.

اراء و اقلام الدستور – لقد وصلت كربلاء إلى أقصى حدودها

سامر الشخشيرمنذ 33 ثانية
اراء و اقلام الدستور – لقد وصلت كربلاء إلى أقصى حدودها


دستور نيوز

لقد تغير كل شيء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولم يتغير شيء.

وفي أول رسالة منسوبة للولي الفقيه الجديد مجتبى خامنئي بعد دفن والده، صور الابن مقتل والده على أنه استمرار بطولي للمسيرة الحسينية ورواية كربلاء.

وفي العاشر من المحرم سنة 61هـ، الموافق العاشر من أكتوبر سنة 680م، وقف الحسين بن علي حفيد النبي مع نحو اثنين وسبعين من أهل بيته وأصحابه في مواجهة جيش الدولة الأموية على ضفاف الفرات. وقاد الحملة عليه عمر بن سعد بأمر عبيد الله بن زياد والي الكوفة تنفيذا لوصية الخليفة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الملك الوارث حديثا من أبيه. وانتهت المواجهة بمذبحة رسمت خطاً فاصلاً في الضمير الإسلامي، وأرست هوية شيعية متميزة، استكملتها طقوس الحداد، وسرديات الضحية عبر الأجيال، وإرث طويل نجحت الخمينية في إعادة إنتاجه في قالب سياسي معاصر.

لكن مجتبى، أو من ينتحل اسمه اليوم في إيران، لم يفعل في الواقع أكثر من استدعاء كتيب قواعد سياسية عمره 1400 عام، وقد امتدت صلاحيته إلى ما بعد عصره.

رواية كربلاء وعلامات الانحطاط

وفي عصر تتضاعف فيه الفجوات وتاختلال موازين القوى، لا يقدم «النموذج الحسيني» إلا القدرة على تزويد الفكر الحسيني بسبل الحياة، غير القادر على تحقيق الرخاء للمجتمع أو تقديم انتصار حاسم للعقيدة. وهذا ما يؤكده المسار الحالي الذي تتبعه إيران، والذي يعتمد حصراً على إدارة الأزمات من خلال تفاهة رواية الاستشهاد. ولأن الأفكار محكوم عليها إما بالتطور أو بالاختفاء، فإن رواية الكربلائي اليوم، في ظل الوضع في إيران، تظهر كل علامات التراجع واستنفاد صلاحيتها.

وقد نجح نموذج الكربلائي، في سياقه التاريخي، في الحفاظ على رؤية إسلامية وسط صراعات الفقيه السياسية والعشائرية المبكرة على السلطة، وكذلك على شكل الدولة في الإسلام ومصدر شرعيتها. لقد خلقت كربلاء هوية شيعية متميزة، مدعومة بطقوس راسخة وسرديات مقاومة لا يمكن إطفاؤها. ألهم هذا الحدث الدراماتيكي موجات متتالية من الثورات: ثورة التوابين بقيادة سليمان بن صرد سنة 65هـ، وحركة المختار الثقفي في الكوفة الذي قتل معظم المتورطين في قتل الحسين، وثورة زيد بن علي سنة 122هـ. لقد حمت مرثاة عاشوراء تقاليد أقلية طائفية لعدة قرون في مواجهة السلطات المركزية المهيمنة المتعاقبة.

ورغم هذه الثورات، فقد صمدت الدولة الأموية أكثر من سبعين عاما بعد معركة كربلاء، حتى عام 750م، عندما انهارت في معركة الزاب الكبرى (أحد روافد نهر دجلة في شمال العراق) أمام الثورة العباسية. لقد أطاحت بها عوامل بنيوية عميقة، أبرزها استياء الموالين غير العرب في خراسان، والتعصب القبلي المحتدم بين القيسية واليمانية، والإرهاق المالي للخزانة المالية، والتنظيم السري المحكم للدعوة الهاشمية التي كان يقودها عسكرياً أبو مسلم الخراساني.

وفي هذا العالم الأبطأ والأقل ترابطا، فإن التحدي غير المتكافئ والتضحية الرمزية من جانب أقلية يمكن أن يقوض شرعية السلطة المضادة عبر الأجيال. اليوم، لم يعد هذا هو الحال.

إن تصوير مقتل خامنئي على أنه استشهاد على طريقة كربلاء ليس سوى هراء أيديولوجي قد يحشد القاعدة الشعبية ويبرر رواية «المقاومة»، لكن النظرة إلى نتائجها تكشف واقعاً مختلفاً:

اختلال العصر:

وفي القرن السابع، دارت معارك بين جيوش قبلية ذات أعداد متماثلة، وكانت تحسمها الشجاعة الفردية والشرعية المحلية والأعداد. تواجه إيران اليوم منظومات عسكرية دقيقة للغاية، وتفوقاً استخباراتياً وسيبرانياً، ترجمته الحرب الأخيرة إلى اغتيالات طالت الصفوف الأولى واختراقات أمنية عميقة، كما يدل على ذلك سقوط المرشد الأعلى نفسه في غارة جوية على مجمعه في قلب طهران.

الرهان على الوكلاء والصواريخ الباليستية يمنح طهران القدرة على الاستفزاز أكثر من ذلك، في حين أن الردع الحقيقي الذي يحمي ويحافظ يبقى بعيد المنال.

اقتصاد الاستشهاد أو المقاومة كالانتحار البطيء:

لقد حول مبدأ “اقتصاد المقاومة” التحدي والرفض والتردد إلى برنامج للإفقار المنهجي للدولة الإيرانية. وتجاوز معدل التضخم السنوي 88 بالمئة في يونيو/حزيران 2026، في واحدة من أعنف موجات ارتفاع الأسعار التي عرفتها البلاد منذ الحرب العالمية الثانية. وتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنحو 6 بالمئة خلال العام نفسه. وانخفض الريال من نحو 1.35 مليون مقابل الدولار مطلع 2026 إلى نحو 1.9 مليون بعد بدء الإضرابات في فبراير/شباط. ولم يعد الحد الأدنى للأجور يغطي أكثر من 37% من تكلفة سلة المعيشة الأساسية. ويعاني أكثر من نصف الإيرانيين من أحد أشكال سوء التغذية. وأصبح اللحم والخبز من الكماليات في جمهورية تقع على ثاني أكبر احتياطي للغاز في العالم.

يضاف إلى ذلك استنزاف متزايد للعقول والكفاءات، وتجدد الاحتجاجات الدموية التي أودت بحياة عشرات الآلاف في يناير/كانون الثاني الماضي وحده.

أزمة الحكم: التعبئة كبديل للتنمية

إن الدولة التي يبلغ عدد سكانها حوالي تسعين مليون نسمة تحتاج إلى الكفاءة المؤسسية، والشفافية، والتخطيط الطويل الأجل. أما نموذج كربلاء المستدعى فهو يجيد إنتاج التضحية كانتصار والسيطرة على الإعلام والسرد الحشدي كبوابة للمستقبل، بينما أفكار التنمية تخرج تماما عن تصوراته. والنتيجة الحتمية هي الثراء الهائل للأوليغارشية الدينية والعسكرية، والبؤس العام للإيرانيين، والاعتماد شبه الكامل على أدوات القمع الأمنية من أجل البقاء. تكشف الميزانية الأخيرة عن معادلة عارية: تبتلع مؤسسات الحرس والأمن أضعاف حصة الحكومة المدنية، ويتم تخصيص ما يقرب من نصف عائدات النفط للمؤسسات الدينية، في حين أن العبء الضريبي يثقل كاهل الأسر المنهكة بالفعل.

الانتقام هو برنامج للحكم

ويستمر صعود مجتبى على نفس السيناريو القائم على: طقوس الجنازة، والدموع، والوعود بالانتقام، واستدعاء متجدد للمظلومية التاريخية. وفي الوقت نفسه، يتراجع الاقتصاد إلى القاع في سقوط حر. لذلك، فإن اعتماد «النهج الكربلائي» كاستراتيجية عليا للدولة يحمل في طياته خطراً وجودياً، إذ تتحول الرواية الأعظم في الوجدان الشيعي إلى فخ يهاجم الدولة التي تحتمي إليه. إن التماسك الذي توفره كربلاء مؤقت وقصير الأمد، وثمنه الباهظ، على المدى الطويل، هو استنزاف الحيوية الثقافية للبلد الذي جسد النموذج الحسيني لأول مرة منذ 1400 عام.

كان الوعد الأول للزعيم الجديد هو الانتقام. الانتقام يحشد جيلاً غاضباً لمدة يوم أو شهر، بينما الدولة الحديثة تبنى بالكهرباء والخبز والوظائف والعملة المستقرة والعقد الاجتماعي، وتنهار عندما تدار بمنطق مواكب العزاء.

واستدعى مجتبى كربلاء ليحكم فيها، فحكمت عليه. إن المأساة التي منحت الشيعة هوية تتجاوز القرون تعطي الجمهورية الإسلامية تاريخاً محدداً من الانحدار، لأن ما هو مناسب عقائدياً لبقاء مجموعة فرعية يصبح عبئاً على الدولة التي تطالب بالكهرباء، والخبز، وفرص العمل.

المفارقة أن النظام يملك ما يكفي من أدوات القمع لتأجيل نهايته، ويفتقر إلى كل ما يلزم لمنعه. إن الانتقام يشتري الوقت ولا يبني اقتصادا، والتعبئة تحشد الغاضبين ولكنها لا تطعم الجياع.

استحضار الماضي لم يعد يعفي إيران الخميني من حكم الحاضر، خاصة وأن الرواية الحسينية بلغت حد ما تستطيع، وأن ما يليها مكتوب بلغة غير لغة الجنائز.

سيرة الشيعة ونشأتهم

وصل الشيعة إلى السلطة تدريجياً على مدى عدة قرون، بأشكال طائفية مختلفة. ركبت الثورة العباسية سنة 750 موجة السخط العلوي والهاشمي للوصول إلى السلطة، ثم انقلبت على آل البيت وطاردتهم، فبقيت الخلافة في أيدي السنة. نشأ أول كيان علوي حقيقي في المغرب مع الإدريسيين حوالي عام 788، أي بعد أكثر من قرن من كربلاء، على مشارف العالم الإسلامي بعيدا عن مركز الخلافة. وتلاها الدويلات الزيدية: العلويون في طبرستان عام 864، ثم الإمامة الزيدية في اليمن عام 897، والتي ازدهرت بأشكال متتالية حتى سقوط المملكة المتوكلية عام 1962. وبلغ الطموح الشيعي ذروته الأولى مع الفاطميين الإسماعيليين، الذين أسسوا أول خلافة شيعية منافسة عام 909 وبنوا القاهرة عام 969 لمنافسة بغداد. شرعية العالم الإسلامي. ثم، في عام 945، سيطر البويهيون على قلب الخلافة نفسها. لقد حكموا فعليًا واحتفظوا بالخليفة العباسي كواجهة رمزية. وفي عهدهم أقيمت مهرجانات عاشوراء العامة في بغداد لأول مرة عام 963.

إلا أن كل هذه التجارب ظلت غير متبلورة سواء كانت زيدية أو إسماعيلية أو علوية. أما التشيع الإثني عشري فقد انتظر الصفويين سنة 1501، عندما فرض الشاه إسماعيل المذهب الجعفري ديناً للدولة وأدخل فقهاء جبل عامل لتأصيله، وولدت إيران الشيعية الحديثة. إلا أن الصفويين أقاموا دولة للمذهب ذات سلطة ملكية، يقف فيها الفقيه إلى جوار العرش، يصدر الفتاوى والتشريعات أثناء حكم الشاه. وفي عام 1979، وضع الخميني وحده الفقيه على العرش نفسه من خلال نظرية الولاية المطلقة للفقيه، وهو ابتكار لم يسبق له مثيل منذ أربعة عشر قرنا، وهو ما رفضته أغلبية المرجعيات التقليدية.

وهكذا تراكمت العوائد على مر القرون: قرن حتى قيام الدولة العلوية الأولى، وقرنان ونصف قرن حتى الخلافة الفاطمية وسيطرة البويهيين على بغداد، وثمانية قرون حتى أول دولة اثني عشرية كبرى، وأربعة عشر قرنا حتى حكم الفقيه المباشر. في هذا التقدم تكمن المفارقة الأخيرة: أطول انتظار في تاريخ الشيعة أنتج صيغة أقصر نفس. فالنموذج الذي بلغ ذروته عام 1979 يستنفد صلاحيته اليوم في مواجهة أول اختبار وجودي جدي له.

نديم قطيش

#لقد #وصلت #كربلاء #إلى #أقصى #حدودها

لقد وصلت كربلاء إلى أقصى حدودها

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – لقد وصلت كربلاء إلى أقصى حدودها

المصدر : www.elsharkonline.com

.