دستور نيوز

عمان – فيما تمضي وتيرة إنجازات قطاع المياه بتقدم حذر، خلال الأعوام الثلاثة الماضية، ما تزال حقيبة أولوياتها تواجه تحديات مليئة بعبء ثقيل على إدارة هذا القطاع الاستراتيجي الحيوي.اضافة اعلان
تصنيف الأردن، ثاني أفقر دولة بالمياه عالميا، تحدّ ذو مخاطر متقاطعة الأبعاد، يحوم حول إنذار متكرر بأزمات مياه متنوعة الجبهات والعوامل؛ ما يتطلب جراحة عاجلة لتسريع تنفيذ تلك الأولويات.
ورغم ما سجله قطاع المياه من إنجازات في إدارة الشأن المائي، والخروج باستراتيجية محددة المعالم حتى العام 2040، والنجاح بالتوسع في مشاريع تعتمد على الطاقة المتجددة وغيرها، إلا أن هذا التقدم، بقي بعيدا عن تطلعات وطموحات المواطن والاقتصاد الوطني، وفق خبراء في القطاع.
مختصون، أشاروا في تصريحات لـ”الدستور نيوز”، الى مواجهة حوكمة المياه الفعالة في الأردن تحديات عدة؛ منها: الافتقار للمساءلة والشفافية واللوائح الفعالة، وضعف المشاركة من جانب أصحاب المصلحة، والمركزية الشديدة في اتخاذ القرار، بالتوازي مع عدم إنجاز قانون شامل موحد للقطاع، يجري فيه بيان الواجبات والمسؤوليات في مؤسسات القطاع مع القطاعات الأخرى المتداخلة.
وفي هذا الإطار، لفت الأمين العام الأسبق لوزارة المياه والري علي صبح، الى تأخر القطاع في عملية الهيكلة وإعداد قانون مياه عصري، مبينا “أن حلولا قريبة المدى تأخرت الوزارة في المضي بها؛ منها تشغيل آبار أبو الزيغان، وكان يمكنها تأمين 10 ملايين م3 بعد معالجتها، لحل جزء من العجز المائي في محافظات الوسط”.
وأضاف صبح، أن الوزارة تأخرت بحفر آبار حقل البازلت في محافظة المفرق، علما أن الدراسات الفنية والمالية جاهزة، ويقدر أن يتراوح إنتاجها بين 10 و15 مليون م3، وقد تسهم بسد جزء كبير من العجز المائي في محافظات الشمال.
وأشار الى تأخر “المياه” أيضا، بحفر آبار حسبان المالحة وتحليتها، ويتراوح إنتاجها بين 10 و15 مليون م3، وستلعب دورا بسد العجز المائي في محافظات الوسط.
الأمين العام الأسبق للوزارة، نوه لأهمية ضغط الحكومة على الجانب السوري لنيل الأردن حقه من المياه المشتركة في نهر اليرموك، والذي يحتاج لإعادة النظر في اتفاقية العام 1987.
وبخصوص الحلول طويلة الأمد، بين صبح، أن وتيرة العمل في مشروع تحلية المياه بالعقبة، الناقل الوطني، تأخرت، ولم تقدم الشركات عروضها حتى الآن، علما أنه في الوقت الراهن، يمثل مرحلة الإغلاق المالي، “ما يعني أننا بحاجة لما يتجاوز العام بعد تقديم الشركات عروضها للوصول الى الإغلاق المالي، وهذا يؤكد أن تشغيل المشروع لن يحدث قبل العام 2029، فتأخيره يجسد ضغطا إضافيا على المياه الجوفية المستنزفة أصلا، ويحرم المحافظات من استدامة التزويد المائي”.
كذلك التأخر في التوسع بتنفيذ مشاريع صرف صحي في مناطق مختلفة من المملكة، علما أن مياه الصرف الصحي المعالجة، تقلل كثيرا كمصدر مائي، من حدة الضغط على المياه الجوفية والسطحية في الزراعة.
ومن جانبه، أشار الأمين العام الأسبق لسلطة المياه إياد الدحيات، الى نجاح القطاع، وبناء على مخرجات محور الموارد المستدامة في رؤية التحديث الاقتصادي بإعداد استراتيجية قطاع المياه للأعوام 2023-2040، مع خطتي الاستدامة المالية للقطاع وتخفيض فاقد المياه، معتبرا أن ذلك يشكل “خريطة طريق للقطاع، يجري بناء عليها إعداد برامج وخطط تنفيذية وتحديثها باستمرار”.
وقال إن الوزارة، أنجزت وافتتحت مشروع الطاقة الشمسية المتجددة في الديسي (24 ميغاواط)، وقد بدأ العمل عليه في العام 2019، إذ سيسهم عن طريق نظام العبور، بتخفيض فاتورة الطاقة الكهربائية في مواقع استهلاك عدة، منها محطات: وادي العرب، وزي، والزارة ماعين، مضيفا أن الوزارة خطت بنجاح على طريق الاستمرار بتنفيذ حملة إحكام السيطرة وضبط الاعتداءات على مصادر وخطوط المياه.
كما بين الدحيات، أن القطاع ما يزال يعاني من تحديات عدة في الأعوام الثلاثة الماضية، وتكمن في الاستمرار بتمديد مهلة تقديم العروض الفنية والمالية للائتلافات المؤهلة لتنفيذ مشروع الناقل الوطني، وعدم تقدم عدد كاف منها، وتعديل الجدول الزمني لإيصال المياه من المشروع.
وأشار الى عدم تنفيذ مشاريع تحسين التزويد المائي قصيرة المدى، لحين وصول مياه مشروع الناقل لتحلية المياه، كمشاريع: تحلية آبار حسبان، وزيادة الضخ من حوض مياه الديسي، والاستفادة من تعلية بعض السدود بزيادة كميات مياه الشرب وغيرها.
ولفت الى “عدم إنجاز قانون شامل موحد للقطاع، تبين فيه الواجبات والمسؤوليات في مؤسسات القطاع والقطاعات الأخرى المتداخلة، كالزراعة والصحة العامة والبيئة والطاقة”.
ولفت الدحيات، إلى عدم تعديل الأطر القانونية والمؤسسية والهيكيلية، لتراعي نقل مسؤولية إيصال خدمات المياه والصرف الصحي الى شركات المياه الثلاث المملوكة للحكومة، وتغيير دور سلطة المياه، لتصبح بمنزلة جهة تنظيمية لمراقبة عمل الشركات ومحاسبتها، وتسهيل إشراك وإدماج القطاع الخاص فيها لتعزيز كفاءتها التشغيلية وملاءتها المالية.
وأضاف، أن تنفيذ تلك الخطط المتوافرة أساسا، يبقى تحديا لغياب الخبرات الملمة بآلية التنفيذ، وانعدام توافر كوادر شابة بمهارات ترتكز على مفاهيم التكنولوجيا وتقنيات الذكاء الاصطناعي، إضافة لتحديات الوضع المالي، وارتفاع كلف الرواتب والأجور والطاقة الكهربائية التي تعادل 60 % من الموازنة الجارية للقطاع، وبقايا أثمان المياه غير المحصلة بأكثر من 250 مليون دينار، وعجز سنوي يزيد على 300 مليون.
ونوه الدحيات للتقصير بعدم توعية المزارعين حول أنواع المحاصيل المستهلكة لكميات مياه كبيرة، والمحاصيل البديلة التي يمكن زراعتها لتوفير المياه وزيادة الدخل المتأتي منها.
أما الخبيرة الدولية في دبلوماسية المياه ميسون الزعبي، فأكدت ضرورة التركيز على القطاع، واعتباره من أهم أولويات الدولة، مضيفة “نحن اليوم أمام أزمة مياه بالغة الخطر والتعقيد، تهدد الاقتصاد الوطني، وعليها يتوقف تقدم الدولة وازدهارها”.
وقالت الزعبي “رغم بذل المؤسسات المسؤولة عن المياه أقصى الجهد في إدارة الشأن المائي، وإيصال المياه للمستهلك، لكنها لا تحقق تطلعات وطموحات المواطن والاقتصاد الوطني”.
وأشارت الى مواجهة حوكمة المياه الفعالة تحديات عدة، منها: الاقتقار للمساءلة والشفافية واللوائح الفعالة، وضعف المشاركةمن جانب أصحاب المصلحة، والمركزية الشديدة في اتخاذ القرار، وقصور الاستجابة إزاء احتياجات التنمية الاجتماعية-الاقتصادية المتزايدة.
وقالت الزعبي “إن مشاريع حوكمة المياه وإعادة هيكلة الإطار القانوني والمؤسسي للقطاع للآن صرفت أموالا، لكن وضع المياه المؤسسي ما يزال على حاله”، معتبرة “أن كل حقبة تتجدد فيها إعادة وتحديث استراتيجيات المياه نفسها، ولكن بلغة مختلفة وتوقيع جديد”.
وأضافت “نحن بانتظار صدور قانون للمياه ينظم أمور إدارتها في المسطحات، ونصوصا لمبادئ الحوكمة الرشيدة وتعزيز النزاهة والتشاركية مع القطاع الخاص، وأخرى تتعلق بمراقبة أداء الشركات وآليات تنظيمها، وتأسيس مجلس استشاري، يضم خبراء من قطاعات عدة، إضافة للحقوق المائية مع دول الجوار”.
وبينت الزعبي، أنه حتى يتمكن الأردن من بناء القدرة على الصمود في وجه الجفاف وتناقص الهطولات المطرية، وتحقيق الأمن المائي، عليه بتعزيز إدارة الطلب على المياه وتحقيق التوازن بين إدارتي التزويد والطلب.
أما عن إنشاء مشاريع التحلية، فأكدت أنه “على الأردن اتخاذ القرار والبدء بالتحلية لتلبية حاجات الأردن من المياه”، داعية للتفكير “خارج الصندوق”، لكون مشروع التحلية، ضخما واستراتيجيا، ويحتاج لتفكير خلاق ومبتكر.
وفي الوقت ذاته، أشارت الى عدم كفاية “التحلية” وحدها، لمواجهة مخاطر زيادة حدة الإجهاد المائي في الأردن، داعية لـ”مشاريع أخرى-يجب التخطيط والتحضير لها منذ الآن”.
وقالت “إذا لم تضع الوزارة الخطط والموازنات المائية الضرورية لها، فإن الآمال المعقودة على التحلية، لن تؤدي لتزويد مريح وآمن للمياه”.
وعلى صعيد الشروع بدراسة الخطط العملية والإجراءات والتدابير على المديين القصير والبعيد، وأهمها تقليل نسبة الفاقد المائي، أكدت دورها بتوفير كميات ضخمة تعالج نقص مياه الشرب بشكل خاص.
ودعت الزعبي الى مضي القطاع نحو حل جذري لمعضلة الفاقد المائي، والذي يصطدم عادة بالكلف العالية بسبب التركيز على مشاريع إعادة تأهيل شبكات المياة وتقليل التسريب منها، علما أن الفاقد الإداري يشكل النسبة الأعلى من الفاقد، ويمكن معالجته بطرق أقل كلفة، كإشراك القطاع الخاص بتخفيض فاقد المياه بطرق مبتكرة محفزة للأداء، كالمشاركة فيما سيجري تحصيله من تخفيض المياه غير الربحية.
حقيبة إنجازات “المياه” ما تزال تواجه تحديات ترهق إدارة القطاع… – الدستور نيوز