دستور نيوز
بقلم عامر البحصلي
ولم ينظر الإسلام إلى المال باعتباره غاية في حد ذاته، بل اعتبره نعمة من الله عز وجل، ووسيلة لعمران الأرض، وتحقيق مصالح الناس، وإقامة الحياة الكريمة للفرد والمجتمع. فالمال في المنظور الإسلامي أمانة استودعها الله الإنسان خلفا له، وليس ملكا مطلقا يستطيع التصرف فيه كما يشاء دون ضوابط أو مسؤولية. ولذلك جاءت التشريعات المالية والتجارية في الإسلام لتؤسس لنظام اقتصادي متوازن يقوم على العدل والرحمة، ويجمع بين حرية الملكية والكسب المشروع، والمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية.
وقد أرسى القرآن الكريم أسس هذا النظام منذ نزوله، فدعو إلى العمل الحلال والكسب، وحرم كل أشكال الظلم والاستغلال والخداع والاحتيال والإكراه. وقال تعالى: “يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن طيب خاطر”. [النساء].
ولعل من الجدير بالذكر أن أطول آية في القرآن الكريم هي آية الدين في سورة البقرة. ويتناول بالتفصيل أحكام توثيق الديون وكتابة العقود وتحديد الآجال والاستشهاد بها وبيان حقوق الدائن والمدين، مما يدل على المكانة الكبيرة التي أولتها الشريعة الإسلامية لحفظ الحقوق ومنع أسباب الخلاف والخلاف. قال تعالى: “يا أيها الذين آمنوا دين إلى أجل مسمى فاكتبوه”. [البقرة]. وهذا يؤكد أن الاستقرار الاقتصادي لا يعتمد على النوايا الطيبة وحدها، بل على الوضوح والشفافية والتوثيق وحسن التنظيم.
لقد جعل الإسلام الصدق والأمانة أساس كل معاملة مالية أو تجارية، لأن الثقة هي رأس المال الحقيقي في حياة الناس. يقول الله تعالى: “وأوفوا الكيل والميزان بالقسط”. [الأنعام]ويقول الله تعالى: “ويل للظالمين الذين إذا كالوهم على الناس يستوفون الكيل وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون”. [المطففين]. إن الغش في المبيعات أو التلاعب بالأرصدة أو إخفاء العيوب ليس مجرد مخالفات قانونية، بل هي خطايا تفسد أخلاق السوق وتدمر الثقة بين الناس.
وقد جسد النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذه القيم في حياته قبل البعثة وبعدها، حتى لقب بالصادق الأمين، وكان قدوة للتجار في الصدق وحسن المعاملة. قال: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء». وقال أيضاً: «من غشنا فليس منا». قال: «الخياران ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما».
ومن أهم الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي تحريم الربا، لما فيه من الظلم واستغلال حوائج الناس. يقول الله تعالى: “وأحل الله البيع وحرم الربا”. [البقرة]ويقول الله عز وجل: «يمحق الله الربا ويربي الصدقات». [البقرة]. لقد أثبتت الأزمات الاقتصادية العالمية المعاصرة أن الاعتماد المفرط على القروض، والفوائد المركبة، والمضاربات المالية غير المنضبطة، كان سبباً في انهيارات مالية كبيرة، وهو ما يبرز جانباً من الحكمة في التشريع الإسلامي.
ومن ناحية أخرى، شجع الإسلام التجارة المشروعة والاستثمار المنتج، لأنها تقوم على تبادل المنافع، وتحمل المسؤولية، وتقاسم المخاطر، وخلق فرص العمل، وتحريك عجلة الاقتصاد. الربح في الإسلام ليس مكروها، بل هو مشروع إذا كان ناتجا عن عمل حقيقي، أو تجارة، أو استثمار ينفع الناس. ولذلك كان كثير من الصحابة الكرام تجارًا ناجحين جمعوا بين الكسب الطيب والإنفاق الكريم، ومنهم سيدنا عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، الذين سخروا أموالهم لخدمة المجتمع.
ولا يقتصر العدل في المعاملات على المسلمين فيما بينهم، بل يشمل جميع الناس دون تمييز. قال الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود”. [المائدة]وقال الله تعالى: “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها”. [النساء]. إن الوفاء بالعهود والوفاء بالحقوق واحترام الملكية الخاصة هي قيم إنسانية عامة لا علاقة لها بدين العميل أو جنسه أو لونه.
كما حارب الإسلام كافة أشكال أكل أموال الناس بالباطل، بما في ذلك الرشوة والاحتكار والاحتيال واستغلال النفوذ والتلاعب بالأسعار. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحتكر إلا آثم». وقال أيضًا: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»، في إشارة إلى حفظ حقوق العامل، وحفظ كرامته، وعدم المماطلة في دفع مستحقاته.
ومن خصائص الاقتصاد الإسلامي أنه يربط الحرية الاقتصادية بالمسؤولية الاجتماعية. الملكية الخاصة حق مشروع، لكنه ليس حقا مطلقا خاليا من الواجبات. ولذلك فرض الإسلام الزكاة، وشجع الصدقات والأوقاف والإنفاق في أعمال الخير، لتبقى الثروة متداولة بين أفراد المجتمع، ولا حكراً على فئة قليلة. قال الله تعالى: “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها”. [التوبة]وقال الله تعالى: “لئلا تكون في الأغنياء منكم دولة”. [الحشر].
إن المبادئ التي أرساها الإسلام في المعاملات المالية ليست مجرد أحكام فقهية، بل هي منظومة حضارية متكاملة تهدف إلى بناء اقتصاد إنساني يوازن بين المادة والقيم، بين الربح والأخلاق، وبين حق الفرد ومصلحة المجتمع. الأسواق لا تزدهر بالمال وحده، بل تزدهر عندما يسود الصدق، ويحكمها العدل، وتحفظ الحقوق، وتحترم العقود، ويأمن الناس على أموالهم ومعاملاتهم.
ختاماً
إن العالم اليوم، وهو يواجه تحديات الفساد المالي والاحتكار واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، في أمس الحاجة إلى الاستلهام من هذه المبادئ الإلهية التي تحقق التنمية المستدامة، وتحفظ كرامة الإنسان، وتجعل الاقتصاد في خدمة الإنسان، وليس الإنسان في خدمة المال. وهكذا يثبت الإسلام أنه دين يجمع بين العبادة والتنمية، وبين الإيمان والعمل، ويؤسس لحضارة يكون فيها المال وسيلة للإصلاح، وليس أداة للظلم والاستغلال.
عامر البحصلي
#حديث #الجمعة_المعاملات #المالية #في #الإسلام
حديث الجمعة_المعاملات المالية في الإسلام
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – حديث الجمعة_المعاملات المالية في الإسلام
المصدر : www.elsharkonline.com
