دستور نيوز
بقلم ابراهيم ريحان
“أساس ميديا”
من منصة الخطابة في طهران تهدد بشطب إسرائيل، إلى كواليس الاستخبارات الدولية باعتبارها «رهاناً سرياً» للموساد الإسرائيلي، تُعاد اليوم كتابة الرواية السياسية للرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، بتسريبات تتجاوز حدود الخيال الاستخباراتي. بين كواليس اجتماع بودابست السري ومغامرة التهريب الفاشلة في ظل تفجير طهران، يبرز السؤال: هل نحن أمام أجرأ خرق أمني في التاريخ الحديث، أم أن هذه هي الضربة القاضية التي أطلقت لإعدام الرجل سياسيا ودفنه حيا في معقل الثورة؟
انطبعت صورة محمود أحمدي نجاد في الضمير السياسي الغربي والعربي كنموذج فج وراديكالي للثورة الإسلامية الإيرانية في نسختها الأكثر تطرفا ومواجهة للغرب، منذ اعتلى المنصة لإلقاء كلمة في العاصمة الإيرانية طهران عام 2005، حيث أطلق شعاره الشهير. بمحو إسرائيل من الخريطة، والتشكيك في المحرقة.
لكن المفاجأة المدوية التي كشفت عنها صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، كشفت عن سيناريو استخباراتي يتجاوز حدود الخيال السياسي. ووفقاً لتقارير استخباراتية غربية وإسرائيلية متقاطعة، أصبح أحمدي نجاد “الرهان السري الأكبر” للموساد الإسرائيلي لتنصيبه رئيساً لإيران في فترة ما بعد السقوط المفترض لنظام الملالي.
بين سيناريو “نيويورك تايمز” الهوليوودي ونفي مكتب أحمدي نجاد القاطع للرواية باعتبارها “أكاذيب دعائية لتضليل الرأي العام”، يطرح السؤال الجوهري في توقيت إقليمي حساس للغاية: هل نواجه عملية تجنيد استخباراتية هي الأكثر جرأة في التاريخ الحديث، أم أننا أمام تسوية حسابات سياسية داخلية وخارجية تسعى إلى دفن الرجل حياً في طهران؟
بودابست 2025: بداية “الاختراق الصادم”
وبحسب تحقيقات صحيفة نيويورك تايمز، التي تقاطعت مع تصريحات مسؤولين أمنيين مثل مدير شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق “أمان”، تامير هايمان، فإن خيوط القصة بدأت تتشابك في عام 2022. لكن نقطة التحول الدراماتيكية حدثت في العاصمة المجرية بودابست، في عام 2025، عندما قبل أحمدي نجاد دعوة للمشاركة في مؤتمر بيئي في جامعة لودوفيكا.
وهناك، وتحت عباءة المصالحة البيئية والتنصل تدريجياً من عباءة النظام، الذي بدأ أحمدي نجاد في نسجه في السنوات الأخيرة، وصقل لغته الإنجليزية وتقديم نفسه كوجه “شعبوي تصالحي”، تشير التقارير إلى أن رئيس الموساد السابق ديفيد بارنيا “DD” سافر خصيصاً إلى المجر لمقابلته.
ولم يتوقف الأمر عند الاجتماعات. بل يزعم التقرير أن المخابرات الإسرائيلية دفعت مبالغ مالية لتغطية نفقات إقامة وتنقلات أحمدي نجاد، في محاولة لإقناعه بلعب دور “بوريس يلتسين” الإيراني، أي زعيم شعبي بديل قادر على ملء الفراغ، وتفكيك هيكلية الحرس الثوري، وإبرام تسوية كبرى مع الغرب وتطبيع العلاقات مع إسرائيل في لحظة الصفر.
مغامرة فبراير الفاشلة: «تهريب هوليود» تحت القصف
وبلغت هذه التقديرات الاستخباراتية ذروتها أواخر فبراير/شباط 2026، مع اندلاع مواجهة عسكرية وأمنية مباشرة وواسعة النطاق بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
وتزعم الرواية المسربة أن إسرائيل نفذت غارة جوية دقيقة استهدفت مبنى سكنيا في طهران حيث كان أحمدي نجاد تحت مراقبة مشددة من قبل الحرس الثوري الإيراني. ولم يكن هدف المداهمة تصفيته، بل «تحريره» من الطوق الأمني. وتشير التفاصيل المذهلة إلى أن سيارة بيجو سوداء اللون يقودها عملاء الموساد دخلت بعد الضربة مباشرة، واستعادت أحمدي نجاد لتأخذه إلى ملجأ سري آمن داخل إيران تمهيدا لتقديمه زعيما للفترة الانتقالية.
لكن بحسب التقرير، انهارت الخطة وفشلت. أحمدي نجاد نفسه أعرب عن خيبة أمله وتردده إزاء انهيار حسابات «تغيير النظام» ووتيرة الحرب المدمرة، لينتهي به الأمر مكشوفاً أمام خيوط مخابرات الحرس الثوري، التي وضعت أيديها عليه وأحالته إلى الإقامة الجبرية من جديد بعد أن علمت بتفاصيل اللقاءات السرية.
رد أحمدي نجاد: “دعاية هوليود”.
وجاء بيان المكتب الإعلامي لمحمود أحمدي نجاد حادا وقاطعا، واصفا التقارير بأنها «قصص هوليوودية سخيفة وكاذبة تماما». واعتبر البيان أن هذه التسريبات تأتي في سياق “حرب نفسية” ممنهجة تهدف إلى تفكيك الجبهة الداخلية الإيرانية وبث الفتنة والتشكيك في ولاء القادة التاريخيين.
وشدد البيان على أن أحمدي نجاد لا يزال يقوم بواجباته وحياته الطبيعية كـ«خادم الشعب الإيراني»، ونفى بشكل قاطع أن يكون قيد الإقامة الجبرية أو يخضع لتحقيق أمني بتهمة التجسس.
من المصلحة الأميركية إلى مأزق طهران؟
وبعيداً عن الإثارة السينمائية التي تتسم بها القصة، لا يمكن لقارئ المشهد السياسي في الشرق الأوسط أن يمر على هذا التسريب دون أن يتساءل عن المستفيدين الفعليين منه وتوقيته السياسي:
أولاً: الحد من الانحياز الإسرائيلي بالورقة الأميركية: يرى محللون غربيون أن تسريب هذه المعلومات الدقيقة لصحيفة «نيويورك تايمز» في هذا الوقت يقف وراء سعي أطراف في الإدارة الأميركية إلى عرقلة المخططات الإسرائيلية الأكثر تطرفاً «لتغيير النظام الإيراني بالقوة». ومن خلال هذا التسريب تقول واشنطن لتل أبيب صراحة: «خططكم لتنصيب قادة بديلين ضعيفة وغير قابلة للتصديق»، وهو رأي سبق أن عبر عنه مسؤولون في إدارة ترامب رافضين إمكانية إعادة تعويم أحمدي نجاد.
ثانياً: تصفية الحساب النهائي داخل طهران: يعيش أحمدي نجاد منذ سنوات حالة من العزلة السياسية الكاملة والصراع الصامت مع الأجنحة المتطرفة في النظام ومجلس صيانة الدستور، التي استبعدته مراراً وتكراراً من الترشح للانتخابات الرئاسية. وهذا التسريب، سواء كانت تفاصيله صحيحة أو مختلقة استخباراتيا، يخدم التيار المحافظ المتطرف داخل إيران لإطلاق ضربة سياسية على أحمدي نجاد وإضفاء الشرعية على عزله التام أو حتى محاكمته بتهمة الخيانة العظمى، وبالتالي إنهاء ظاهرة «المتمرد من الداخل». النظام إلى الأبد.
بين واقع لقاءات بودابست وتناثر السيناريوهات الميدانية لإنقاذ أحمدي نجاد في طهران، تؤكد الحادثة مرة أخرى أن الشرق الأوسط أصبح ساحة اختبار مفتوحة لأخطر أنواع الحروب الهجينة والاستخباراتية.
فمحمود أحمدي نجاد، الذي بنى مجده السياسي على صدى صيحات “الموت لأميركا وإسرائيل”، يجد نفسه اليوم أسيراً للعبة دولية كبرى، أحياناً باعتباره بيدقاً على رقعة شطرنج الموساد، وأحياناً ضحية نموذجية لحرب إعلامية ونفسية تحرق ما تبقى من رصيده. السياسي والرمزي في أزقة طهران.
ابراهيم ريحان
#أحمدي #نجاد #من #مبيد #إسرائيل #إلى #موساد #يلتسين
أحمدي نجاد من «مبيد إسرائيل» إلى «موساد يلتسين»؟
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – أحمدي نجاد من «مبيد إسرائيل» إلى «موساد يلتسين»؟
المصدر : www.elsharkonline.com
