.

اراء و اقلام الدستور – منصات التواصل الاجتماعي وصناعة الأبطال الورقيين

سامر الشخشيرمنذ 4 دقائق
اراء و اقلام الدستور – منصات التواصل الاجتماعي وصناعة الأبطال الورقيين


دستور نيوز

بقلم ديفيد عيسى

لا يمكن إنكار أن منصات التواصل الاجتماعي أحدثت تحولات إيجابية في حياة الأفراد والمجتمعات. فقد سهلت الوصول إلى المعرفة، وقربت المسافات بين الشعوب، وفتحت آفاقا جديدة للتعلم والعمل والتواصل.

كما ساهمت في تسليط الضوء على قضايا كانت بعيدة عن دائرة الاهتمام، وعززت قدرة المجتمعات على التعبير ومساءلة نفسها.

لكن هذه الثورة الرقمية جلبت معها، من ناحية أخرى، تحديات عميقة. لقد تضاءلت سلطة الأدلة في مواجهة الضجيج، وأصبح النشر معيارا مضللا للحقيقة، في حين تلاشى صوت الحكمة في مواجهة خطاب الكراهية والتنمر والإثارة.

وتشهد هذه المنصات صراعا مستمرا بين المحتوى الرصين والمحتوى السطحي، لكن التوازن غالبا ما يميل إلى الأخير.

المواد المثيرة للجدل، وعروض الحياة الشخصية، والابتذال، وكل ما ينجح في لفت الانتباه خلال ثوان معدودة، تهيمن على المشهد، بينما يبقى المحتوى الجاد حاضرا، لكنه يحتاج إلى قارئ يبحث عنه بوعي وإرادة، وليس تابعا يكتفي بما تفرضه الخوارزميات.

وفي ظل هذا الواقع، تحول عدد الإعجابات والمشاهدات والمتابعين إلى مقياس وهمي للقيمة، رغم أنه لا يعكس بالضرورة جودة المحتوى أو صحة الأفكار.

ولعل أخطر ما أنتجته هذه البيئة الرقمية هو ما يمكن أن نطلق عليه “وهم العظمة”، إذ يتصور بعض المغردين والمدونين أنهم مركز الأحداث، وأن أفكارهم تشكل سياسات الدول، وأن زعماء العالم لا يخطون خطوة قبل معرفة آرائهم.

وتغذي الخوارزميات هذا الوهم من خلال مكافأة التفاعل المستمر، حتى أن بعض الناس يعتقدون أن تغريدة عابرة أو مشاركة سريعة يمكن أن تغير مجرى التاريخ.

ولعل المفارقة الطريفة أن بعض هؤلاء الأشخاص، إذا قابلته في الواقع ولا يبدو أنك تعرفه، سيتفاجأ بالأمر، وقد يسألك مستنكراً: “هل من الممكن أنك لا تعرفني؟”، وكأن شهرته في العالم الافتراضي أصبحت حقيقة مقبولة في العالم الحقيقي.

ولا يتوقف تأثير هذا الوهم عند حدود تعظيم الذات، بل يمتد ليعطي بعض الأفراد إحساسًا زائفًا بامتلاك المعرفة في مختلف المجالات.

ومن أخطر مظاهر هذه الثقافة أيضًا اختفاء حدود التخصص. إن امتلاك منصة رقمية أعطى البعض إحساسا وهميا بأحقية التحدث عن الطب والاقتصاد والقانون والسياسة، بثقة قد تتجاوز أحيانا ثقة المتخصصين أنفسهم.

وقد أدى ذلك إلى انتشار المعلومات والآراء المضللة التي تفتقر إلى الأسس العلمية، وهو أمر لا يقتصر تأثيره على وعي الأفراد، بل يمتد إلى تهديد قدرة المجتمعات على اتخاذ القرارات السليمة، وتقويض الثقة في المصادر العلمية والخبرات المتخصصة.

وتتجلى خطورة ذلك بشكل واضح في المجال الصحي، حيث تحولت بعض المنصات إلى منصات للترويج للعلاجات والنصائح المقدمة من غير المتخصصين، رغم أن الخطأ في هذا المجال قد تكون له عواقب وخيمة.

وفي كثير من الحالات، تحولت المنصات الرقمية إلى ساحات لتصفية الحسابات، ومحاكم افتراضية تصدر أحكاما، وتوزع اتهامات، وتغتال السمعة دون أدلة أو محاكمة عادلة، حتى أصبحت الكلمة أداة هدم بدلا من وسيلة لبناء الوعي.

إلا أن المسؤولية لا تقع على عاتق المنصات وصناع المحتوى وحدهم. كما يتحمل المستخدمون نصيبا كبيرا منه، لأن المتلقي هو أيضا شريك في تشكيل البيئة الرقمية التي يعيش فيها.

الأزمة ليست في التكنولوجيا نفسها، إذ تبقى الأدوات محايدة، بل في غياب الثقافة التي تنظم استخدامها، وفي ضعف الوعي الذي يفرق بين حرية التعبير وفوضى التعبير.

تظل حرية التعبير من أعظم حقوق الإنسان، لكنها لا تنفصل عن المسؤولية.

من حق الإنسان أن ينتقد ويختلف ويعبر عن رأيه، لكنه ليس حراً في تشويه الحقيقة أو اغتيال الشخصية أو التحريض على الكراهية أو الاعتداء على كرامة الآخرين.

الفرق بين الحرية والفوضى هو المسؤولية، كما أن الفرق بين الرأي والمعلومة هو الدليل.

لقد منحت التكنولوجيا الإنسان منصة غير مسبوقة، لكنها لم تمنحه تلقائيًا الحكمة لاستخدامها.

وفي النهاية يبقى السؤال: متى يستيقظ البعض من سكرة اللايكات المزيفة؟

وما لم ندرك أن العالم الافتراضي ليس مرآة حقيقية لحجم الإنسان أو تأثيره، وأن القيمة الحقيقية تقاس بعلمه وأخلاقه وتأثيره، وليس بعدد أتباعه، فإننا للأسف سنستمر في العيش في عالم يصنع أبطالاً من ورق ويعطي الضجيج مكانة لا يستحقها.

ديفيد عيسى

#منصات #التواصل #الاجتماعي #وصناعة #الأبطال #الورقيين

منصات التواصل الاجتماعي وصناعة الأبطال الورقيين

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – منصات التواصل الاجتماعي وصناعة الأبطال الورقيين

المصدر : www.elsharkonline.com

.