دستور نيوز
بقلم الدكتور ابراهيم العرب
وفي خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، برزت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إمكانية تولي سوريا مهمة «التعامل مع حزب الله» في لبنان، مما فتح نقاشاً واسعاً حول حدود الأدوار الإقليمية ومستقبل السيادة اللبنانية. إن فكرة نقل ملف لبناني داخلي إلى طرف خارجي، مهما كانت المبررات السياسية أو الأمنية، تثير إشكاليات عميقة تتجاوز اللحظة الراهنة إلى حسابات التاريخ والجغرافيا والمصالح الاستراتيجية.
وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال تصريحاته على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا، تعامل إسرائيل مع لبنان، معتبرا أنه كان من الممكن تنفيذ العمليات العسكرية بطريقة مختلفة، وأشار إلى أنه اقترح أن تتعامل سوريا مع قضية مواجهة حزب الله بدلا من مواصلة العمليات الإسرائيلية. وبرر ذلك بالقول إن القيادة السورية الحالية قادرة على القيام بهذه المهمة، وأنها قد تكون أكثر فعالية في هذا السياق. لكن هذا الطرح، بعيداً عن الحسابات العسكرية المباشرة، يصطدم بحقيقة أساسية: لبنان دولة ذات سيادة، وأي معالجة لملف الأمن الداخلي يجب أن تمر عبر مؤسسات الدولة اللبنانية وعلى رأسها الجيش اللبناني، وليس من خلال إدخال قوى خارجية في المعادلة.
إن عودة أي شكل من أشكال التدخل السوري داخل لبنان، خاصة في منطقة حساسة مثل البقاع، كما تطالب الإدارة الأميركية، لا يمكن النظر إليها كخطوة فنية أو أمنية عابرة، بل كقرار يحمل أعباء سياسية وتاريخية كبيرة. ومرت العلاقة بين سوريا ولبنان بمراحل معقدة، وكان الوجود العسكري السوري في لبنان منذ عقود من أكثر القضايا إثارة للجدل، قبل أن ينتهي بانسحاب القوات السورية عام 2005 تحت ضغوط داخلية ودولية.
ومن هذا المنطلق فإن عودة سوريا إلى لبنان، حتى لو جاءت تحت عنوان مكافحة النفوذ أو ضبط الأمن، لا تخدم بالتأكيد مصالح لبنان، ولا بالضرورة مصالح دمشق نفسها. وسوريا التي تطالب اليوم باحترام سيادتها وانسحاب القوات الأجنبية من أراضيها، لا يمكنها أن تتجاهل أن أي اشتباك عسكري خارج حدودها قد يعيد إنتاج صورة التدخل الأجنبي التي عانت منها المنطقة منذ عقود.
وتشير الحسابات الاستراتيجية أيضاً إلى أن تكلفة أي تدخل سوري في لبنان قد تكون أكبر من أي مكاسب محتملة لدمشق. وتواجه دمشق تحديات داخلية وإقليمية كبيرة، وهي بحاجة إلى الاستقرار وإعادة بناء مؤسساتها وتعزيز علاقاتها الإقليمية والدولية، وعدم الدخول في مواجهة جديدة داخل الساحة اللبنانية، قد تفتح الأبواب أمام صراعات لا تخدم الأمن السوري أو اللبناني.
ولهذا السبب، برز موقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث رفض ممارسة أي ضغوط من شأنها أن تدفع دمشق إلى الانخراط في عمل عسكري داخل لبنان أو الدخول في مواجهة مع أي طرف لبناني، انطلاقاً من رؤية ترى أن استقرار سوريا ولبنان مرتبط بتحييد البلدين عن صراعات المحاور.
وفي السياق نفسه، أعربت السلطات اللبنانية عن رفضها لهذا النموذج في التعامل مع الملف اللبناني. أكد وزير العدل اللبناني عادل نصار، أن موضوع نزع السلاح هو مسؤولية الدولة اللبنانية، وليس مهمة القوى الأجنبية، مؤكدا أن لبنان عانى طويلا من التدخلات الخارجية، وأن الحل يجب أن يكون من خلال مؤسسات الدولة. الموقف اللبناني الرسمي ينطلق من مبدأ واضح: حماية السيادة الوطنية لا تعني استبدال تدخل أجنبي بآخر، بل بتعزيز دور الدولة والجيش اللبناني في تطبيق القانون على كافة الأراضي اللبنانية.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه سوريا نفسها هجمات إسرائيلية مستمرة في جنوب سوريا، مع استمرار التوغلات والعمليات العسكرية التي تعتبرها دمشق انتهاكاً لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 والقانون الدولي. وفي ظل مطالبة سوريا للمجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي السورية المحتلة، يبدو من غير المنطقي سياسياً دفع دمشق لفتح جبهة جديدة داخل لبنان أو القيام بدور أمني خارج حدوده. فكيف يمكن لدولة تطالب باحترام سيادتها وإنهاء الاحتلال على أراضيها أن يُطلب منها في الوقت نفسه أن تمارس دوراً عسكرياً داخل دولة أخرى؟ وكيف يمكن أن يخدم ذلك الاستقرار الإقليمي، في حين تثبت التجربة التاريخية أن نقل الأزمات من دولة إلى أخرى لا يؤدي إلى حلول دائمة، بل إلى تعقيد الصراعات؟
جدير بالذكر أن الرئيس السوري أحمد الشرع نفى صراحة خلال لقائه وفدا من ريف دمشق وجود أي نية سورية للتدخل عسكريا في لبنان، واعتبر الحديث عن ذلك مجرد شائعات، رغم أن الرئيس ترامب كرر اقتراحه بعد أيام من هذا النفي، معلناً أنه اقترح على إسرائيل أن تتولى دمشق حزب الله.
في المقابل، وبينما يدعو الرئيس ترامب إلى تسليم هذا الملف إلى سوريا، يؤكد نتنياهو أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في غزة ولبنان وسوريا “طالما كان ذلك ضروريا”. هذا التناقض في المواقف الأميركية ـ الإسرائيلية يثبت أن طرح الرئيس ترامب أقرب إلى رسالة ضغط سياسي موجهة إلى إيران وحزب الله، منه إلى خطة عملية متماسكة. وتبقى سوريا «فزاعة» في الوعي اللبناني، والهدف الأميركي من التلويح بورقتها هو الضغط على إيران وحزب الله أكثر من كونها خطة جدية، خاصة وأن مبعوثين أميركيين مثل توم باراك سبق أن طرحوا أفكاراً مثيرة للجدل حول ضم طرابلس اللبنانية إلى سوريا ومستقبل الحدود اللبنانية السورية. وهذا يضيف بعداً تحليلياً إلى موقف البقاع في الحسابات الإقليمية الأوسع، وليس فقط فيما يتعلق بالاحتياجات الأمنية.
إضافة إلى ذلك، يعود جزء من المخاوف السورية من انجراف البقاع إلى قرب هذه المنطقة من العاصمة دمشق. وتشير بعض التحليلات إلى أن إسرائيل قد تستغل أي توتر في سهل البقاع للوصول إلى نقاط مرتفعة تطل على دمشق نفسها، مما يحول «المساعدة» المفترضة إلى تهديد استراتيجي مباشر لسوريا. كما أن حكومة الشرع لا تزال في طور بناء شرعيتها الداخلية وسط حساسيات طائفية وأمنية بعد سقوط نظام الأسد، كما أن انخراطها في مواجهة خارجية قد يستنزف موارد عسكرية محدودة ويفتح الباب لانتقادات داخلية، في وقت تحتاج دمشق إلى إرساء الاستقرار الداخلي أولاً، وليس فتح جبهات جديدة.
في النهاية، لا بد من التأكيد على أن الرئيس ترامب ليس لديه أي عداء تجاه حزب الله، حيث ذكر أنه يتشرف باستقبالهم في البيت الأبيض، وبالنظر إلى مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية الأخيرة، والتي تتضمن إنهاء العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما في ذلك لبنان، نرى أن الحل السياسي الإقليمي التفاوضي بدأ يحل تدريجياً محل منطق «الحل العسكري بالوكالة»، وهذا يلغي بشكل أساسي المبرر الذي استند إليه اقتراح الرئيس ترامب بشأن التدخل السوري في جذوره. وفي الختام، فإن معالجة القضية اللبنانية لا تتم عبر تدويل الأدوار بين القوى الخارجية، بل عبر إعادة الاحترام للدولة اللبنانية ومؤسساتها، وإيجاد تسوية تحفظ سيادة لبنان وتأخذ في الاعتبار أمن جميع الأطراف. أما تحويل البقاع أو أي منطقة لبنانية أخرى إلى ساحة مواجهة إقليمية جديدة، فلن يكون في مصلحة سوريا أو لبنان أو السلام الإقليمي في المنطقة. إن الاستقرار الحقيقي لا يبنى بتدخلات عسكرية جديدة، بل بتعزيز الدول واحترام سيادتها، وتمكين شعوب المنطقة من استعادة حقها في إدارة شؤونها بعيداً عن منطق الوصاية والصراعات بالوكالة.
د. ابراهيم العرب
#لماذا #لا #يخدم #التدخل #السوري #في #لبنان #مصالح #دمشق #وبيروت
لماذا لا يخدم التدخل السوري في لبنان مصالح دمشق وبيروت؟
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – لماذا لا يخدم التدخل السوري في لبنان مصالح دمشق وبيروت؟
المصدر : www.elsharkonline.com
