.

اراء و اقلام الدستور – الجنوب تحت الركام: «الحزب» دمر الجغرافيا ثم أنكرها

سامر الشخشيرمنذ ساعتين
اراء و اقلام الدستور – الجنوب تحت الركام: «الحزب» دمر الجغرافيا ثم أنكرها


دستور نيوز

بقلم أيمن الجزيني

“أساس ميديا”

«لا داعي للثبات في الجغرافيا»، وأخيراً قالها الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم. قالها وأجبر الجنوبيين على ذلك، فنقلهم من بيوتهم وقراهم وبلداتهم إلى غير جغرافيا ولسبب لا يعرفه إلا هو و«القوم المؤسسون» من خلفه ومعه. في المقابل، يتشكل خطاب آخر بين النازحين والنازحين، جوهره المطالبة بالعودة إلى الجغرافيا التي اقتلعوا منها: قراهم، وبيوتهم، وأبواب معيشتهم.

وفي كلمته قبل الأخيرة، إذ انتقلنا من زمن الخطابات المطولة والرنانة إلى زمن البيانات والمراسلات، وآخرها رسالته إلى «المقاومة» أمس، قال الشيخ قاسم إن المقاومة «اختارت أساليب تتوافق مع المرحلة واستفادت من العبر والدروس». وتابع موضحا أن من بين تلك الدروس والعبر اكتشاف أنه “لا داعي للثبات في الجغرافيا، فالمقاومون يأتون من أماكن كثيرة في لبنان ويحصلون على أسلحتهم المناسبة، ويعملون بطريقة الكر والفر لتحقيق نجاح أكبر”. عدد من الخسائر في صفوف جنود وضباط العدو، ولمنعه من الاستيطان في الأرض التي احتلها، لا يوجد خط أصفر أو منطقة عازلة، ولن يكون هناك”.

إنكار «الحزب» وتجلياته

إن نفي قاسم وجود الخط الأصفر والمنطقة العازلة لا ينفي وجود الخطين الأخيرين. وهو نفي يؤكد ويشير أيضاً إلى أن «الحزب» دخل مرحلة إنكار واضحة للتغيرات التي شهدها لبنان والمنطقة منذ الحرب القاتلة الأخيرة التي جرها إلى لبنان من خلال دعم حركة حماس وبعض الفصائل الفلسطينية بعد وقت قصير من 7 أكتوبر 2023.

إن دعمه لجمهورية ولي العهد في إيران وفتحه جبهة ضد إسرائيل من جنوب لبنان وسهل البقاع، أخيرا في الثاني من آذار/مارس، في ظل توازن القوى القائم، ما هو إلا بعض نتائج ومظاهر هذا الإنكار.

لكن اللافت في تصريح قاسم هو إعلانه التخلي عن الحاجة إلى الجغرافيا، وهذا عمليا أصدق ما في تصريحه. هذه العبارة تلخص عملياً تاريخ «الحزب» الطويل مع الجغرافيا، وتنذر بمستقبل يتجاوز المكان، في اجترار الماضي الذي لم يجلب له سوى النكبة، وعلى اللبنانيين عموماً، وأهل الجنوب خصوصاً.

“الحزب” والجغرافيا

لقد بنى «الحزب» «مجده» عملياً على الجغرافيا منذ نشأته. لقد انتصر عندما ضاقت جغرافيته التي حددها «الشريط الحدودي» الذي أنشأته إسرائيل ابتداء من عام 1978، وانسحبت من معظمه عام 2000، وتبدد ما بناه عندما انتقل إلى جغرافيا أو جغرافية أخرى، أوسع وأبعد.

لقد بنى بيئة قوية عندما كانت هذه البيئة هدفه، وكان تحريرها وأرضها هدفه. في ذلك اليوم كانت المقاومة. كانت هناك أرض محتلة وشعب يرزح تحت نير الاحتلال، وبعد ذلك أصبح ذراعاً إيرانياً عابراً الجغرافيا، من العراق إلى اليمن، مروراً بسوريا وغيرها من الجغرافيات.

«لا داعي للتثبيت في الجغرافيا» ليس شعاراً عابراً أو مؤقتاً، بل هو سياسة نفذها «الحزب» منذ عقود، منذ أيام البوسنة، ثم العراق، ثم سوريا، واليمن، وغزة.

«الحزب» أصبح حزباً يعبر الجغرافيا، إلى كل الأمكنة، يناشد في هذا وذاك مكاناً محدداً، وهو القدس، أي يرفع راية جغرافية لم تطأها أقدام مقاتليه ولم ترها أعينهم إلا في صور أو مقاطع فيديو.

وبتخليه عن الجغرافيا بدلاً من مذهبه، يقترب «الحزب» من نظرية ولاية الفقيه التي لا تقتصر على مكان والتي تستمد قوتها أيضاً عملاً من الزمان أو من الزمن المطلق، زمن الإمام الثاني عشر الذي سيظهر في آخر الزمان.

«الحزب» هو عملياً نتاج «تصدير الثورة» الإيراني الذي نفذه الإمام الخميني عام 1979. تصدير الثورة لا يرتبط بمكان، وحتى لو دل على تصديرها إلى أماكن وبيئات محددة، فهو ينتمي إلى الثورة وصادراتها في كل مكان وزمان أكثر من انتمائه إلى مكان معين. وما تحرك «الحزب» من لبنان إلى البوسنة والعراق واليمن وسوريا، على مدى تاريخه، دفاعاً عن حلفاء «الثورة» التي أصبحت نظاماً ذا أسلحة كثيرة، إلا دليل واضح على ما سبق.

«الحزب» وأهل الجغرافيا

وإذا كان هروب «الحزب» من الجغرافيا على مدى عقود قد جلب عليه «بركات» مصدره وراعيه وداعمه، أي نظام ولي العهد الفقيه، فإنه في الوقت نفسه جلب عليه غضب أهل الجغرافيا أنفسهم، ولو بعد حين.

وآخر ما شهدناه من هذه الاستياءات هو استياء السوريين منه ومن النظام والشعب. وآخر فصولها أنها تخوض اليوم معارك في الجنوب من دون جغرافيا، بدعم إيراني. وهي محاصرة من أربع جهات من الأرض، من الحدود السورية إلى الحدود مع الشرعية اللبنانية، إضافة إلى الحدود مع إسرائيل والبحر.

ويبدو اليوم أننا أمام استياء جنوبي عارم منه قد يتفاقم في الأيام المقبلة، خاصة في اليوم التالي للحرب، حيث يعود الجنوبيون إلى ما كانت عليه بيوتهم وقراهم ومدنهم، إلى الجغرافيا التي لم يعد «الحزب» بحاجة إلى الثبات فيها، بينما الجنوبيون يحتاجون إليه فقط، فهو «الحيلة والفتيل» بالنسبة لهم.

«الحزب» عبث بالجغرافيا حتى دمرها، ثم أعلن أنه ليس بحاجة إلى البقاء ثابتاً فيها. ومن المرجح أن يعود الجنوبيون بعد فترة إلى زمن «الحزب»، وليس إلى مكان محدد، وهو زمن كان فيه أكثر مما هو موجود، وفيه «أمجاد» أكثر من الحقائق. المكان ركام وقبور.

القسري غير الجغرافيا

أبعد من ذلك، وقبل العودة أو قبل اليوم التالي للحرب، فإن إعلان «الحزب» عبر أمينه العام أنه لم يعد بحاجة إلى الاستقرار الجغرافي هو إعلان فرضه على أهل الجغرافيا أنفسهم، وأجبرهم على ذلك.

إن عدم الحاجة إلى الاستقرار الجغرافي انعكس في نزوح ونزوح أكثر من مليون لبناني يعيشون في المدارس والأرصفة ويقيمون في جغرافية لا حاجة لهم ولا رغبة في البقاء فيها. وبينما لا يثبت مقاتلو «الحزب» سلاحهم في أي مكان، فإن «الحزب» يجبر الجنوبيين وأهالي سهل البقاع وأهالي ضاحية بيروت الجنوبية المهجرين قسراً من منازلهم على عدم البقاء ساكنين في جغرافية محددة.

هم البيئة الحاضنة، ومن احتضن شيئاً انتمى إليه ومال إليه وسار في طريقه، ثم أصبح مثله، ينتقل من مكان إلى مكان دون حاجة إلى الثبات في جغرافية معينة. بل الاستقرار الذي يطلبه ويريده «الحزب» هو الثبات على المذهب، في الولاء للحاكم، وها هو ممثل ولي الأمر الإيراني الفقيه. لقد قاتلوا معه البحر، كما تقول الأنشودة الشهيرة، ولو بقي في مكانه، فسيقودهم ذلك إلى لا مكان، إلى اللاجغرافيا.

وفي ما سبق، فإن «الحزب» يتماشى مع مذهبه، ويجبر اللبنانيين عموماً وأبناء بيئته خصوصاً على الاتفاق معه ومعه. وهو عقيدة صالحة لكل زمان ومكان. والثابت فيه هو نهاية الزمان، وآخر الزمان مكان وزمان. وهناك أيضًا مكان آخر في الإيمان ثابت لا يتزعزع: السماء، ووقت محدد يسمى الموت. أما باقي الأماكن والأوقات فهي تفاصيل صغيرة لا تحتاج إلى تثبيت فيها أو فوقها.

أيمن الجزيني

#الجنوب #تحت #الركام #الحزب #دمر #الجغرافيا #ثم #أنكرها

الجنوب تحت الركام: «الحزب» دمر الجغرافيا ثم أنكرها

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – الجنوب تحت الركام: «الحزب» دمر الجغرافيا ثم أنكرها

المصدر : www.elsharkonline.com

.