.

اراء و اقلام الدستور – لبنان وسوريا: من الوصاية إلى «الشراكة» السياسية.

سامر الشخشيرمنذ دقيقتان
اراء و اقلام الدستور – لبنان وسوريا: من الوصاية إلى «الشراكة» السياسية.


دستور نيوز

بقلم جوزفين ديب

“أساس ميديا”

لقد كانت العلاقات اللبنانية السورية دائما مرآة للتحولات الكبرى التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. لم تكن هناك نقطة تحول شهدها لبنان منذ الاستقلال دون أن تكون دمشق أحد أبرز اللاعبين فيها، سواء من خلال الوجود العسكري المباشر، أو النفوذ السياسي، أو الدور الأمني.

لكن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت لا يمكن أن تقرأ على أنها زيارة بروتوكولية أو محاولة لإعادة تطبيع العلاقات بين البلدين فقط، إذ تأتي في لحظة إقليمية تُعاد فيها كتابة خرائط النفوذ، وفي وقت يتقاطع فيه مستقبل لبنان مع ملفات تتجاوز حدوده، من الاتفاق اللبناني ــ الإسرائيلي إلى مستقبل سلاح «حزب الله»، وصولاً إلى إعادة تموضع سوريا نفسها في المنطقة.

لذلك لا بد من إعادة طرح السؤال الكبير اليوم: هل يمكن أن يتكرر سيناريو الثمانينات والتسعينات في لبنان، ولكن في ظل حقبة سورية مختلفة وبأدوات نفوذ مختلفة؟

السؤال ليس نظريا. منذ أسابيع، يطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومسؤولون مقربون من إدارته تصريحات متكررة تتحدث عن دور سوري محتمل في التعامل مع ملف «الحزب»، أو على الأقل عن أهمية مشاركة دمشق الجديدة في ترتيبات ما بعد الحرب. ورغم نفي سوريا أي دور عسكري لها داخل لبنان، إلا أن الفكرة نفسها أعادت إلى الذاكرة اللبنانية واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ البلاد.

بين الأمس واليوم: أحداث متشابهة

وقد رافق صدور قرار القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت عام 1982، الغزو الإسرائيلي للبنان تحت هذا العنوان. وبعد خروج الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من بيروت، لم تنته الأزمة. بل دخل لبنان في سنوات من الحروب الداخلية والصراعات بين الميليشيات، قبل أن يصبح الوجود العسكري السوري، الذي بدأ عام 1976، الركيزة الأساسية للنظام اللبناني الجديد الذي كرّسه اتفاق الطائف لاحقاً.

كان المشهد حينها يقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: اجتياح إسرائيلي، وانهيار داخلي، ثم دور سوري في إدارة مرحلة ما بعد الحرب.

ويبدو أن نفس العناصر موجودة اليوم. تشن إسرائيل حرباً بهدف معلن هو إنهاء البنية العسكرية لحزب الله. ويشهد لبنان انقساماً داخلياً غير مسبوق حول مستقبل السلاح. أما سورية فتعود تدريجياً إلى الساحة اللبنانية بعد سقوط نظام الأسد وصعود قيادة جديدة برئاسة أحمد الشرع.

وتقول بعض القراءات إن عودة نفس عناصر المشهد توحي بأن كلام ترامب لم يأت من العدم. بل المقصود منه تمهيد الطريق لمرحلة جديدة من النفوذ السوري في لبنان. وتقول بعض القراءات الأخرى إن عودة عناصر المشهد غير كافية لأن توازن القوى الداخلي لا يسمح بذلك، لأن المرحلة مختلفة، ولأن ما كان يحسبه العسكري حينذاك يحسبه النفوذ السياسي اليوم.

من الوصاية إلى الدولة.. دمشق اليوم ليست دمشق الأمس؟

ويقول مصدر متابع لزيارة الشيباني إلى بيروت، إن العنصر الأساسي في المشهد هو أن سوريا اليوم ليست سوريا حافظ الأسد، ولا سوريا بشار الأسد. وهي الدولة التي خرجت من حرب مدمرة، تتطلع إلى إعادة بناء اقتصادها واستعادة شرعيتها العربية والدولية، أكثر مما تتطلع إلى إعادة إنتاج نفوذها العسكري في لبنان. ولذلك جاءت كل محطات زيارة الشيباني لتقول شيئاً واحداً: دمشق تريد العودة إلى لبنان، لكن ليس عبر الجيش، بل عبر الدولة.

لذلك، لم يكن صدفة أن يبدأ الشيباني لقاءاته مع رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ثم رئيس مجلس الوزراء، ثم ينتقل إلى دار الفتوى، وكليمنصو، والصيفي، ومعراب، في مشهد يعكس رغبة سورية في مخاطبة مختلف المكونات اللبنانية.

وتقول مصادر دبلوماسية تتابع زيارة الشيباني ان التوقيع على اتفاق تشكيل اللجنة العليا اللبنانية السورية المشتركة لم يكن من باب البروتوكول. ولا تعني هذه اللجنة تنظيم قضايا الاقتصاد والطاقة والحدود فحسب، بل تمثل انتقال العلاقة من مرحلة الأفراد والأجهزة الأمنية إلى مرحلة المؤسسات. وهذا بحد ذاته يمثل ثورة في النموذج الذي حكم العلاقة بين البلدين لعقود من الزمن. وبحسب مقربين منه، وصف الشيباني هذه الزيارة بأنها من أفضل الزيارات الخارجية التي قام بها، خاصة أنها كانت إلى لبنان الذي طالما حكمته الجغرافيا والتاريخ والحدود والملفات المشتركة.

طرابلس… الرسالة المجهولة

وإذا كان التوقيع على تشكيل اللجنة العليا اللبنانية – السورية هو الرسالة الرسمية للزيارة، فإن زيارة مدينة طرابلس كانت الرسالة السياسية الأعمق. المدينة التي ارتبط اسمها على مدى عقود بالمواجهة مع النظام السوري السابق، والتي دفعت أثماناً باهظة خلال سنوات الوصاية، استقبلت وزير خارجية سوريا الجديد بمشهد مختلف تماماً.

وبدت وكأنها محاولة للقول إن دمشق الجديدة تعترف بالجرائم المرتكبة بحق المدينة التي ظلت منذ فترة طويلة الفناء الخلفي لسوريا.

أما الرسالة الأعمق فهي تلك التي قالتها طرابلس من خلال استقبالها الشعبي لوزير الخارجية السوري، وكانت ذات دلالة كبيرة. وأعلنت الرسالة بوضوح أن النفوذ السوري لم يعد يحتاج إلى دبابة تعبر الحدود، أو انتشار عسكري داخل لبنان، أو مراكز استخبارات منفصلة.

أنتجت الثورة السورية، والتحولات الاجتماعية والسياسية التي رافقتها، شبكات اتصال جديدة، خاصة مع شمال لبنان. وأصبحت دمشق قادرة على استعادة حضورها في لبنان من خلال السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، وليس من خلال القوة العسكرية. وهذا على وجه التحديد أحد الاختلافات الأساسية عن التسعينيات، عندما كان الوجود السوري في لبنان أمنياً وعسكرياً ووصاية. ومن هنا يمكن فهم حرص الشيباني على نفي أي نية للتدخل العسكري، وإصراره على أن تكون العلاقة مع لبنان بين دولتين مستقلتين.

ويقول المطلعون على تفاصيل الزيارة إن سورية تكتسب مع الوقت حاجة المجتمع الدولي إليها في لبنان، باعتبارها أحد اللاعبين القادرين على تسهيل أي تسوية مستقبلية. لكن الدور المطلوب منها، إن وجد لاحقاً، سيكون دور الوسيط أو الضامن السياسي، وليس دور القوة العسكرية.

هل التغيير في سوريا يكفي لتغيير العلاقة اللبنانية السورية؟

الجواب هنا يتعلق بلبنان أكثر منه بدمشق. لبنان الذي شهد الحرب الأهلية والوصاية السورية، لم يعد كما كان: لقد تغير المجتمع، وتغيرت البيئة الإقليمية، وتغيرت التوازنات الدولية أيضاً. كما أن أي عودة إلى نموذج النفوذ الأحادي الذي مثلته سوريا إبان حكم حافظ الأسد وابنه بشار، لم تعد ممكنة في ظل تعدد اللاعبين الدوليين والإقليميين، من الولايات المتحدة إلى المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر وفرنسا. وفي هذا السياق، قالت مصادر سورية إن دمشق أعلنت من خلال زيارة الشيباني نهاية مرحلة تاريخية في العلاقات اللبنانية السورية، وليس بداية استعادتها، وأن عودة سوريا إلى لبنان لن تكون كما تركته عام 2005.

هذه العودة ستكون حتماً بمباركة سعودية أولاً، على أن تكون بالشراكة مع لبنان في معالجة القضايا الكبرى، بما فيها مستقبل الحدود والسلاح، وضمن معادلة إقليمية جديدة عنوانها المؤسسات والسيادة، وليس الوصاية، لأن أي حديث آخر لن يعني إلا عودة الشمال عسكرياً وسياسياً وجغرافياً وتاريخياً إلى بلاد الشام.

جوزفين ديب

#لبنان #وسوريا #من #الوصاية #إلى #الشراكة #السياسية

لبنان وسوريا: من الوصاية إلى «الشراكة» السياسية.

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – لبنان وسوريا: من الوصاية إلى «الشراكة» السياسية.

المصدر : www.elsharkonline.com

.