.

اراء و اقلام الدستور – ياسين جابر… بين مطرقة الرواتب وسندان الواقعية والإنقاذ

سامر الشخشيرمنذ ساعتين
اراء و اقلام الدستور – ياسين جابر… بين مطرقة الرواتب وسندان الواقعية والإنقاذ


دستور نيوز

بقلم ديفيد عيسى

يشعر كثيرون اليوم أن لبنان يقف على مشارف مرحلة مالية خطيرة جداً، ربما هي الأكثر خطورة منذ سنوات، ليس فقط بسبب الأزمة الاقتصادية المفتوحة، بل أيضاً لأن الحرب الأخيرة أضافت أعباء جديدة إلى بلد منهك أصلاً. وتضاعفت الضغوط على الاقتصاد، وتراجع النشاط التجاري، وارتفعت تكلفة النزوح والخدمات العامة والإدارة.

من هنا، يمكن فهم موقف وزير المالية ياسين جابر خلال برنامج “وحلق” مع الإعلامي جورج صليبي، حيث أكد أن الأولوية اليوم تكمن في تأمين الرواتب وضمان استمرارية عمل الدولة، وليس في إقرار الزيادات المالية التي قد لا تستطيع الخزينة تحملها.

ويعرف الوزير جابر بحسّه المهني ومسؤوليته الوطنية، إذ يتعامل مع الملف المالي بواقعية، بعيداً عن الشعبوية والمزايدات، آخذاً في الاعتبار حجم المخاطر التي تواجه البلاد.

ويدرك أن الحفاظ على تنظيم المؤسسات أصبح في ظل هذه الظروف القاسية إنجازا في حد ذاته.

يعيش لبنان منذ الانهيار الكبير على توازنات هشة أكثر من اقتصاد منتج ومستقر.

لقد تراجعت الإيرادات العامة، ولم تتم استعادة الثقة بعد، فيما لا يزال القطاع المصرفي غير قادر على استعادة دوره الطبيعي، وفقدت العملة الوطنية استقرارها الحقيقي.

ومع اتساع نطاق التوترات الأمنية، أصبحت الأزمة أكثر تعقيدا.

وتتأثر السياحة، وتكاد الاستثمارات تتجمد، والاستهلاك يتراجع، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على إيرادات الدولة من الضرائب والرسوم والجمارك.

إضافة إلى ذلك، فرضت الهجمات الإسرائيلية واقعاً اجتماعياً وإنسانياً مكلفاً، مع اتساع نطاق حركة التهجير وما رافقها من ضغوط إضافية على الخدمات والبنية التحتية، في وقت تعاني فيه الدولة أصلاً من عجز مالي خانق.

وفي البلدان المستقرة، تستطيع الحكومات مواجهة الصدمات عن طريق الاقتراض أو الاستفادة من النظام المصرفي المتماسك.

أما لبنان، فالأزمة المالية لا تزال مستمرة، وإمكانيات الاقتراض محدودة، في حين أن الثقة الدولية لم تصل بعد إلى المستوى الذي يسمح بإعادة فتح أبواب الدعم.

ومن هنا تبدو الرواتب اليوم في قلب المعركة.

وتدرك الدولة أن أي فشل واسع النطاق في دفع الأجور لن يشكل أزمة مالية فحسب، بل سيؤدي إلى انهيار الإدارة العامة وتفكك ما تبقى من مؤسسات الدولة.

لذلك، تبدو السلطة اليوم وكأنها تتبنى سياسة «منع الانهيار» أكثر من انتهاج سياسة إصلاحية فعلية، بحيث تصبح الأولوية تأمين الحد الأدنى من الاستقرار، ولو على حساب أي معالجة حقيقية للأجور أو أي مشروع إنقاذ طويل الأمد.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الرسائل غير المباشرة في كلام الوزير ياسين جابر، فهو يحاول عملياً خفض سقف التوقعات، لأن أي زيادة جدية في الرواتب تحتاج إلى موارد ثابتة، في حين أن الدولة بالكاد تحافظ على قدرتها الحالية وسط الانكماش الاقتصادي والحرب المفتوحة.

لكن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بظروف الحرب والركود، بل بجذور أعمق تراكمت على مدى عقود، نتيجة السياسات الخاطئة والفساد وغياب التخطيط، حيث تعاملت معظم القوى السياسية مع الدولة كمنطقة نفوذ ومحاصصة، وليس كمؤسسات يجب حمايتها وتطويرها.

الأزمة الحالية لم تولد فجأة، بل هي نتيجة تراكم طويل من الهدر وسوء الإدارة والارتهان للخلافات والمصالح الضيقة، حتى وصلت البلاد إلى مرحلة أصبحت فيها السلطة غير قادرة على القيام بأبسط واجباتها، دون خوف دائم من الانهيار.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تراجع قدرة الدولة المالية، بل في اعتياد الشعب اللبناني على فكرة الانهيار بحد ذاته، وتحول إدارة الأزمات إلى بديل دائم للحل.

هناك فرق كبير بين الدولة التي تتعثر وتسعى إلى النهوض، وبين الدولة التي تبدأ بالتأقلم مع التفكك تدريجياً، حتى يصبح الحد الأدنى من البقاء إنجازاً، ويصبح غياب الانهيار الكامل مجرد انتصار مؤقت.

ويبقى الأمل معقوداً على انتقال الدولة من مرحلة إدارة الانهيار إلى مرحلة إعادة بناء المؤسسات واستعادة ثقة اللبنانيين والعالم بها، مستفيدة من السياسة المالية الواقعية والعلمية التي ينتهجها وزير المالية ياسين جابر في مواجهة واحدة من أصعب المراحل التي عرفها لبنان.

إذن لم يعد السؤال: كيف ينهض لبنان؟

بل كيف يمكننا أن نمنع ما تبقى منه من السقوط؟

ديفيد عيسى

#ياسين #جابر.. #بين #مطرقة #الرواتب #وسندان #الواقعية #والإنقاذ

ياسين جابر… بين مطرقة الرواتب وسندان الواقعية والإنقاذ

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – ياسين جابر… بين مطرقة الرواتب وسندان الواقعية والإنقاذ

المصدر : www.elsharkonline.com

.