.

اراء و اقلام الدستور – إيران بعد تآكل صبرها الاستراتيجي: الحرب أم التفاوض القسري – صوت لبنان – صوت لبنان

سامر الشخشيرمنذ ساعة واحدة
اراء و اقلام الدستور – إيران بعد تآكل صبرها الاستراتيجي: الحرب أم التفاوض القسري – صوت لبنان – صوت لبنان


دستور نيوز

انطوان العويط

الأربعاء 29 أبريل 2026 – 08:21

المصدر: صوت لبنان

إن عبارة «الصبر الاستراتيجي» لم تعد وصفاً كافياً لسياسة طهران. بل مع تراكم الضغوط تحول إلى قيد ثقيل أفقد قدرته على الاستمرار. إيران التي أدارت صراعها مع واشنطن وتل أبيب، وكذلك مع الخليج العربي، من خلف ستار العملاء، لم تكن على وشك الدخول في مواجهة مباشرة. بل راهنت طويلاً على مفهوم القوة غير المباشرة، حيث تدور المعارك على أطراف مشتعلة، وتكون الجبهة الداخلية محمية من الانكشاف.
وفي هذا السياق، توزعت أدوار الاشتباك على خرائط متعددة في غزة واليمن والعراق ولبنان، فأبقت إيران الصراع حياً من دون أن تفتح أبواب الانفجار الكبير.
لكن هذا الواقع الذي استمر طويلاً، سرعان ما انهار في لحظة مدوية، إذ حدث ما لم يكن في الحسبان في حزيران/يونيو من العام الماضي، عندما تم كسر الخط الأحمر باستهداف امتد إلى الداخل الإيراني، بضربات إسرائيلية أعقبها تورط أميركي إسرائيلي في ذروة التصعيد، في سابقة أنهت عملياً انحصر المواجهة في ساحات الوكلاء، ونقلت الاشتباك إلى مستوى أكثر مباشرة وانكشافاً وخطورة.
كانت هذه بداية ضربة تجريبية امتدت على مدى اثني عشر يوما فقط، دقيقة في أهدافها ومحدودة النطاق، لكنها كانت كافية للإعلان أن الجغرافيا الإيرانية لم تعد خارج معادلة الاستهداف. وتعاملت طهران معه بمنطق الاحتواء، وحاولت امتصاص الصدمة وتجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة ومفتوحة.
لكن أعقبتها موجة ثانية هذا العام، كانت أكثر وضوحا وتنظيما، وبدت أقرب إلى نهج تقدمي يستهدف الهياكل الحساسة ويدفع نحو إعادة صياغة قواعد الاشتباك برمتها. طالت هذه الموجة مستويات قيادية متعددة، في سياق استهداف واسع للبنية العسكرية والأمنية، بدءاً من أعلى وأعلى الدوائر وصولاً إلى المستويات الأدنى، فيما تعرضت الهياكل النفطية والعسكرية داخل إيران لأضرار جسيمة.
وهذا التحول هو بالضبط ما دفع طهران إلى إعادة النظر في حساباتها، عندما وجدت نفسها أمام اختبار وجودي. لقد دخلت مرحلة مختلفة، انطلاقاً من اعتقاد راسخ في أوساطها بأن النظام نفسه أصبح هدفاً، وأن حماية الجمهورية الإسلامية، بما تمثله من بنية سياسية وأيديولوجية، تتقدم على كل الحسابات الأخرى.
وكشف مسار المواجهة عن خلل عميق في ميزان القوى لصالح المحور الأميركي ـ الإسرائيلي. وهنا لم يعد خيار التصعيد المفتوح مطروحاً إلا في حدود ضيقة لدى بعض الأوساط المتطرفة في الحرس الثوري، على عكس القناعة السائدة لدى مستويات أخرى بضرورة إعادة التموضع وضبط الإيقاع. وانتقلت طهران من «الصبر الاستراتيجي» الذي تآكل تحت ضغط النار وتغير موازين الردع، إلى ما يمكن تسميته «الصبر التفاوضي». الدبلوماسية تتم تحت وطأة الخسارة وتقلص الهوامش، وليس من موقع المبادرة أو السيطرة على اللعبة.
وبهذا المعنى، بدأت جولات التفاوض كمسار إلزامي، متنقلاً بين مسقط وجنيف، مروراً بموسكو واسطنبول، وصولاً إلى محطات بدت أقل تقليدية، مثل إسلام أباد، حيث تم الرهان على قدرة الوساطة الباكستانية على فك العقدة العنيدة وفتح ثغرة في جدار القطيعة مع واشنطن. التصور الإيراني كان مبنياً على معادلة دقيقة، هدفها بقاء النظام مقابل تنازلات متبادلة، تبقي البنية على حالها حتى ولو عدلت موازينها.
ومع تقدم العملية، بدا أن المفاوضات تجاوزت شكلها غير المباشر نحو انخراط أكثر صراحة، مع دخول شخصيات بارزة على الخط، في محاولة لإعطاء طابع حاسم للتفاوض. لكن قمة إسلام آباد، التي أحاطت بتوقعات عالية، انتهت إلى فراغ كبير. لا انفراج في ملف مضيق هرمز، ولا تقدم في التعامل مع مجمع اليورانيوم المخصب بكل أبعاده الاستراتيجية، إضافة إلى ملف الصواريخ والأسلحة..
في موازاة ذلك، فوجئت طهران بمفارقة قاسية وقاتلة في الوقت نفسه: الإجراء الذي اتخذته كورقة ضغط، وهو إغلاق مضيق هرمز، انقلب عليها بحصار أميركي لموانئها، فخنق اقتصادها ونفطها بشدة، وضيّق هوامش حركتها بدلاً من توسيعها.
اليوم يبقى التفاوض حاجة إيرانية، ليس كخيار مناسب، بل كمسار قسري فرضته اختبارات القوة وحدودها. إنها دبلوماسية مبنية على أنقاض الرهانات السابقة، وضمن هذا الهامش الضيق يتحدد ما إذا كانت طهران قادرة على التحرك نحو تسوية ما، إذا سمحت التوازنات الداخلية، وعلى رأسها حسابات الحرس الثوري، بفتح هذا المسار.
باختصار، لا يبدو أن واشنطن تترك أي مجال حقيقي للتنازلات. فالمعادلة المطروحة ليست بين المرونة والتسوية، بل بين مسارين، وكلاهما مكلفان للغاية. فإما الانزلاق إلى جولة مدمرة من الحرب المتجددة التي تُفرض شروطها لاحقاً بالقوة والحقائق، وإما الذهاب إلى تسوية شاملة تتم صياغتها تحت سقف التفاهمات الكبرى.
وبين هذين الاحتمالين، يبدو أن ما يجري التخطيط له ليس مجرد إدارة الأزمات، بل إعادة هندسة مسار المنطقة برمتها، حيث لا مكان لأنصاف الحلول، ولا قدرة على تغيير المنعطفات إلى ما لا نهاية. إما أن يولد حل من رماد التصعيد، أو اتفاق كبير يغلق الأبواب أمام انفجار مفتوح على كل احتمالاته.

المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها

#إيران #بعد #تآكل #صبرها #الاستراتيجي #الحرب #أم #التفاوض #القسري #صوت #لبنان #صوت #لبنان

إيران بعد تآكل صبرها الاستراتيجي: الحرب أم التفاوض القسري – صوت لبنان – صوت لبنان

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – إيران بعد تآكل صبرها الاستراتيجي: الحرب أم التفاوض القسري – صوت لبنان – صوت لبنان

المصدر : www.vdl.me

.