دستور نيوز
بقلم نزيه عبده حمد
رئيس مجموعة نزيه الخليجية اللبنانية
عندما يتصالح الإنسان مع ماضيه، وتتصالح الأمة مع تاريخها، يولد مستقبل أكثر سلاماً وعدالة.
في زمن أصبح فيه تغيير المدن أسهل من تغيير الأفكار، وتغيير العلاقات أسرع من إصلاحها، يعتقد البعض أن الطريق إلى السعادة يبدأ بقطع كل ما يربطهم بالماضي. يبتعدون عن عائلاتهم، ويهجرون أقاربهم، ويغلقون أبواب الذكريات، ويبحثون عن حياة جديدة يعتقدون أنها خالية من الألم.
لكن الحقيقة التي يكتشفها الكثير من الناس، حتى بعد سنوات، هي أن الإنسان يستطيع أن يغير عنوان منزله، وعمله، وبلده، وحتى دائرة معارفه، لكنه لا يستطيع الهروب من نفسه.
الماضي لا يعيش في البيوت، بل في الذاكرة، ولا يعيش في الأماكن، بل في أعماق الروح.
ولذلك فإن الهروب من الماضي لا يعني التخلص منه، بل تأجيل مواجهته، ليعود لاحقاً على شكل قلق مجهول السبب، أو شعور دائم بعدم الاستقرار، أو الفراغ الداخلي، أو فقدان الشعور بالانتماء، أو صعوبة بناء علاقات مستقرة مع الآخرين.
ومع ذلك، من المهم أن ندرك أن الابتعاد عن الماضي قد يكون في بعض الأحيان خيارًا ضروريًا لحماية النفس من الأذى المستمر أو العلاقة المسيئة. لكن عندما يتحول الهروب إلى أسلوب حياة، ويصبح قطع الجذور هو الحل الوحيد لكل أزمة، فقد يفقد الإنسان جزءاً من هويته وشعوره بالاستقرار مع مرور الوقت.
يولد الإنسان مرتين؛ مرة عندما يأتي إلى هذا العالم، ومرة عندما يتصالح مع تاريخه.
إن الماضي، بغض النظر عن نجاحاته أو إخفاقاته، ليس لعنة يجب التخلص منها، بل هو تجربة يجب فهمها. إن ما عشناه لم يكن عبثا، بل كان جزءا من رحلة شكلت شخصيتنا، وصقلت وعينا، وعلمتنا دروسا لا تقدر بثمن.
ومن أخطر الأوهام أن يظن الإنسان أنه يستطيع بناء مستقبل راسخ على أرض ينكر جذورها. فالشجرة التي تُقتلع لا تصبح أقوى، بل أكثر عرضة للذبول. وكذلك الإنسان؛ وكلما فقد ارتباطه بجذوره الإنسانية والعائلية والاجتماعية، كلما أصبح أكثر هشاشة مهما بدا ناجحا من الخارج.
العلاقات الحقيقية لا تقاس بعدد المتابعين، ولا بعدد الإعجابات، بل بالشخص الذي يبقى بجانبك عندما تنطفئ الأضواء، ويتوقف التصفيق، ويواجه الشخص نفسه.
ولذلك فإن العلاج لا يبدأ بتغيير المكان، بل بتغيير النظرة إلى النفس. يبدأ الأمر عندما يتوقف الشخص عن الحكم على ماضيه، ويبدأ في فهمه.
يبدأ الأمر عندما يدرك أن المغفرة ليست هدية يقدمها للآخرين، بل راحة يمنحها لنفسه.
يبدأ عندما يفرق بين التمسك بالجذور والبقاء أسير الأخطاء.
الشخص الناضج لا ينكر ماضيه، ولا يسمح له أن يحد منه. يحمل الحكمة، ويترك وراءه الألم، ويواصل المشي بثقة واطمئنان.
وكما ينطبق هذا على البشر، ينطبق أيضًا على الأمم.
يقف لبنان اليوم أمام فرصة تاريخية لتأسيس مرحلة جديدة، لكن المستقبل لا يُبنى بإنكار الماضي أو تجاهل حقائقه أو محاولة محو ذكريات الناس. هناك من يخشى مواجهة التاريخ، وهناك من يقرأه بشكل انتقائي، وهناك من يعتقد أن تغير الظروف أو تحول التوازنات أو حتى التغيرات الديمغرافية يمكن أن تعيد كتابة التاريخ أو تلغي هوية الأرض والإنسان.
لكن التاريخ لا تكتبه الأمنيات، ولا يمحوه تغير الأجيال، ولا يتغير مهما تغيرت الحقائق السياسية. فالدول التي تحترم تاريخها تتعلم منه، أما الدول التي تنكره تبقى أسيرة أزماته وتتكاثر بأخطائه جيلاً بعد جيل.
إن التغيير الديمغرافي، سواء جاء نتيجة الحروب أو الهجرة أو الظروف الاقتصادية أو أي سبب آخر، لا يستطيع أن يغير حقيقة التاريخ، أو يمحو جذور الشعوب، أو يمحو ذاكرة الأماكن. الأرض تحافظ على قصتها، وتبقى الهوية راسخة في وجدان شعبها، ويبقى التاريخ شاهدا مهما حاول البعض تجاهله أو إعادة تفسيره بما يخدم المصالح المباشرة.
ليس الهدف من استحضار الماضي البقاء أسيرا له، أو إحياء خلافاته، بل فهمه بصدق، والتعلم منه، وبناء مستقبل أكثر عدلا واستقرارا عليه. المصالحة الوطنية لا تقوم على النسيان، بل على الاعتراف، ولا على إلغاء الآخر، بل على احترام كافة مكونات الوطن، وحفظ حقوقهم، وحفظ ذاكرتهم، وترسيخ مبدأ المواطنة التي تجمع ولا تفرق.
لن ينهض لبنان إذا استمر شعبه في الجدال حول الماضي، لكنه لن ينهض أيضاً إذا حاول بعضهم دفن هذا الماضي أو إنكار حقائقه. الطريق الصحيح هو تحويل التاريخ إلى مدرسة نتعلم منها، وليس ساحة نتقاتل فيها، وجعل تنوع لبنان مصدر قوة، وليس سببا للانقسام.
ولعل أعظم ما يحتاجه لبنان اليوم هو المصالحة الصادقة مع الحقيقة. الحقيقة لا تضعف الأمم بل تحررها، والاعتراف بالتاريخ لا يزرع الكراهية، بل يمنع تكرار الأخطاء. لا يمكن بناء دولة عادلة على ذاكرة ناقصة، ولا يمكن تحقيق المصالحة الحقيقية إذا شعر أي مكون من مكونات الأمة أن تاريخه أو دوره أو تضحياته قد ألغيت أو أهملت. العدالة تبدأ بالاعتراف، والوحدة تبدأ بالاحترام، والمستقبل يبدأ عندما يشعر كل مواطن أن هذا الوطن يحفظ ذكراه وحقوقه.
عندما يتصالح اللبنانيون مع تاريخهم، ويتصالحون مع شريكهم في الوطن، يصبح المستقبل أكثر أماناً، وتقوى الدولة، ويصبح الانتماء إلى لبنان هوية تسمو فوق كل الانتماءات الأخرى. إن الأمم العظيمة لا تبنى على ذاكرة ممزقة، بل على ذاكرة مشتركة، على عدالة تحفظ الحقوق، وعلى مصالحة حقيقية تعيد الثقة بين الإنسان ووطنه.
التصالح مع الذات يعكس السلام في الأسرة، والتصالح مع الأسرة يعكس الاستقرار في المجتمع، والمصالحة مع التاريخ يعكس القوة في الوطن. المجتمعات القوية لا تبنى على يد أفراد فارين من ماضيهم، ولا على يد شعوب تنكر تاريخها، بل على يد أشخاص يفهمون تجاربهم ويتعلمون منها، ثم يحولونها إلى طاقة تدفعهم نحو مستقبل أفضل.
وفي النهاية، البطولة ليست الهروب من ماضينا، بل هي أن نواجهه بشجاعة، ونستخرج منه الحكمة، ثم نغلق صفحاته المؤلمة دون تمزيق كتاب حياتنا.
ومن يتصالح مع نفسه، لم يعد يبحث عن وطن جديد في كل مكان، لأنه وجد الوطن الحقيقي في قلبه، ووجد السلام الذي لا يمنحه مدناً ولا مالاً ولا شهرة… بل يمنحه راحة الضمير، وصدق الانتماء، وصفاء الروح.
لا يصبح الإنسان عظيماً عندما ينسى ماضيه، ولا تقوى الأمة عندما تنكر تاريخها. بل تتحقق العظمة عندما يتحول الماضي إلى حكمة، ويتحول التاريخ إلى قوة توحد أبناء الأمة وتدفعهم لبناء مستقبل أكثر عدلاً وازدهاراً وسلاماً. إن الأمم التي تحافظ على ذكرياتها وتقرأ تاريخها جيداً هي وحدها القادرة على صنع مستقبل يليق بأجيالها.
نزيه عبده حمد
#فلا #مستقبل #بلا #ذاكرة. #ولا #وطن #بلا #تاريخ
فلا مستقبل بلا ذاكرة.. ولا وطن بلا تاريخ
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – فلا مستقبل بلا ذاكرة.. ولا وطن بلا تاريخ
المصدر : www.elsharkonline.com
