الأزمة المزمنة التي أثرت سلباً على أوروبا اقتصادياً وديموغرافياً وسياسياً، رغم أن الأردن كان ينبه ويحذر العالم من خطورة الوضع. بالإضافة إلى استمرار حالة الابتزاز التي تمارسها إسرائيل تجاه أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية بعد أن روجت في وسائل الإعلام مقولة إن كل انتقاد لإسرائيل أو للصهيونية هو معاداة للسامية ومعاداة لليهود. وهكذا بدأ تحول بطيء في الرؤية الأوروبية لمشكلة الاستقرار الإقليمي، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني العربي، وأهمية القضية الفلسطينية، وحق الفلسطينيين في دولة مستقلة على ترابه الوطني. “هذه ليست هدية لحماس أو الإرهاب”، كما رد بوريل، مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، على تصريح نتنياهو. واستأنفت كل هذه الدول تمويلها للأونروا، على عكس ما أرادته إسرائيل والولايات المتحدة. وقد لعبت السويد دوراً إيجابياً بارزاً في هذا الصدد. ورغم أنه من المتوقع أن يتبع اعتراف النرويج وأيرلندا وإسبانيا بالدولة الفلسطينية اعترافات مماثلة من دول أوروبية أخرى، إلا أن إسرائيل وراعيتها الولايات المتحدة الأمريكية تبذلان جهودا مختلفة وتمارسان ضغوطا مختلفة على الجانب الأوروبي. دول الاتحاد تتجاهل الاعتراف بالدولة الفلسطينية. بدأ نتنياهو يروج لكذبة أن الاعتراف هو مكافأة للإرهاب، وأنه في حال قيام دولة فلسطينية فإنها ستكرر ما حدث في 7 أكتوبر. وهنا لا بد من التأكيد على قضايا مهمة، أولا وقبل كل شيء: أولا: التحول في الموقف الأوروبي ويتطلب استكمال دورها جهودا عربية وفلسطينية مكثفة على المستوى الدبلوماسي والسياسي والشعبي، على غرار الجهود التي بذلها الأردن في هذا الاتجاه، والزيارات والاتصالات المباشرة التي أجراها الملك عبد الله. والثاني مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة. ثانياً: على الالدستور نيوزي مواجهة الأكاذيب التي ينشرها الكيان الصهيوني بشأن الأحداث والاستعانة بوسائل إعلام الدول الصديقة لنشر الرؤية العربية الفلسطينية عالمياً وعلى أوسع نطاق. ثالثا: على الجامعات العربية واتحاد الجامعات العربية واتحاداتها الطلابية التواصل مع الجامعات الأجنبية وطلابها وتزويدهم بالمعلومات والحقائق الموثقة حتى تحافظ هذه الجامعات وطلابها على زخم احتجاجاتهم ودعمهم للحقوق الفلسطينية . رابعاً: وكذلك منظمات المجتمع المدني العربي. وعلى اتحاد الحقوقيين واتحاد البرلمانيين العرب على وجه الخصوص التواصل مع نظرائهما في أوروبا لتعزيز توجه الدول نحو الاعتراف بدولة فلسطين والعمل على إنشائها. خامساً: إن مقاومة الفلسطينيين وتضحياتهم في كل بقعة من أرض فلسطين وصمودهم على أرضهم تستحق إصلاحاً جذرياً سريعاً في السلطة الوطنية الفلسطينية، وجهوداً صادقة من الدول العربية لدعم الصمود مالياً وسياسياً ودولياً. . ويتطلب الضغط على الولايات المتحدة بكل الوسائل، وهي كثيرة. سادسا: إن تمكين إسرائيل من انتصار حربها الاستعمارية على غزة والضفة الغربية بعد احتلالها لمعبر رفح سيكون بداية مرحلة خطيرة من التوسع الإسرائيلي في الأراضي السورية واللبنانية والمصرية. ومن هنا فإن التحرك اليوم لدعم فلسطين يمثل حماية للدول العربية وأقل تكلفة من التحرك المتأخر. وأخيراً، فإن تغير الموقف الأوروبي لصالح الحقوق الفلسطينية ليس عملية قصيرة، وليس مجرد تصريح هنا أو هناك. إن البناء على قرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية يتطلب مبادرات عربية على غرار جنوب أفريقيا، ويتطلب الدعم والمثابرة من الجانب العربي والدول الصديقة. الطريق لا يزال طويلا، لكن مستقبل العالم عرضة للتغيير.
التحولات الأوروبية والدولة الفلسطينية..
– الدستور نيوز