دستور نيوز
بقلم نديم قطيش
“أساس ميديا”
ومن لا يعرف إيران سينتظر طويلاً حتى تنضج «لحظتها اليابانية» بعد هيروشيما وناكازاكي، أي اللحظة التي يدرك فيها النظام أن التكلفة الوجودية للحرب أصبحت فوق قدرته على احتمالها، فيعلن الاستسلام تحت ستار سلام الشجعان.
وقد عززت العديد من الإشارات الواردة من طهران هذا الانطباع. ومجرد موافقة الإيرانيين على الجلوس مع قتلة المرشد علي خامنئي، تزامناً مع الذكرى الأربعين لوفاته، اعتبر مؤشراً على استعداد طهران لطي صفحة 47 عاماً من منطق الثورة.
وقبل أيام فقط من موعد الجولة الثانية في إسلام آباد، ألقى رئيس البرلمان الإيراني ورئيس الوفد المفاوض محمد باقر قاليباف، أصدق خطاب لمسؤول إيراني منذ سنوات، محاولاً إنقاذ ما تبقى من «الدولة» من براثن «أوهام الثورة». وبواقعية صادمة، اعترف الرجل بأن ميزان القوى العسكري يميل بشكل واضح لصالح واشنطن وإسرائيل، مصححاً خطاب النصر الساحق الذي روج له الإعلام الحربي الإيراني. لقد قالها بوضوح: “نحن لسنا أقوى من الولايات المتحدة. لديهم أموال ومعدات وموارد أكثر. لم ندمرهم، لكننا وقفنا بثبات”.
البقاء في الخنادق؟
وكان قاليباف يحاول إقناع الصقور بأن الصمود هو النصر الوحيد المتاح لبلاده، وأن التفاوض الآن من موقع القوة النسبية أفضل من التفاوض لاحقاً من موقع الضعف التام. وكانت رسالته: خذوا الصفقة الآن قبل أن تقول لغة الأرقام وتوازنات القوى كلمتها الأخيرة.
وتزامن صدور هذه الإشارات مع سيل من التقارير حول صراعات داخل النخبة التي تدير المرحلة الانتقالية في إيران بعد مقتل المرشد الأعلى، والتعيين المشبوه لنجله، والإقصاء العملي للمؤسسات الرئاسية والحكومية لصالح تولي الحرس الثوري زمام القيادة الفعلية. كانت كلمات قاليباف في المقابلة هي الجزء المرئي من الجدل الصامت والمكثف داخل إيران، والذي يبدو أنه أطاح بالجولة الثانية من المفاوضات. واكتفت طهران بتزويد الباكستانيين بالإجابات والتعليقات على العرض الأميركي، فيما قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إبقاء فريقه في واشنطن، قائلا للإيرانيين: يمكنكم الاتصال بنا عندما تتوصلون إلى قرار.
وعشية تعثر المفاوضات، لجأ قاليباف إلى منصة «إكس» ليغسل يديه من مضمون مقابلته ويؤكد أن البوصلة الإيرانية عقب زلزال 28 فبراير لم تكن في اتجاه طوكيو، وأن طهران اختارت نموذج «الانتحار الألماني».. والبقاء في الخنادق حتى الرمق الأخير.
ونشر قاليباف صورة لوصية قائد فيلق القدس الراحل قاسم سليماني، كتبها الأخير بخط يده، وجاء فيها: “ليكن خامنئي العزيز أغلى من أرواحكم”. وأرفق الصورة بتعليق أعلن فيه تراجعه عن المضمون الواقعي لمقابلته وانخراطه في إعلان مسرحي للولاء للزعيم الجديد ومنطق الحرب، مستعيرا كلمات من زمن الحرب العراقية الإيرانية.
وكتب قاليباف: “عزيزي خامنئي، أعز من أرواحنا، كان ولا يزال عصر فتيان الخطوط الأمامية المخلصين، الذين يقاتلون خندقًا بعد خندق حتى تنتصر كلمة وإرادة ولي الأمر الفقيه. إن غضب العدو وتفاهات ذلك الوزير المجرم (في إشارة إلى وزير الدفاع الإسرائيلي) نابع من وحدتنا حول عمود القيادة وفشل مخططاتهم”. وأضاف ترجمة فارسية لآية من سورة آل عمران: “قل موتوا بغضبك”.
وليس تفصيلاً أن قاليباف استعار من لغة الثمانينات كلمة “باشرزماندا” أي فتيان الجبهات، في إشارة إلى الشباب المتطوعين من الباسيج الذين انضموا إلى الجبهات وهم في العشرينيات من عمرهم، وهو واحد منهم، وأحد الناجين من بين مئات الآلاف الذين قتلوا. في عام 2026، لا تستدعي هذه الاستعارة قصة انتصار مظفر، بل تقدم دعوة مفتوحة إلى مقبرة واسعة. المسافة بين النصر والمقبرة، هي بالضبط المسافة بين النظام الإيراني الذي كان والنظام الذي أصبح بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية. وهذا هو الانتحار الألماني بصيغته الفارسية. ليست النخبة وحدها من تختار الموت كما فعل أدولف هتلر، بل تختاره نيابة عن كل الإيرانيين الذين لم تستشرهم، تماما كما فعلت قبل نحو خمسة عقود.
الولاء المجنون؟
إن الارتباك في رسائل قاليباف، بين حديثه عن واقعية ميزان القوى في مقابلته، ومن ثم انتكاسته خلال أيام قليلة إلى مبالغات الخنادق والحرب، يعكس مرارة الصراع الذي يمزق النواة الصلبة للنظام، والذي يزداد حدة في ظل أن مصير المرشد الجديد مجتبى خامنئي لا يزال محاطا بغموض كثيف وضجيج حول الخلافات حول شرعية نقل السلطة. موقف الدليل له.
ورغم أنه من الحكمة التحلي بالصبر في تبني كل المعلومات المسربة حول التشققات التي تصيب بنية الجماعة الحاكمة في طهران اليوم، إلا أنه ليس من المستغرب، في ظل فداحة ما تعرضت له إيران، أن تبرز فصائل تتقاتل على أنقاض الجمهورية الإسلامية. إن لجوء قاليباف إلى لغة «مت بغضب» ما هو إلا محاولة شبه يائسة لفرض مشهد الوحدة القسرية من خلال توظيف الأداء المتطرف، وهي السمة التي ميزت الأيام الأخيرة لنظام برلين عام 1945، حيث كان الولاء يقاس بمدى الاستعداد للذهاب إلى النهاية الكارثية، وليس بمدى العقلانية في إنقاذ الأمة.
وكأن إيران اليوم تبحث عن معنى لسقوطها أكثر من اهتمامها بالحلول الواقعية للأزمة التي تجد نفسها فيها.
ولذلك فإن مصلحة المنطقة والعالم، إذا كانت طهران حاسمة في قرار الموت واقفاً، هي التعجيل بوصول هذه النهاية بدلاً من إطالة أمد الموت، أو الاكتفاء بالصراع المجمد، وهو أسوأ ما يمكن أن يحدث للجغرافيا التي نعيش فيها. إن تغيير النظام هو رغبة سياسية مسبقة، خاصة بالنسبة لإسرائيل، ولكنه أيضا نتيجة منطقية لمسار اختاره النظام لنفسه عندما فضل برلين 1945 على طوكيو 1945.
وتشير بنية المعادلة الإيرانية نفسها، كنظام شمولي مكرس لمهمة غير مرئية، إلى أن خيارات المنطقة وواشنطن تقتصر على ما إذا كان هذا التغيير يحدث بشكل منظم وسريع، أو ما إذا كان فوضوياً وطويل الأمد.
نديم قطيش
#إيران #تنتحر #ولا #تستسلم
إيران تنتحر ولا تستسلم
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – إيران تنتحر ولا تستسلم
المصدر : www.elsharkonline.com
