دستور نيوز

وتنقسم الأحزاب في إسرائيل بين أحزاب يمينية محافظة، وأحزاب وحركات دينية متطرفة، وأحزاب يسارية تقدمية وأحزاب عمالية. صحيح أن الأحزاب في الكيان الصهيوني لا تختلف كثيراً عن بعضها البعض في المبادئ العامة، وجميعها تندرج تحت الفكر الصهيوني الاستعماري التوسعي. لكن هناك خلافاً وانقساماً بين هذه الأطراف حول قضايا معقدة مثل الهوية والبرنامج الاقتصادي، وهو ما ظهر بوضوح في أزمة التعديلات القضائية العام الماضي. والاحتجاجات ضد قانون الدولة القومية اليهودية في العالم عام 2017. وشكلت العقود الأولى من تأسيس دولة الكيان سيطرة ممتدة لأحزاب اليسار، ممثلاً بحزب العمل، حتى أن الفصول الأولى لليمين في بدأت القوة بعد ذلك بقليل. أضف إعلاناً: في عام 1977، نجحت كتلة اليمين التي يمثلها رئيس الوزراء مناحيم بيغن في كسر سيطرة اليسار الممتدة على السلطة. ويمكن قراءة استراتيجية اليمين الصهيوني للسيطرة على السلطة والاستيلاء على أصوات الناخبين على أسس أساسية تتمثل في تضخيم الخطاب الديني اليهودي، وعقدة الترهيب، والاستثمار في مشكلة الأمن القومي، تبعاً لنظرية القلعة. التي كان نتنياهو أنجح سياسي في استغلالها عبر تاريخ دولة الاحتلال، واعتمد عليها للبقاء. لأطول فترة ممكنة في السلطة. وتشكل هذه النظرية التي تقوم على وجود عدو خارجي قد يكون حقيقياً أو مصطنعاً، تهديداً وجودياً يستدعي الاستجابة الطارئة من خلال توحيد القاعدة الشعبية وتجنب المشاكل الداخلية والتماسك لمواجهة هذا الخطر الداهم. وهذا، كما أشرنا سابقاً، هو أن نتنياهو استثمر فيه، وقد نجح. والدليل أنه بقي في السلطة وقضى على معارضيه. وبناءً على هذه النظرية قتلوا إسحق رابين، رابين الذي وقع اتفاقيات السلام في أوسلو ووادي عربة. وفي قناعة اليمين الداخلي، فإنهم يحتاجون إلى النضال من أجل البقاء أكثر من حاجتهم إلى السلام. وشكل السابع من أكتوبر ونجاح المقاومة في عبور جدار الفصل والتوغل في عمق المستوطنات هدما جزئيا لنظرية نتنياهو التي طالما روج لها بأن حكومته هي الأقدر على توفير الحماية للشعب اليهودي في الداخل. الدولة المحصنة. وهو التحدي الذي حاول نتنياهو وحكومته المتطرفة تحويله إلى فرصة من خلال إعادة الحديث عن التهجير القسري بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، أو التهجير الناعم من خلال خلق ظروف على الأرض تصبح الحياة فيها مستحيلة. واليوم، يبدو واضحاً أن خطة نتنياهو للبقاء في السلطة تكمن في تهجير الفلسطينيين في غزة نحو مصر. ويعقب ذلك نزوح أهالي الضفة الغربية نحو الأردن، ويبدو أن الأمر قد حسم نحو التهجير الناعم لأسباب تتعلق بالمواقف الأردنية والمصرية الرافضة للتهجير، إضافة إلى الضغوط الدولية على حكومة الاحتلال. ومن يقرأ شخصية نتنياهو جيداً يدرك أنه مهووس بالسلطة والبقاء فيها، ويسعى إلى نقش اسمه في سجل رموز دولة الكيان حتى يتمكن من المشاركة مع هرتزل وبن غوريون وغولدا مئير في تحقيق ذلك. النصر التاريخي للشعب اليهودي. لكن السابع من تشرين الأول (أكتوبر) كان بمثابة ضربة موجعة لطموحات نتنياهو. وكان رده شن هجوم محموم على المدنيين في غزة بحجة السعي لإنهاء المقاومة. وقبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، كان نتنياهو يواجه معارضة شديدة على خلفية مساعي حكومته لتقليص صلاحيات المحكمة العليا وعدد من قضايا الفساد المرفوعة ضده. وأدرك أن نتنياهو يعتقد أن الفشل في تحقيق انتصاره التاريخي في غزة لن يعني بكل الطرق نهاية مسيرته السياسية فحسب، بل قد يواجه أيضا سيناريو السجن، إذ يسعى من خلال هذه الحرب المحمومة على المدنيين لكسب الثقة. من ناخبيه مرة أخرى ويثبت لقاعدته المتطرفة أنه الرئيس الإسرائيلي الأكثر إجراما. ومن يتابع؟ ويشهد المشهد الداخلي في دولة الكيان خلال العقد الأخير تحولا كبيرا لحكومة اليمين ونتنياهو نحو التحالف مع الحركات الدينية والمستوطنين. وقد نجحت هذه الحكومات من خلال التوسع في بناء المستوطنات في الضفة الغربية، في تحقيق شبه التوازن في المعادلة الديمغرافية، الأمر الذي شكل قلقاً عميقاً لحكومة الاحتلال بعد عودة التفوق العربي، وما يشار إليه في السياق ومن تحالف اليمين المحافظ مع الحركات الدينية المتطرفة، منح صلاحيات بناء المستوطنات لوزير المالية المتطرف سموتريتش، ونقل وضع الاستخدام لبعض أراضي الضفة الغربية، وهو ما شكل خطوة كبيرة نحو التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. الضفة الغربية وتسليح المستوطنين من قبل بن جفير. الأكثر تطرف. فما أريد قوله هنا هو أن نتنياهو بحكومته الأكثر تطرفا في تاريخ الدولة الكيانية، وبشخصيته المتعطشة للسلطة، عمل على تشويهات عميقة في هياكل ومؤسسات الدولة الكيانية، وفشله الذريع. لقد شكل يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر تهديداً وجودياً له، لذا فهو يحاول ويسعى إلى تحويل هذا التهديد إلى فرصة. واستغلال ما حدث يوم 7 أكتوبر على وجه الخصوص لتنفيذ مخططات قديمة وجديدة لتهجير الفلسطينيين والقضاء على أذرع محور المقاومة في العالم العربي. وقد ظهر ذلك من خلال سعيه لتوسيع الحرب واستهدافه للقنصلية الإيرانية، كدليل على تعطش الرجل لاندلاع حرب إقليمية. فإذا لم يتمكن من إشعال الحرب الإقليمية بإطالة عمرها في غزة، وبالتالي تحقيق النصر (من وجهة نظره) فإن ذلك يعني إنقاذ نفسه وتاريخه ومستقبله السياسي؛ أي أن هذه الحرب بما تحمله من أهداف، تمثل قضية وجود ومصير لنتنياهو وصفوف اليمين القديمة، ومن خلال ذلك يمكننا قراءة سلوكه والتنبؤ به في المراحل المقبلة. لكن هذه المخططات اليمينية بتطرفها بدأت تمثل إحراجا للإدارة الأمريكية، وتحمل فاتورة ثقيلة لا يريد الأمريكي تحملها، وتتعارض مع السياسة الأمريكية في إدارة الصراع في الشرق الأوسط. شرقاً، وهو ما قد يؤدي إلى تخلي الأميركيين والطرفين عن اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو والبحث من الداخل. وتبحث إسرائيل عن نخب جديدة لديها رؤية لحل يتوافق مع الاستراتيجية الأمريكية في إدارة الصراع، ودعمها بما يضمن استمرار حماية المصلحة الأمريكية في المنطقة.
نتنياهو ومسألة البقاء في السلطة!…
– الدستور نيوز