.

اراء و اقلام الدستور – من سقوط الروايات إلى امتحان الدولة – صوت لبنان – صوت لبنان

سامر الشخشيرمنذ ساعتين
اراء و اقلام الدستور – من سقوط الروايات إلى امتحان الدولة – صوت لبنان – صوت لبنان


دستور نيوز

انطوان العويط

الأربعاء 1 يوليو 2026 – 09:46

المصدر: صوت لبنان

القضية اليوم ليست اختفاء شعار أو انقراض رواية، بل انهيار مرحلة كاملة قامت على معادلات قدمت للبنانيين كحقائق نهائية لا تقبل الشك. لكن الميدان كالعادة كان هو الحكم النهائي. إن الحقائق لا تعترف بالحماس الذي أشعلته المنابر، بل بما يبقى عندما ينقشع دخان الحروب. وعندما تناقض النتائج الوعود، تنهار الروايات مهما كانت قدرتها على التعبئة، ويتحول الخطاب الذي ادعى صناعة التاريخ إلى شاهد على زمن مضى.
لقد انهار نظام تحيط به هالة القداسة السياسية والعسكرية، وتبددت الأسس التي قيل إنها الضمانة الوحيدة لأمن لبنان وسيادته. كما تلاشت فرضية الردع بعد أن خرجت أدواتها الاستراتيجية عن الاعتبار، وانكشف وهم حماية الأرض مع اجتياح القوات الإسرائيلية للقرى الجنوبية، وتجدد الاحتلال واتساعه، مخلفا أنهارا من الدماء، ودمارا واسعا، وجروحا غائرة في الناس والحجر يصعب محوها على مر السنين. في حين كشفت الحرب عن حدود القوة العسكرية عندما تنفصل عن الدولة، وعدم قدرتها على التحول إلى شرعية وطنية أو نفوذ سياسي مستدام.
وسط هذا المشهد، وُصف اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل بأنه اتفاق الذل والاستسلام، لكن المفارقة هي أن الأصوات التي رفضته عندما انهارت بدائلها وفشلت، لم تنجح في طرح مسار آخر، مقنع وقابل للتحقيق.
وفي الوقت نفسه، يتجاهل هذا الحكم حقيقة أساسية. فهو لم يولد في ظروف سيادية طبيعية لكي يُقاس بمعايير الكمال. بل خرج من رحم أزمة خلقتها سنوات من التمرد المسلح على الدولة، واعتماد الإرادة الوطنية على محاور مناطقية أوقفت الدستور، وصادرت القرار الوطني، وأفرغت السيادة من مضمونها. وهكذا انتقل لبنان، تباعاً، من موقع الدولة إلى موقع الساحة، ودُفع إلى حروب لم يحسمها، وعبرت عن مصالح وحسابات تجاوزت حدوده وكيانه.
ولم يكن هذا المسار نتيجة استسلام اللبنانيين، إذ استنفدت كل محاولات المعالجة، من طاولات الحوار الوطني إلى إعلان بعبدا، ومن الحوار الرئاسي إلى القرارات الحكومية، من دون أن تستعيد الدولة حقها الحصري في تقرير الحرب والسلم أو احتكار السلاح.
وهكذا، ظل البلد يدفع ثمن القرار المزدوج، سيادته واقتصاده واستقراره، حتى جاءت حرب الدعم ثم حرب الانتقام لتؤكد بما خلفته من تكاليف بشرية وعمرانية وسيادية ضخمة، أن استمرار هذا النهج لم يعد ممكناً، وأن استعادة الدولة لم تعد مطلباً سياسياً أو أولوية مؤجلة، بل أصبحت شرطاً لبقاء لبنان نفسه.
ومن ثم، ينبغي النظر إلى الاتفاق الإطاري باعتباره فرصة لإعادة بناء الدولة واستعادة الأرض وصنع القرار الوطني.
فهو يفتح الباب أمام تكريس سيادة الدولة على كامل أراضيها، خطوة بخطوة، وتعزيز احتكارها الشرعي للقرارات الأمنية، والسعي إلى تحييد لبنان عن صراعات المنطقة، بما يسمح بإعادة ربط الأمن بالاقتصاد والسياسة الخارجية ضمن رؤية وطنية متكاملة.
ولا يشكل هذا الاتجاه استثناءً في دراسة البلدان الخارجة من الصراعات، بل يكاد يكون هو القاعدة. وقد أثبتت تجربتا أيرلندا الشمالية عام 1998 وكولومبيا عام 2016 أن استعادة السيادة لا تتحقق بقفزة واحدة، بل بمراحل تدريجية تبنى فيها الثقة وتتقدم الدولة بوتيرة متزايدة، على ألا تتحول المرحلة الانتقالية إلى واقع دائم أو تسوية مفتوحة بلا نهاية.
النكتة المبكية هي أن ما هو مرفوض اليوم في مفاوضات لبنان مع إسرائيل، أي الانتقال التدريجي من دولة إلى أخرى، سيصبح القاعدة نفسها إذا نجح التفاوض بين واشنطن وطهران.
لكن النجاح في لبنان يبقى خاضعاً لثلاثة اختبارات مترابطة. الأول هو التزام إسرائيل بعدم تحويل الانتهاكات إلى وسيلة لإفشال المسار. والثاني، قدرة الدولة اللبنانية، بجيشها ومؤسساتها، على تحمل مسؤولياتها رغم أزماتها العميقة. والثالث، استعداد القوى اللبنانية، بقيادة حزب الله، لتغليب منطق الدولة على منطق المحاورين. أما الدعم الأميركي والدولي والعربي والخليجي، فرغم أهميته، فإنه لا يستطيع تعويض غياب الإرادة الوطنية، فالضمانات الخارجية قد تصاحب بناء الدولة، لكنها لا تستطيع أن تبنيها مكان شعبها.
وقد أثبتت التجربة أن الهويات العابرة للحدود، سواء كانت قومية أو طائفية، تتحول عندما تتنافس مع الدولة، إلى مصدر للانقسام والاستنزاف. وهذا أمر لا يقتصر على فئة أو دولة، كما أنه ليس جديدا علينا أو ولد بالأمس. أما الدولة، رغم كل ضعفها، فهي تبقى الإطار الوحيد القادر على الحفاظ على التعددية وتعزيز الوحدة وتجنيب لبنان المخاطر.
لكن المطلوب اليوم ليس الاحتفال بانهيار رواية أو إعلان انتصار وهمي لفريق على آخر، فالأمم لا تبنى على هزيمة مكوناتها. إن المطلوب هو مراجعة وطنية شجاعة تعترف بأن الحقائق تغيرت، وأن التشبث بالخطابات التي عفا عليها الزمن لا يحمي وطنا ولا يصنع مستقبلا. لذلك، ليس المطلوب من أصحابها التخلي عن جمهورهم، بل أن يجعلوا لبنان جمهورهم الأكبر، والدولة مرجعهم الأول، والمصلحة الوطنية السقف فوق كل محور أو ارتباط.
لبنان لا يحتاج إلى رواية جديدة تبرر الماضي، بل إلى مشروع وطني يبني المستقبل. ولا للرهان على موازين القوى الخارجية، بل على دولة تستعيد قرارها وسيادتها، وتصبح المرجعية الوحيدة التي يجتمع عندها كل اللبنانيين. وهي المعادلة الوحيدة القادرة على النهوض من بين أنقاض المرحلة الماضية، لتشكل البداية الفعلية لقيام الدولة التي طال انتظارها.

المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها

#من #سقوط #الروايات #إلى #امتحان #الدولة #صوت #لبنان #صوت #لبنان

من سقوط الروايات إلى امتحان الدولة – صوت لبنان – صوت لبنان

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – من سقوط الروايات إلى امتحان الدولة – صوت لبنان – صوت لبنان

المصدر : www.vdl.me

.