.

اراء و اقلام الدستور – الدولة وحزب الله.. بين الواقع والمواقع

سامر الشخشيرمنذ ساعة واحدة
اراء و اقلام الدستور – الدولة وحزب الله.. بين الواقع والمواقع


دستور نيوز

بقلم ديفيد عيسى
في السياسة، كما هو الحال في الحروب، لا تعتمد القرارات على التمنيات، بل على الحقائق والبيانات الموجودة.
قد تكون هذه الحقائق مريحة للبعض ومزعجة للبعض الآخر، لكن تجاهلها لا يلغيها، بل يزيد من تعقيد التعامل معها.
لذا، تبدو الحاجة ملحة إلى قراءة المشهد اللبناني بعين العقل، وليس بعين الرغبة، والانطلاق من الحقائق كما هي، وليس كما يأمل البعض.
المنطق يقول إن الدولة اللبنانية هي صاحبة الشرعية الدستورية، وهي الجهة المخولة بالتفاوض باسم لبنان في المحافل الدولية، سواء في واشنطن أو الأمم المتحدة أو غيرها.
وهذا مبدأ ثابت يشكل جوهر مفهوم السيادة وأساس العلاقات بين الدول.
في المقابل، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن حزب الله يشكل قوة عسكرية وميدانية فعالة على الأرض.
كما أنه لا يقتصر على كونه مجرد حزب داخلي، بل يعتبر جزءا من محور إقليمي واسع، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على طبيعة دوره ويزيد من تعقيد أي مقاربة تتعلق بأسلحته أو موقعه السياسي والعسكري.
ولا يقتصر المشهد على واقع الدولة وواقع الحزب فحسب، بل يتداخل مع تعدد المواقع السياسية والميدانية والمناطقية التي يتموضع فيها كل حزب.
فالدولة تنتقل من موقع الشرعية الدستورية والاعتراف الدولي، فيما ينتقل الحزب من موقع قوة ميدانية وانتماءه إلى محور إقليمي أوسع.
بين الواقع القائم وهذه المواقع المتشابكة، تتشكل معادلة لبنانية معقدة لا يمكن فهمها أو الاقتراب منها إلا من خلال قراءة هادئة ومتوازنة لعناصرها المختلفة.
وتكبد الحزب خلال الحربين الأخيرتين، “حرب دعم غزة” و”عملية أول البس”، خسائر كبيرة شملت تدمير واحتلال عدد من القرى الجنوبية، وسقوط مئات الشهداء والجرحى في صفوف مقاتليه، وعلى رأسهم الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، وخليفته السيد هاشم صفي الدين، بالإضافة إلى قيادات بارزة من الصفين الأول والثاني.
كما طالت تداعيات هذه الحرب المدنيين، بينهم شيوخ ونساء وأطفال، وتسببت في موجة نزوح واسعة النطاق تجاوزت المليون شخص، ما يجعل هذه المرحلة من أكثر مراحل المواجهة كلفة على لبنان.
ومن ناحية أخرى، تكبدت إسرائيل أيضا خسائر بشرية وأمنية واقتصادية نتيجة القصف والعمليات العسكرية، مما أدى إلى إخلاء مناطق واسعة في شمالها وسقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين والعسكريين، وهو ما يعكس حجم التأثير المتبادل الذي خلفته الحرب على الجانبين.
إلا أن الحزب هو الطرف المباشر والرئيسي في المواجهة مع إسرائيل، وهو ما يجعل أي اتفاق لوقف إطلاق النار مستحيل التنفيذ أو الاستمرار دون موافقته، حتى لو لم يكن ممثلاً رسمياً على طاولة المفاوضات.
وعكست المواقف اللبنانية الرسمية هذه الحقيقة بوضوح، حيث قامت مختلف الأطراف المعنية، بما فيها رئاسة الجمهورية، بمراقبة موقف حزب الله عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرم برعاية أميركية قبل أن ينتقل إلى تأكيد التفاهمات النهائية، التي تؤكد دوره المحوري في أي مجال أو ترتيبات سياسية تتعلق بالصراع.
ومن حيث المبدأ يفترض منطق الدولة أنها صاحبة القرار الحصري في الشؤون الأمنية والعسكرية، التزاماً بالدستور ومفهوم السيادة.
لكن التوازنات السياسية والعسكرية القائمة تظهر وجود قوة منظمة ومسلحة ذات امتداد إقليمي، شاركت في صراعات خارج الحدود، أبرزها الحرب السورية، ما يجعل معالجة مسألة أسلحتها مسألة حساسة ومعقدة للغاية.
لذلك، لا يمكن التعامل مع هذه القضية بمنطق الهيمنة أو الإقصاء، بل من خلال مسار سياسي داخلي يقوم على التفاهم الوطني، مع مراعاة مصلحة الدولة، والحفاظ على الاستقرار، والبحث عن الحلول القابلة للتطبيق.
ولا يقتصر النهج العملي على الداخل اللبناني فقط، بل يشمل المجتمع الدولي أيضاً، الذي يدرك أن الدولة ومؤسساتها، وأبرزها الجيش اللبناني، غير قادرة على فرض الحلول بالقوة دون مخاطر جسيمة على الاستقرار الداخلي.
ومن هنا، فإن الدعم الدولي لا يأتي بالضغط على الدولة لفرض خيارات غير قابلة للتنفيذ، بل من خلال توفير مساحة سياسية تسمح بإطلاق نقاش وطني جدي حول القضايا الخلافية، يؤدي إلى حلول تدريجية تنال أوسع قبول ممكن.
فالحوار لا يعني استسلام طرف لطرف آخر، بل يشكل الآلية الطبيعية في الأنظمة الديمقراطية لإدارة الخلافات الكبرى والتوصل إلى تسويات تحفظ وحدة الدولة واستقرارها.
ومن هنا تظهر النتيجة المنطقية: لا بديل عن التفاهم الداخلي كمدخل لمعالجة القضايا الخلافية الكبرى.
تفاهم يفتح الطريق لبناء دولة قادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها، وحماية سيادتها، والحفاظ على استقرارها، ضمن رؤية وطنية شاملة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة ومتطلبات المستقبل.
السياسة ليست فن التمني، بل هي فن التعامل مع الحقائق كما هي.
وفي ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن تعزيز دور الدولة، بالتوازي مع اعتماد الحوار نهجا لحل الخلافات، يشكل النهج الأكثر واقعية للحفاظ على الاستقرار وتهيئة الظروف اللازمة لمعالجة القضايا الوطنية العالقة.
لذلك، لا يبدو أن أمام لبنان خياراً أجدى من الاستمرار على طريق التفاهمات الوطنية، وبالتالي تجنب الانزلاق إلى مزيد من المواجهات والانقسامات.
إن التحديات القائمة لا تعالج بالشعارات، بل بمنهج سياسي هادئ وتدريجي يوازن بين المعطيات الموجودة ويبحث عن الممكن بدلا من الاعتماد على المستحيل.
بين الواقع والمواقف، يبقى العقل أقصر الطرق إلى الحل، فيما تشكل الدولة الجامعة والحوار المسؤول البوابة الأكثر أمانا لمستقبل أكثر استقرارا يستحقه اللبنانيون.
ديفيد عيسى

#الدولة #وحزب #الله. #بين #الواقع #والمواقع

الدولة وحزب الله.. بين الواقع والمواقع

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – الدولة وحزب الله.. بين الواقع والمواقع

المصدر : www.elsharkonline.com

.