دستور نيوز
بقلم نديم قطيش
“أساس ميديا”
هناك مشهدان متزامنان يكشفان معًا ما لا يكشفه كل منهما بمفرده.
المشهد الأول هو الرئيس السوري أحمد الشرع في مقابلة تلفزيونية قرر أن يخصصها للعلاقات اللبنانية السورية، قال فيها بلغة هادئة ومدروسة إن سوريا الجديدة لن تتدخل في لبنان، وإن دورها سيكون «من خلال المؤسسات اللبنانية والدولة اللبنانية»، وإن عهد الوصاية قد انتهى إلى غير رجعة.
المشهد الثاني هو وزير خارجيته أسعد الشيباني في بيروت، يجول على زعماء الأحزاب وزعماء الطوائف، ويزور مدناً محددة، مبحراً في خريطة لبنان الطائفية والسياسية بطلاقة من يحفظ مفردات القاموس القديم للعلاقات بين البلدين.
هناك مسافة بين المشهدين لا يمكن تجاهلها.
سوريا ولبنان بحاجة إلى بعضهما البعض
الجديد الأبرز في الخطاب الشرعي هو انفصاله الواضح عن منطق الولاية. عندما رفض التدخل العسكري في لبنان رغم وجود الغطاء الأميركي الصريح الذي قدمه تصريح الرئيس دونالد ترامب. وقال الشرع إن سوريا الجديدة لا تسعى إلى استعادة أدوار الماضي بملابس جديدة. ولهذا الموقف ثقل سياسي استثنائي، بغض النظر عن الظروف الموضوعية لقدرات سوريا الحالية، التي لا تسمح موضوعياً بمثل هذا التدخل.
والأمر الجديد الثاني هو رؤيته الاقتصادية للعلاقة بين البلدين. وحين قال إن بيروت الواجهة البحرية لدمشق وطرابلس الواجهة البحرية لحمص، كان الشرع يعيد صياغة العلاقة مع لبنان من زاوية الشراكة والتكامل الاقتصادي، وليس من زاوية النفوذ السياسي والهيمنة الأمنية والعسكرية. فسورية التي تتموضع اليوم كحلقة وصل استراتيجية بين الشرق والغرب تحتاج إلى موانئ لبنان البحرية، ولبنان الذي يتطلع إلى إعادة إنتاج دور اقتصادي يحتاج إلى العمق السوري.
أما الجديد الثالث فهو براغماتيته في ملف «الحزب» والعلاقة مع الطائفة الشيعية. إن إعلانه الاستعداد للجلوس مع الحزب إذا كان ذلك يخدم لبنان، إلى جانب إدانته الواضحة لتدخل الحزب في سوريا، يعكس تفكيراً سياسياً ناضجاً ومسؤولاً يفصل بين المساءلة والتاريخ وإدارة الحاضر.
اللبنانيون القدامى نحو سوريا الجديدة
في المقابل، فإن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، بصورتها المبالغ فيها، تحمل ملامح السلوك السوري القديم تجاه لبنان، وتكشف عن فجوة يصعب تجاوزها.
وقال الشرع في حديثه إن الدور السوري في لبنان يجب أن يكون “من خلال المؤسسات اللبنانية والدولة اللبنانية”، لكن الشيباني جال في يوم واحد على رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب والمفتي والبطريرك الماروني وقيادات الأحزاب، قبل أن يختتم لقاءاته بزيارة شعبية واسعة إلى طرابلس. خريطة الزيارة تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي وترسم شبكة نفوذ كاملة مع القائد والشيخ والمدينة والطائفة.
وهنا يقتضي الصدق أن نقول إن الشيباني لم يأت من العدم، بل جاء بدعوة من لبنان الذي يطالب بمعاملته كدولة سيادية، ومن ثم بادر بنفسه إلى فتح أبوابه الطائفية والحزبية أمام الضيف الدمشقي. الزيارة بهذا المعنى ليست تناقضاً سورياً فحسب، بل الحقيقة الأعمق والأكثر إزعاجاً، وهي أن لبنان كان طرفاً فاعلاً في إنتاج تفاصيله، مكرراً عادة قديمة متجذرة: استقدام الخارج لحل التناقضات الداخلية.
الشيباني لم يأت إلى بيروت لأن دمشق قررت التوسع. لقد جاء لأن الأبواب اللبنانية فتحت له، ولأن الأصوات اللبنانية رحبت بتوسيع زيارته، ولأن مدناً معينة أرادت أن تقول لدمشق: «نحن هنا، ونحن معكم». لكن هناك من رأى فيه تخويفاً ضرورياً وحتمياً لـ«الحزب» ولا حرج يترتب عليه.
يتمتع لبنان بقوى ومناطق نفوذ عديدة
لو كانت المؤسسات اللبنانية تعمل بكامل طاقتها، ولو كانت للدولة اللبنانية سلطة مركزية فعلية، لكانت الزيارة عبر البروتوكول مختلفة تماما: وزير خارجية يلتقي بوزير خارجية، ورئيس حكومة يلتقي برئيس حكومة، ومؤسسة تتحدث إلى مؤسسة.
لكن لبنان ليس كذلك. لبنان دولة تتوزع سلطتها الفعلية على زعماء الطوائف وأمراء الأحزاب ومناطق النفوذ. ومن يريد بناء علاقة مع لبنان الحقيقي، وليس لبنان الرسمي الهش، سيجد نفسه مجبراً على التصرف مثل الشيباني، وليس بروتوكول الشريعة.
والسؤال الكامل هو: هل قرر اللبنانيون التوقف عن تمهيد الطريق أمام رغبات الوصاية الكامنة في كل علاقة سورية مع لبنان؟
هذا السؤال لا يجيب عليه الشرع ولا الشيباني. اللبنانيون وحدهم يجيبون على هذا السؤال، في لحظة يقررون فيها بناء دولة لا تحتاج لملء فراغها من الخارج. ويبدو أن تلك اللحظة لم تأت بعد. وإلى أن يأتي ذلك، سيستمر استدعاء الوصاية وستجد الباب مفتوحاً، بغض النظر عمن يجلس في قصر المهاجرين ومن يحمل حقيبة الخارجية السورية.
نديم قطيش
#بين #لقاء #الشرع #وزيارة #الشيباني
بين لقاء الشرع وزيارة الشيباني
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – بين لقاء الشرع وزيارة الشيباني
المصدر : www.elsharkonline.com
