دستور نيوز

اجتمع الفن والإبداع بيدي شخص واحد، تارة يعزف بهما العود وأخرى يصنع بها أجمل الأعواد، ويستهل نسمات الصباح برسم أجمل الوجوه بالقهوة، كما يخط أجمل الخطوط العربية التي عشقها منذ صغره ورأى الجمال في تفاصيلها، هو الفنان الأردني أحمد قرعان الذي اختلطت المهارات بداخله لينقل بها فنا أصيلا يسر الناظر إليه.اضافة اعلان
شغفا حمله قرعان في قلبه لكل ما هو جميل ومميز، ليبدأ معه هذا الحب منذ كان في السادسة من عمره، وليعرف بـ “سارق الطباشير”، إذ كان يأخذها معه للمنزل وفور وصوله يدفع دولاب الملابس بقدميه لينتقل من بعدها لعالم من الأحلام ويرسم ويخط على ظهرها رسومات وكلمات تخرج من خياله وإبداعه، ليكون بذلك الخط الأبيض أول إبداعاته.
هذا وقد كان قرعان يحفظ 200 بيت شعر عامودي منذ صغره، إذ كان والده مهتما باللغة العربية الفصيحة ويشجعه على إتقانها، إلى جانب امتلاكه لصوت جميل ساعده في إلقاء الشعر بشكل أجمل، وفي المرحلة المتوسطة تبناه الفنان أحمد الحموري وبدأ يعلمه الخط العربي.
ومن بعدها توجه قرعان للعراق برفقة عائلته وفي وقتها كان في 16 من عمره، وهنالك بدأ يستمع إلى الموسيقا العراقية والتي كانت تحمل أجمل النغمات والألحان الموسيقية، وبحب كبير وفضول أكبر بدأ قلبه يتعلق بالموسيقا وأحب أن يتعلمها فقد جذبته الإيقاعات الموسيقية العراقية الشعبية “التراث العراقي”.
تتلمذ قرعان في العراق، على يد شيخ الخطاطين العراقيين الحاج خليل الزهاوي الذي كان إنسانا وفنانا حقيقيا إذ أخرج الخط العربي من القالب الحرفي إلى القالب الفني، ومن بعدها توافقت فكرة مقدرته على عزف العود واتقان مهارة كتابة الخط العربي، وأصبح يرى أن كل خط يشبه مقاما موسيقيا و”تغلغلت” هذه الفكرة في تفكيرة كلما تعلم أكثر وأصبح يتساءل “ما هي علاقة خط الرقعة بمقام البيات؟.. وما هي علاقة خط النسخ بمقام الرصد ما هي علاقة الحجاز بخط الديواني “ويؤكد ذلك بقوله: “جميعهم متشابهون في الدلالة والمضمون فالخط الديواني مثلا تكثر به الكتابة التي تدل على الدعاء، والحجاز دائما الابتهالات تتلحن به”.
وهذا التوافق الواضح دفع قرعان لعمل استبيان سنة 1997 على الخطاطين والموسيقيين، وأظهرت النتيجة حقيقة الترابط بين الموسيقا والخطوط العربية و”تشابه المقامات مع الخطوط” وهنا بدأ يربط بين الموسيقا والخطوط العربية في فنه.
وقد أقام من بعدها قرعان عددا من الأمسيات في الأردن، عزف بالعود وعرض جداريات من الخط العربي وكان يعزف عن اللوحة ويفسر ماذا تعني موسيقيا، وخلال هذه الأمسيات كان الحضور يستمتع جماليا بالخط العربي وسمعيا بالعزف لأجمل الألحان، إذ كانت الفكرة هي التوافق السمعي البصري ما بين الخط العربي والموسيقا، وإن الحواس جميعها تعمل بشكل يجذب كل من يسمعه ويراه، وهذه الفكرة وجدت محبين كثرا في الأردن، وفي إحدى الأمسيات قدم عرضا مميزا إذ عزف بيده اليسار وكتب الخط العربي باليمنى بذات الوقت، وغنى الذي كتبه بصوته لينقل الجمهور لعالم من الخيال.
ويستذكر قرعان أنه بعد عودته للأردن لمحافظة إربد، في بداية العشرينيات من عمره كان يحمل العود دائما معه، وتعرف على الأستاذ محمد العلاونة الذي قدم درسا في العزف على العود لصديقه، وفي وقتها رافقه واستأذنه للحضور فضولا، وبعد هذا الدرس خرج منه بمهارة تعلمها بالنظر من بعيد وبعد سنة عاد له وهو يعزف العود بمهارة.
ومن جهة أخرى فقد استمتع قرعان في دوره كمعلم ينقل ما لديه من خبرة لطلابه، فقد عمل في الكويت لمدة 6 سنوات، وكان يمتلك مرسما خاصا به، ومشغلا لتصميم المجوهرات وعاد من بعدها للتعليم في الأردن.
وللرسم كان منحنى آخر وفريدا في حياة قرعان، فصداقته وعلاقته الجيدة مع الفنان أحمد الشاويش هي ما أدخلته لعالم الرسم، إذ كان دائما يطلب منه إحضار العود معه بحجة أن الطلاب عندما يسمعون العود يقدمون أعمالا أفضل وعليه يستجيب لذلك.
وبينما الرسم بالقهوة كان وجها آخر لإبداع قرعان، فقد بدأ به في يوم وهو جالس في مكتبه بعد وقت فراغ طويل بينما كان يحتسي القهوة في الصباح، وبعد الانتهاء استخدم بقايا القهوة في الفنجان “الحثل”، وبقلم الخط العربي بدأ يرسم به على صحن القهوة بحجم 3 سم وقد رسم نفسه في وقتها، وعندما رأى الأشخاص من حوله رسوماته صدموا من دقتها وجمالها، ومن بعدها بدأ يتعمق بها أكثر ويطورها.
ويقول “بدأت بفكرة الرسم بالقهوة سنة 2017 بمحض الصدفة وتخصصت برسم الوجوه على صحن فنجان القهوة كما وطورت الفكرة وأصبحت أرسم البورتريه بحجم صغير يصل لبضع مليمترات، والسر يكمن في استخدام أدوات الخط العربي فهذه الأقلام الصغيرة جدا ساعدت في نقل التفاصيل الدقيقة”.
ويبين قرعان أنه بدأ الرسم عندما أدرك أنه قادر على التحكم بلون القهوة، وأصبح ينتج أعمالا صغيرة جدا، وهذا الذي يميزه، فالعمل الذي يقوم به رغم صغر الحجم، لكن استخدامه لأقلام الخط العربي هو الذي يعطي نتيجة مميزة، لأن هنالك أمورا دقيقة جدا يقوم بها بحجم السنتيمتر والبورتريه بحجم السنتيمتر وأقل، وقبل فترة رسم فتاة على خاتمها وهذا كان حصيلة أعماله الفنية، وأجمل عمل قام به وكان سعيدا به.
ويشير قرعان إلى أن ردة فعل المتخصصين بالفن ومحبيه كانت جميلة، فالقهوة رائحة وطعم ولون، وهنا تحركت القهوة بالرسم وللفرد أن يتخيل علاقتها بالحواس فهي ترتبط بثلاث حواس الشم والتذوق، ومن بعدها مشهد بصري يأخذ الأنفاس.
ودعا القرعان المؤسسات الثقافية أن تهتم بهذا الجانب من الفن وتدعمه، فالسوق الثقافي والتجاري لا يتسع لهذه المواهب وفي الأردن البيئة غير مشجعة ورسالته للمؤسسات الثقافية أن تبحث عن الفنانين الذين يمتلكون كفاءة ومبدعين في فنهم، وأن تهتم بالجانب الثقافي والفن وتدعمه.
ومن جانب آخر يصف قرعان ما يعيشه في فنه، إذ يستيقظ في الصباح ويرسم بالقهوة ويكتب بها حرفين ويبدأ العمل بالعود، ومن بعد الانتهاء منه يكتشف بعد تركيب الأوتار وسماع صوت العود أنه أكثر شيء أحبه هو”صناعة الأعواد” هكذا وصف قرعان حبه لما يصنع ويفعل، فأجمل شعور يعيشه بعد الانتهاء من صناعة العود.
ويقول في وصف العود “العود هي آلة تتحدث خرجت من الخشب.. آلة فصيحة تعبر بلغة يفهمها جميع العالم فالنتيجة مذهلة في صناعة العود.. فالمتعة التي يعيشها هي الأمتع من العمل الفني ومن كل شيء”.
ويقول القرعان “الفن ضرورة وليس ترفا” والفنان يسعى بفنه ليضيف للمجتمع، والذي يريد أن يتعلم فنا في البداية عليه أن يكون صادقا بكل شيء يفعله.. وهذا ما كان يخبر به طلابه.. فالفن بحاجة لأن يكون الإنسان صادقا وألا يركب الموجة فقط.. بل أن يعمل شيئا يشعر به ويعبّر عنه”.
ويضيف، “اعمل الشيء الذي تشعر به والذي من الممكن أن تغير به، فالفنان عالميا مؤثر بشكل كبير، وقادر على صنع الفرق بفنه، والفن -برأيه – هو أسرع وأسهل المفاتيح لإدراك ما حولنا”.
قرعان يتنقل بموهبته بين عزف العود ورسومات من الخط العربي ممزوج… – الدستور نيوز