دستور نيوز
شفيق طاهر
المصدر: المدن
في ذروة التوتر مع إيران، لا تكتفي بعض دوائر صنع القرار في واشنطن وتل أبيب بمحاولة إضعاف النظام، بل تبدو مستعدة للمخاطرة بما هو أخطر: فتح الباب أمام الصدع الإيراني من الداخل. قد يبدو الرهان على الجماعات المسلحة الكردية والبلوشية وسيلة فعالة للضغط على المدى القصير، لكنه في جوهره وصفة لصراع عرقي طويل يهدد بتفكك المجال الإيراني ودفع المنطقة بأكملها إلى مرحلة جديدة من الحروب القومية والانقسامات العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن الجماعات المسلحة في المناطق الطرفية، وخاصة الكردية والبلوشية، كأوراق محتملة في أي استراتيجية ضغط جديدة. لكن هذا الخيار، وإن كان يبدو مغرياً من ناحية الاستنزاف السريع، إلا أنه يحمل في طياته خطر إشعال صراع عرقي طويل داخل إيران، مع ما قد يصاحبه من تداعيات تتجاوز حدودها إلى المنطقة برمتها.
لم يعد الحديث عن الضغط على إيران يقتصر على الضربات الجوية واستهداف البنية التحتية العسكرية والأمنية، بل أصبح يتجه نحو سؤال أكثر جدية: من هم شركاء الولايات المتحدة على الأرض إذا أرادت دفع البلاد نحو التغيير السياسي؟ وهنا تظهر الجماعات المسلحة الموجودة على الأطراف، وخاصة الكردية والبلوش، كخيار في بعض المناقشات.
وقد يحقق دعم الجماعات المسلحة المحلية مكاسب تكتيكية سريعة من خلال إضعاف قبضة المركز على المناطق الحدودية، لكن هذا النهج ينطوي أيضًا على تكلفة استراتيجية عالية. ولا تملك هذه الجماعات القدرة على الاستيلاء على السلطة في طهران، بل يتركز نفوذها في بيئاتها المحلية، ما يعني أن استخدامها كورقة ضغط قد لا يؤدي إلى انتقال سياسي منظم، بل إلى تفكك تدريجي للسلطة المركزية وتحول الصراع إلى نزاع طويل على الأرض والهوية والنفوذ.
الخطر الأكبر هو أن أي تورط أميركي أوسع مع الفصائل الكردية أو البلوشية قد يدفع إيران نحو مزيد من الاستقطاب الداخلي، ويغذي منطق الشك والانتقام من الأقليات، خاصة إذا انتهى التصعيد بتسوية تُبقي النظام أو جزء منه في مكانه. ومن ثم قد تجد هذه الجماعات نفسها معرضة لحملة قمع واسعة النطاق، فيما تتحمل واشنطن جزءا من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن مصيرها.
ولا يقتصر هذا المنطق على البلوش والأكراد، بل يمكن أن يمتد أيضًا إلى عرب الأحواز في جنوب غرب إيران، حيث تتقاطع الاعتبارات الوطنية مع الأهمية النفطية والاستراتيجية للمنطقة. وقد يبدو إثارة هذا الموضوع من الخارج، لبعض دوائر صنع القرار في واشنطن وتل أبيب، وسيلة إضافية للضغط على طهران، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر مضاعفة، لأن أي انفجار في هذه المنطقة لن يُقرأ فقط على أنه احتجاج على التهميش، بل كتهديد مباشر لوحدة الدولة وموقعها الاقتصادي.
التداعيات لا تتوقف داخل إيران. إن البعد العابر للحدود للحركات الكردية والبلوشية يجعل أي تصعيد من هذا النوع عرضة للتوسع الإقليمي. وتنظر تركيا بحساسية كبيرة إلى أي تفعيل للفصائل الكردية المسلحة، وباكستان بدورها لن تقف متفرجة على التحولات التي قد تنعكس على إقليم بلوشستان المضطرب. وهذا يعني أن محاولة إضعاف إيران من خلال أحزابها قد تتحول إلى مصدر عدم استقرار أوسع، يؤثر على الدول التي هي في الأصل شريكة لواشنطن.
هذا، فإن أيَّ أيَّا أيَّا أميركية تتجه إلى توظيف هذه المرشحة تبدو محفوفة بمفارقة إدارية: ما قد يبدو أداة ضغط ناجعة على المدى، قد تتحول على المدى الأبعد إلى وصفة لتفتيت إيران وأمد الصراع داخلها وعبر حدودها. ومن هنا، فإن الرهان على الأقليات المسلحة، من دون رؤية سياسية واضحة ومحددة، لا يبدو طريقاً إلى الاستقرار بقدر ما يبدو مغامرة قد تفتح أبواب الفوضى التي سيكون من الصعب إغلاقها.
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور –
المصدر : www.vdl.me
