.

اراء و اقلام الدستور – بين الهدنة المشروطة والسلام المؤجل: لبنان على طاولة واشنطن/2

سامر الشخشيرمنذ 56 دقيقة
اراء و اقلام الدستور – بين الهدنة المشروطة والسلام المؤجل: لبنان على طاولة واشنطن/2


دستور نيوز

بقلم الدكتور ابراهيم العرب

أما الموقف الإسرائيلي، بحسب التطورات الأخيرة، فلم يعد يبدو وكأنه تحرك نحو وقف نهائي لإطلاق النار، بل كمحاولة لفرض معادلة أمنية جديدة: لا وقف إطلاق نار شامل قبل زوال التهديد، ولا انسحاب كامل قبل سيطرة الدولة اللبنانية على أراضيها، ولا مسار سياسي أوسع قبل تفكيك حزب الله. وبهذا المعنى فإن إسرائيل ستجلس إلى الطاولة وهي تحمل سلة شروط، وليس سلة تنازلات، مع محاولة جعل أي هدنة مستقبلية مرتبطة بمؤشرات ميدانية لبنانية، وليس بالتزامات متبادلة ومتوازنة. لكن هذا لا يعني أن لبنان يستطيع أن يتجاهل أهمية استعادة الدولة لقراراتها الأمنية والعسكرية، كما أن بقاء السلاح خارج إطار الدولة يمكن أن يستمر دون تكلفة وطنية. فالمسألة في جوهرها تتعلق بالترتيب السياسي والقانوني لهذه العملية: هل تتم تحت ضغط القصف والتهديدات والظروف الخارجية؟ المشكلة هنا جوهرية، فالسيادة لا تستعاد بقرار خارجي، والدولة لا تبنى على الإملاءات، بل بقرار سيادي داخلي تدعمه منظمات عربية ودولية.

لكن الدور الأميركي، مهما بدا ضرورياً، يطرح بدوره تساؤلات لبنانية مشروعة، أصبحت أكثر إلحاحاً من ذي قبل. إذا لم تطلب واشنطن من الحكومة الإسرائيلية وقفاً شاملاً لإطلاق النار، فهل تكون وسيطاً ناجحاً؟ إذا كان أقصى ما يمكن تحقيقه هو تجنب قصف بيروت والبقاع الشمالي، فماذا عن الجنوب وقراه وسكانه وحقهم في الأمن والعودة؟ إذا كان دعم الجيش اللبناني مطروحاً على الطاولة، فهل سيكون دعماً لبناء مؤسسة وطنية قادرة، أم أنه مشروط بخريطة أمنية؟

أما على الصعيد اللبناني الداخلي، فلا يمكن النظر إلى هذه المفاوضات بمعزل عن هشاشة البنية السياسية والانقسام حول مفهوم التفاوض نفسه. ولبنان يعيش منذ عقود بين منطق الدولة ومنطق القوات المسلحة، وبين القرار الرسمي وحسابات المحاور الإقليمية. ولذلك، فإن أي اتفاق محتمل يحتاج إلى تحديد الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها في هذه الأثناء. التسوية مع إسرائيل، في الوعي السياسي اللبناني والعربي، ليست مسألة فنية، بل تحمل ثقلاً تاريخياً ونفسياً وقانونياً، وتتطلب مقاربة وطنية وعربية أكثر شمولاً. من هنا تبدو الخيارات اللبنانية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فمن ناحية، هناك حاجة ملحة لتحقيق مكسب مؤقت يوقف النزيف ويمنع المزيد من الدمار، أو على الأقل يحد من توسيع دائرة الاستهداف لتشمل مناطق أعمق داخل لبنان. ومن ناحية أخرى، هناك ضرورة لعدم الوقوع في فخ الهدنة الجزئية أو الاتفاق الأمني ​​المؤقت الذي يعطي إسرائيل الحق في مواصلة الضغط العسكري كلما رأت أن التهديد لا يزال قائما. بين الخيارين، الدبلوماسية اللبنانية تسير على حبل مشدود: كيف يمكن وقف الحرب من دون تقديم تنازلات تمس السيادة؟ وكيف تستفيدون من الدعم الأميركي للجيش من دون أن يتحول هذا الدعم إلى أداة للضغط عليه؟ كيف يمكن الموازنة بين الحاجة إلى الأمن الفوري والحاجة إلى تسوية عادلة وطويلة الأمد؟

في المقابل، لا يمكن للبنان أن يتجاهل حقيقة أن استمرار الحرب أو بقاء الجنوب في حالة من الإرهاق المفتوح يشكل تهديداً وجودياً للدولة والمجتمع والاقتصاد. إن تدمير القرى الجنوبية، والنزوح، وتعطيل الزراعة والتجارة، وانهيار الثقة، كلها عوامل تجعل من وقف إطلاق النار حاجة وطنية ملحة وليس مجرد مطلب تفاوضي. السلام بمعناه الحقيقي لا يبدأ بالوثائق، بل بقدرة الناس على العودة إلى ديارهم وحقولهم ومدارسهم ومؤسساتهم، وأي مقاربة لا تضع الجنوب اللبناني في قلب التفاوض تظل ناقصة مهما حملت عناوين أمنية أو ضمانات دولية.

ومن جانبنا، نعتقد أن الجولة الحالية لن تكون على الأرجح مرحلة لإنتاج وقف دائم وشامل لإطلاق النار، بقدر ما ستكون اختباراً لقدرة لبنان على منع تحول تمديد الهدنة المؤقتة إلى إطار للامتثال الأمني. وإذا نجح الوفد اللبناني في إرساء مبدأ الارتباط بين أي ترتيبات أمنية ووقف الاعتداءات والانسحاب واحترام السيادة، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مسار أكثر توازناً. أما إذا انتهت الجولة بقبول تمديد هدنة غير مكتملة، أو تفاهم يقلل من قصف مناطق معينة ويبقي مناطق أخرى تحت النار، فإن لبنان سيواجه معادلة خطيرة: هدنة جزئية لا تصنع السلام، وضغط عسكري متواصل لا يسمح بإقامة دولة كاملة السيادة.

في الختام، ما يحدث في واشنطن لم يعد مجرد تفاوض على أسابيع إضافية من الهدوء، ولا حتى على انتقال سلس إلى اتفاق أمني مؤقت. بل هو اختبار حقيقي لموقع لبنان في معادلة إقليمية أوسع، وقدرة بلاده على تحويل الضغوط إلى فرصة لاستعادة القرار الوطني، وليس إلى مدخل لفرض شروط خارجية. الفرق بين الهدنة والسلام هو الفرق بين إسكات البنادق مؤقتا وبناء نظام أمني وسياسي يمنع عودتها. لكن هذا النظام لا يمكن أن ينشأ من خلل في الميزان التفاوضي، ولا من غياب الضمانات الواضحة، ولا من اعتبار الأمن الإسرائيلي وحده معياراً لأي اتفاق.

السلام قد لا يولد من جلسة واحدة، وقد لا تكفي بضع جولات لإغلاق ملف معقد تراكمت فيه الحروب والدماء والشكوك. لكن المؤكد أن أي مسار جدي يجب أن يبدأ بوقف الاعتداءات، واحترام السيادة اللبنانية، وتمكين الدولة وجيشها ضمن قرار وطني شامل، والانسحاب من الأراضي المحتلة، وتحرير الأسرى، وضمان العودة الآمنة للسكان إلى قراهم. أما إذا بقيت واشنطن مكتفية بإدارة السقف الإسرائيلي من دون الضغط على وقف شامل ومتوازن لإطلاق النار، فإن لبنان، لا سمح الله، سيبقى عالقاً بين هدنة مشروطة وسلام مؤجل، فيما يبقى جنوبه الساحة التي تُختبر فيها حدود الدولة وحدود الدبلوماسية وحدود الإرادة الدولية.

بقلم الدكتور ابراهيم العرب

#بين #الهدنة #المشروطة #والسلام #المؤجل #لبنان #على #طاولة #واشنطن2

بين الهدنة المشروطة والسلام المؤجل: لبنان على طاولة واشنطن/2

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – بين الهدنة المشروطة والسلام المؤجل: لبنان على طاولة واشنطن/2

المصدر : www.elsharkonline.com

.