دستور نيوز
لمى قنوت
تُفهم سياسات السلطة الانتقالية على أنها عملية إعادة هيكلة عميقة للاقتصاد السياسي والمجتمع والدولة، تتجاوز كونها مجرد طريق للخروج من الحرب والحكم الشمولي. تكشف السياسات النيوليبرالية المعتمدة، بما في ذلك الخصخصة السريعة وإجراءات التقشف وتراجع دعم القطاعات الإنتاجية، عن نموذج إعادة إعمار إقصائي، تم تصميمه وتنفيذه بطريقة يستفيد منها المستثمرون الأقوياء وشرائح محدودة للغاية من المجتمع، في حين يتم استبعاد الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة منهم، ولا يتم تلبية احتياجاتهم الأساسية، مما يؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية والطبقية. بدلا من معالجتها.
وتفترض السلطات أن النهج النيوليبرالي في إعادة الإعمار القائم على الاستثمار الأجنبي والنمو المرتكز على السوق، قادر على تحقيق التعافي التلقائي، لكن هذا النموذج، وفقا لتجارب عديدة، أنتج أنماطا جديدة من الهشاشة والمظالم، بدلا من تقديمه في إطار العدالة الاجتماعية والمكانية، وحق السكان في المدينة. في لبنان، على سبيل المثال، ارتبط مشروع إعادة الإعمار بعد الحرب بظهور نموذج قائم على المضاربة العقارية والخدمات المالية وإعادة الإعمار، فُرض من فوق على الناس، متمثلا بشكل رئيسي في بيروت بمشروع “سوليدير”، الذي أعاد تشكيل وسط المدينة وأسواقها التاريخية الشعبية، وفقا لمصالح ورؤية رأس المال والنخب السياسية والمالية، وليس وفقا لاحتياجات المجتمع وعملية التعافي الاجتماعي، وتم تقديم وسط المدينة كمساحة خالصة للاستهلاك الطبقي.
في العام 1991، دفعت الطبقة الحاكمة بقوة نفوذها إلى إصدار قانون خاص من مجلس النواب بعنوان “إعادة إعمار بيروت الوسطى وغيرها من المناطق المدمرة”. لقد تم تصميمه وفقاً لمصالحه، وانتهك الحقوق الدستورية والقانونية، بما في ذلك الترحيل القسري لحوالي 40 إلى 60 ألف فرد. ولم يكن يُنظر إلى مركز المدينة كمساحة اجتماعية تحتاج إلى استعادة سكانه ووظائفه الشعبية، بل كأصل عقاري واستثماري يتحول إلى مركز مالي وسياحي، حيث تم فصل المركز عن محيطه، ومصمم بصريًا واجتماعيًا لـ “النخب” وكعلامة تجارية، وتم إعادة إنتاج مركز المدينة وفق منطق طبقي جديد. ومن الأخطاء التي ظهرت، تضارب المصالح، مما جعل إدارة سوليدير الفاعل الأساسي في إدارة الآثار، إلى جانب ضعف مؤسسات الدولة، ناهيك عن المواقع الأثرية التي دمرتها الشركة خلال مرحلة البناء.
إعادة الإعمار ليست عملية محايدة، بل هي إعادة إنتاج اجتماعي وطبقي للمدينة. وفقًا لعالم الاجتماع والمخطط الحضري هنري لوفيفر، فإن الفضاء الحضري هو منتج اجتماعي، أو بناء اجتماعي معقد، يعتمد على القيم والإنتاج الاجتماعي للمعاني، ويؤثر على الممارسات والتصورات المكانية. لذلك، لا يمكن تصنيف إعادة الإعمار بعد الحرب على أنها عملية فنية، بل على أنها مرحلة سياسية يتم فيها إعادة تعريف من له الحق في المدينة، ومن يُسمح له بالبقاء فيها، وما نوع الحياة التي سيتم إنتاجها داخل الفضاء الحضري.
ومن منظور العدالة الانتقالية التحويلية، فإن عملية إعادة الإعمار ليست قضية منفصلة عن العدالة، بل هي جزء أساسي من الصراع على إعادة توزيع السلطة والثروة والفضاء بعد الحرب. عندما تدار إعادة الإعمار وفق منطق «التمدن النيوليبرالي»، أي وفق منطق السوق والربحية، فلن تتم معالجة الجذور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للعنف، بل ستكون امتداداً له بأدوات عمرانية واقتصادية جديدة، وتتم تحت عنوان الاستثمار والتنمية و«الحداثة»، محو آثار الحرب بصرياً دون معالجة جذورها، فيما تقضي العدالة على الاعتراف بما حدث ومن تضرر والحصول على العدالة.
وفي السياق السوري، يدور خطاب السلطة الانتقالية حول إعادة الإعمار وفق النموذج النيوليبرالي، مع دعوات للاستثمار العقاري، وتعظيم حوافز الاستثمار وجاذبيته، كأحد مظاهر احتكار القرار السياسي والاقتصادي، وغياب الشفافية والمشاركة وسيادة القانون، وإعادة إنتاج رأسمالية المحسوبية. ويشكل مشروع “ذا بومونت” الذي أطلقته وزارة السياحة، والذي “يجمع بين السكن الفاخر والضيافة والأعمال والترفيه” في موقع استراتيجي على ضفاف نهر بردى في قلب دمشق، نموذجاً يتم فيه تقديم المدينة كأصل استثماري، وليس كمساحة اجتماعية يحتاج سكانها وبيئتها إلى التعافي بعد الحرب.
وفي بلد يعاني من دمار واسع النطاق في بنيته وبنيته التحتية، وارتفاع حاد في معدل الفقر والبطالة، ويقدر عدد النازحين بـ 5.5 مليون نسمة، يصبح الحديث عن الأبراج الفندقية والمساكن الفاخرة خللا عميقا في نموذج إعادة الإعمار الذي تعمل عليه السلطة وأولوياته.
ويبين مشروع “البومونت” العلاقة بين النيوليبرالية والعنف المكاني، حيث يتم صياغة الفضاء الحضري وفق منطق الربحية على حساب البيئة والاستدامة الاجتماعية، كما أن اختيار الشريط البيئي لنهر بردى وبساتين كيوان يعكس منطقاً يرى الأرض كقيمة تبادلية مرتبطة بالسوق، تطوق شريان الحياة لدمشق ومحيطها كمساحة للأثرياء، وهو شكل من أشكال المحو المكاني، حيث يبرز التراث التاريخي. ويتم استبدال البنية الاجتماعية للمدينة بصورة استهلاكية منفصلة عن سكانها، وليس بقيمة اجتماعية مرتبطة بالذاكرة الجماعية والهوية والحياة اليومية والحقوق. في المدينة وبيئة صحية.
متعلق ب
إذا كنت تعتقد أن المقالة تحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية، أرسل لي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية، قم بتقديم شكوى
#إعمار #النخبة.. #من #وسط #بيروت #إلى #ضفاف #بردى
إعمار «النخبة»… من وسط بيروت إلى ضفاف بردى
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – إعمار «النخبة»… من وسط بيروت إلى ضفاف بردى
المصدر : www.enabbaladi.net
