دستور نيوز
المحامي أسامة العرب
تشكل انتخابات الكنيست الإسرائيلي السادس والعشرين، المقرر إجراؤها في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، واحدة من أكثر الانتخابات السياسية حساسية منذ قيام دولة إسرائيل، ليس فقط لأنها تأتي في أعقاب حرب طويلة وتداعيات أمنية غير مسبوقة، ولكن أيضا لأنها تجري في ظل تحولات عميقة داخل البنية الحزبية الإسرائيلية، وتراجع واضح في شعبية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مقابل صعود شخصيات عسكرية وسياسية جديدة تسعى إلى إعادة رسم ميزان القوى في الداخل. النظام السياسي الإسرائيلي.
وتتعدى أهمية هذه الانتخابات مجرد تحديد هوية رئيس الوزراء المقبل، فهي تمثل استفتاء سياسيا على مجمل أداء حكومة نتنياهو خلال السنوات الأربع الماضية، خاصة في الملفات الأمنية وإدارة الحرب والاقتصاد والانقسام المجتمعي وأزمة التجنيد والعلاقة بين السلطتين السياسية والقضائية. ومن هنا فإن نتائجها ستنعكس بشكل مباشر على مستقبل الاستقرار السياسي داخل إسرائيل، وعلى سياساتها الإقليمية تجاه فلسطين ولبنان وسوريا وإيران، فضلاً عن طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة والدول الغربية.
ويقوم النظام السياسي الإسرائيلي على النموذج البرلماني الذي يعتمد على التمثيل النسبي الكامل، حيث أن إسرائيل دائرة انتخابية واحدة، ويضم الكنيست 120 عضوا يتم انتخابهم كل أربع سنوات. ولا يصوت الناخب لمرشح فردي، بل لقائمة حزبية، فيما يشترط القانون حصول أي حزب على نسبة خصم 3.25% من إجمالي الأصوات الصحيحة ليتمكن من دخول الكنيست والمشاركة في توزيع المقاعد.
ورغم أن هذا النظام يمنح الأحزاب الصغيرة فرصة التمثيل، إلا أنه يجعل تشكيل الحكومات عملية معقدة تقوم على بناء ائتلافات متعددة الأحزاب، وهو ما جعل إسرائيل تعيش حالة من عدم الاستقرار السياسي خلال العقد الماضي، وأدى إلى تكرار الانتخابات عدة مرات بسبب عدم قدرة القوى السياسية على إنتاج أغلبية مستقرة.
مع انتهاء الدورة الصيفية للكنيست في 17 يوليو 2026، دخلت إسرائيل عمليا المرحلة الانتخابية، بعد أن تقرر الإبقاء على موعد الانتخابات العادية في 27 أكتوبر، بدلا من الذهاب إلى انتخابات مبكرة من خلال قانون حل الكنيست الذي أوقف مساره عند القراءة الأولى ولم يكمل إجراءاته التشريعية.
ويحاول نتنياهو تسويق هذا التطور على أنه نجاح سياسي، نظرا لأن حكومته أكملت ولايتها الدستورية رغم التحديات الأمنية والسياسية. لكن المعارضة ترى في نهاية الولاية فرصة لمحاسبة الحكومة على ما تعتبره إخفاقات استراتيجية، أبرزها تداعيات هجوم 7 أكتوبر، واستمرار الحرب، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع الثقة في المؤسسات السياسية.
تكشف استطلاعات الرأي الأخيرة عن تغير مذهل في المزاج الانتخابي الإسرائيلي. ولم تعد المنافسة مقتصرة على الليكود وأحزاب المعارضة التقليدية. بل ظهرت قوى جديدة يقودها مسؤولون عسكريون سابقون، وعلى رأسهم رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، الذي استطاع فرض نفسه باعتباره المنافس الأخطر لنتنياهو.
وتشير استطلاعات هيئة البث الإسرائيلية والقنوات 12 و13 إلى تقدم حزب يشار بزعامة آيزنكوت أو تقاربه الوثيق مع حزب الليكود، فيما تعطي معظم الاستطلاعات أفضلية شخصية لأيزنكوت في ملاءمته لرئاسة الحكومة، وهو مؤشر يعكس تراجع الثقة في قيادة نتنياهو أكثر مما يعكس تحولا أيديولوجياً داخل المجتمع الإسرائيلي.
ولا تقتصر أزمة نتنياهو على تراجع شعبية الليكود، بل تمتد إلى ضعف معسكره الائتلافي برمته. وتعطي معظم الاستطلاعات الكتلة الداعمة له ما بين خمسين واثنين وخمسين مقعدا، أي أقل بكثير من الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، وهي واحد وستين مقعدا.
في المقابل، لا تبدو المعارضة أكثر قدرة على تشكيل حكومة مستقرة، إذ تعتمد على أحزاب ذات مشارب فكرية وسياسية متعددة، ويبقى نجاحها مرهونا بقدرة الأحزاب الصغيرة على تجاوز العتبة الانتخابية، مما يجعل بضعة آلاف من الأصوات قادرة على تغيير الخريطة السياسية برمتها.
وتكتسب التحالفات الصغيرة أهمية استثنائية في هذه الانتخابات، إذ يمكن لحزب صغير ينجح في تجاوز العتبة الانتخابية أن يرجّح كفة الميزان لصالح أحد المعسكرين، في حين يؤدي فشله إلى خسارة عشرات الآلاف من الأصوات، وإعادة توزيع المقاعد بشكل قد يمنح خصومه أفضلية حاسمة.
كما أن الانقسامات داخل معسكر اليمين، وظهور شخصيات منشقة عن الليكود، بالإضافة إلى احتمالات تشكيل تحالفات جديدة بين القادة السياسيين والعسكريين السابقين، كلها عوامل تزيد من تعقيد المشهد الانتخابي، وتجعل التنبؤ بنتائج تشكيل الحكومة أكثر صعوبة من التنبؤ بنتائج الانتخابات نفسها.
ويلاحظ أيضًا أن الشخصية العسكرية أصبحت تحتل موقعًا بارزًا في المنافسة السياسية داخل إسرائيل. ويعكس صعود غادي آيزنكوت، إلى جانب أسماء عسكرية أخرى، استمرار توجه الناخب الإسرائيلي نحو منح المؤسسة العسكرية دورا محوريا في إدارة الدولة أثناء الأزمات، انطلاقا من الاعتقاد بأن القيادات الأمنية أكثر قدرة على التعامل مع التحديات الإقليمية.
لكن هذا التحول لا يعني تغيراً جذرياً في التوجهات الاستراتيجية لإسرائيل، إذ تتفق معظم الأحزاب الصهيونية، سواء في اليمين أو الوسط، على قضايا أمنية كبرى، في حين يتمحور الخلاف بينها حول طريقة إدارة الدولة، والعلاقة مع القضاء، وشكل النظام السياسي، وإدارة الأزمات الداخلية.
ومن هنا فإن التراجع الذي يواجهه نتنياهو لا يعبر بالضرورة عن رفض السياسات الأمنية الإسرائيلية، بقدر ما يعكس تآكل الثقة في شخصه وفي قدرته على قيادة المرحلة المقبلة، خاصة بعد سنوات طويلة من بقائه في السلطة وما رافقها من انقسامات داخلية واتهامات بالفساد وإخفاقات أمنية وسياسية.
وسيكون لنتائج الانتخابات أيضا تأثير مباشر على البيئة الإقليمية. وفي حال نجحت المعارضة في تشكيل حكومة جديدة، فقد تشهد المنطقة تعديلات في طريقة إدارة الملفات الإقليمية، من دون أن يعني ذلك ثورة في الثوابت الاستراتيجية الإسرائيلية. لكن إذا تمكن نتنياهو من العودة إلى السلطة من خلال ائتلاف جديد، فإن ذلك يعني استمرار النهج الحالي، وإن كان ضمن هامش سياسي أضعف وأكثر هشاشة.
تكشف انتخابات الكنيست عام 2026 أن إسرائيل تدخل مرحلة سياسية تختلف جذرياً عن المراحل السابقة. ولم تعد الأزمة مرتبطة فقط بصعوبة تشكيل الحكومات، بل إنها تعكس انقساما عميقا داخل المجتمع والنخبة السياسية بشأن هوية القيادة القادرة على إدارة الدولة بعد سنوات من الحرب والاستقطاب.
وفي ضوء المعطيات الحالية، تبدو فرص بنيامين نتنياهو في تشكيل الحكومة المقبلة أقل مما كانت عليه في الانتخابات السابقة. لكن تراجع شعبيته لا يعني تلقائيا صعود منافسيه إلى السلطة، لأن النظام الحزبي الإسرائيلي لا يزال محكوما بمنطق الائتلافات المعقدة، حيث لا يكفي الفوز بعدد أكبر من المقاعد. بل يتطلب القدرة على بناء أغلبية برلمانية متماسكة.
وعليه فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس انتصاراً كاسحاً لأي من المعسكرين، بل استمرار حالة التوازن الهشة، وهو ما قد يؤدي إلى حكومة ائتلافية واسعة، أو إلى مرحلة جديدة من الركود السياسي، وربما إلى إعادة إنتاج أزمة عدم الاستقرار التي ميزت الحياة السياسية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة، لتبقى معادلة الحكم في إسرائيل رهينة التحالفات أكثر من كونها رهينة نتائج صناديق الاقتراع.
المحامي أسامة العرب
#انتخابات #الكنيست #هل #يقترب #عهد #نتنياهو #من #نهايته
انتخابات الكنيست 2026: هل يقترب عهد نتنياهو من نهايته؟
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – انتخابات الكنيست 2026: هل يقترب عهد نتنياهو من نهايته؟
المصدر : www.elsharkonline.com
