دستور نيوز
بقلم الدكتور ابراهيم العرب
لا شك أن الإعلان عن التوصل إلى مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية شكل علامة فارقة في مسار العلاقات المتوترة بين الطرفين، خاصة بعد سنوات طويلة من التصعيد السياسي والعقوبات الاقتصادية والمواجهة غير المباشرة التي أعقبت انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية نظرا لطبيعة الوسطاء الذين دخلوا في المفاوضات، خاصة باكستان وقطر، وهو ما يعكس مدى التعقيد الذي يحيط بالقضايا العالقة بين واشنطن وطهران، والتي لم تعد مقتصرة على البرنامج النووي فقط، بل أصبحت مرتبطة بمنظومة واسعة من القضايا الأمنية والإقليمية والاقتصادية.
لكن القراءة السياسية والقانونية المتأنية لهذه الخطوة تتطلب التركيز على طبيعة الوثيقة التي اختار الطرفان الإعلان عنها، وهي «مذكرة تفاهم» وليست «اتفاقاً نهائياً» أو «معاهدة دولية». ولا يمثل هذا الاختيار مجرد تفصيل لغوي أو شكلي، بل يحمل دلالات سياسية عميقة، كما يعكس رغبة متبادلة في الحفاظ على مجال واسع للمناورة، وتجنب الدخول المبكر في التزامات قانونية وسياسية يصعب التراجع عنها.
وكثيراً ما تستخدم مذكرة التفاهم، في الأعراف الدولية، كإطار أولي لتقريب وجهات النظر وتحديد المبادئ العامة والخطوط العريضة للتفاوض، دون أن تصل بالضرورة إلى مستوى الاتفاقيات الدولية الملزمة. وهي تختلف عن المعاهدات والاتفاقات التي تنشئ التزامات قانونية واضحة وتخضع لقواعد قانون المعاهدات الدولي.
ومن هنا فإن أهمية المذكرة الأميركية الإيرانية لا تكمن في مضمونها فحسب، بل في طبيعتها كأداة سياسية لإدارة الخلاف، وليس كحل نهائي لهذا النزاع. إنها تمثل مرحلة انتقالية تهدف إلى بناء الثقة بين طرفين راكمتهما عقود من عدم الثقة والصراع السياسي.
وبحسب ما أُعلن، فإن المذكرة تتضمن مجموعة من الملفات الحساسة، من بينها العقوبات والأصول الإيرانية المجمدة والبرنامج النووي وحرية الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى الترتيبات المتعلقة بوقف العمليات العسكرية في المنطقة. هذه القضايا في مجملها ليست ملفات فنية يمكن تسويتها بسهولة، بل هي مرتبطة بشكل مباشر بتوازن القوى الإقليمي والدولي.
وتنظر الولايات المتحدة إلى الملف الإيراني من منظور الأمن الإقليمي ومنع طهران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، بالإضافة إلى ضمان أمن حلفائها في المنطقة. ومن ناحية أخرى، ترى إيران أن أي تسوية يجب أن تحافظ على حقها في الاحتفاظ بالتداعيات النووية ضمن إطار سلمي، وأن تؤدي إلى رفع فعال للعقوبات التي أثرت على اقتصادها لعقود من الزمن.
وهنا تظهر الفجوة الأساسية بين الطرفين. وبينما تسعى واشنطن إلى اتفاق يضمن قيوداً طويلة الأمد وآليات مراقبة صارمة، تريد طهران اتفاقاً يعترف بمصالحها الاستراتيجية ويوفّر لها مكاسب اقتصادية وسياسية واضحة. وهذا التناقض يجعل الانتقال من مذكرة التفاهم إلى الاتفاق النهائي مهمة معقدة للغاية.
كما تظهر التجارب الدولية السابقة أن التوقيع على مذكرة تفاهم لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق شامل. توقفت العديد من المسارات التفاوضية عند مرحلة التفاهمات الأولية بسبب الخلاف على التفاصيل التنفيذية، أو بسبب تغير الظروف السياسية الداخلية والإقليمية.
وفي الحالة الأميركية ـ الإيرانية تحديداً، لا تتعلق العوائق بمضمون البنود فحسب، بل أيضاً بغياب الثقة السياسية المتراكمة. وينظر كل طرف إلى الآخر على أنه يسعى إلى تحسين موقفه التفاوضي قبل تقديم تنازلات حقيقية. ولذلك، فإن أي اتفاق نهائي يحتاج إلى أكثر من صياغة قانونية؛ وهو يتطلب قراراً سياسياً استراتيجياً من الطرفين للانتقال من إدارة الصراع إلى تسويته.
إن وجود أطراف إقليمية مؤثرة، وعلى رأسها إسرائيل ودول الخليج، يجعل أي اتفاق نهائي أكثر تعقيدا، لأن التسوية الأميركية الإيرانية لن تُقرأ ضمن العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران فحسب، بل ضمن التوازنات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط برمته.
ومن الناحية القانونية، فإن الفرق بين مذكرة التفاهم والاتفاق النهائي أمر أساسي. وتتيح المذكرة مرونة أكبر في التفسير والتعديل، في حين تفترض الاتفاقية النهائية وجود التزامات محددة وآليات تنفيذ ورقابة واضحة. وهذا يعني أن المرحلة الانتقالية بين الوثيقتين ستكون الأصعب، لأنها ستتطلب الاتفاق على تفاصيل غالبا ما تكون أكثر حساسية من المبادئ العامة.
ولذلك فإن تحديد سقف زمني للمفاوضات النهائية لا يعني بالضرورة ضمان نجاحها، بل قد يكون محاولة سياسية لدفع المفاوضات إلى الأمام ومنع انهيارها. فالملفات المطروحة، وخاصة الملف النووي والعقوبات والضمانات الأمنية، تتطلب مفاوضات متأنية قد تتجاوز الحسابات الزمنية المعلنة.
ولذلك يمكن القول إن مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية تمثل بداية مسار سياسي جديد، لكنها لا تشكل في حد ذاتها تسوية كاملة. فهو بالأحرى اختبار للنوايا ومقياس لبناء الثقة، وليس اتفاقا نهائيا ينهي الخلافات.
إضافة إلى ذلك، فإن فرص تحول هذه المذكرة إلى اتفاق ملزم ستبقى مرهونة بقدرة الطرفين على معالجة نقاط الخلاف الأساسية، وتقديم التنازلات المتبادلة، وإنشاء آليات التحقق التي تضمن تنفيذ الالتزامات. لكن في ظل استمرار التباين العميق في الرؤى والأهداف، فإن احتمال بقاء المذكرة في إطار التفاهم المؤقت يبقى قوياً. فالسياسة الدولية لا تبنى على النصوص وحدها، بل على الإرادة السياسية الكامنة وراء هذه النصوص. ومهما كانت أهمية أية مذكرة تفاهم، فإن نجاحها في نهاية المطاف يعتمد على قدرة الأطراف على تحويل التفاهمات المؤقتة إلى التزامات استراتيجية طويلة الأمد.
د. ابراهيم العرب
#مذكرة #التفاهم #الأميركية #الإيرانية #وصعوبة #تحولها #إلى #اتفاق
مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية وصعوبة تحولها إلى اتفاق
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية وصعوبة تحولها إلى اتفاق
المصدر : www.elsharkonline.com
