.

اراء و اقلام الدستور – لبنان المحبة.. صليب نحو القيامة – صوت لبنان – صوت لبنان

سامر الشخشير1 أبريل 2026
اراء و اقلام الدستور – لبنان المحبة.. صليب نحو القيامة – صوت لبنان – صوت لبنان


دستور نيوز

انطوان العويط

الثلاثاء 31 مارس 2026 – 11:53

المصدر: صوت لبنان

منذ نشأته، في أعماق الأزمنة التي سبقت القصة والتاريخ، كان لبنان يستشعر خطواته نحوك، يا يسوع، قبل وقت طويل من ولادتك في بيت لحم، وكأن هناك معرفة مسبقة في كيانه، أقرب إلى الوعد من الطريق، لأنك أنت الحب، وهي جاذبيته.
في أسفار الملوك، والمزامير، ونشيد الأناشيد، وإشعياء، وحزقيال، يبدو أن بلدي يكتب، بطبيعته، إشارات مبكرة إلى حضورك. الرمز فيه يرتقي من جمال الخلق إلى أفق اللقاء مع الله. أرز مهيب يرتفع كالهيكل الحي، وجبال تلبس المجد، وأريج يفوح كبركة متصاعدة، وينابيع تنبثق من أعماق الصخر تشهد على خصب لا يخون، وخير ثابت كالعهد، وبهاء يذكر بما خلق ليدوم.
وكأن كل ما فيه ينتظر أن يُقرأ على ضوء تجلي سيكتمل ويتجسد في الحب.
في عهدك الجديد، عكس شخصه بهاءك في النقاء والتأمل، في رائحة خفيفة لا يمكن لمسها، وفي ظل يحمي دون أن يحجب. وهناك، في ذلك العرس، أعطيته فرحة اللحظة، فقام من النقص إلى الملء، وانضم إلى الكلمة التي هي الطريق والحق والحياة.
أما أرضه فلما استقرت فيها ارتفعت مع قديسيها وقديسيها إلى السماء، بينما انحنت السماء لتلامس ترابها. وفي ذلك التبادل المهيب بين ما هو فوق وما هو تحت لم يكن هناك سوى الحب.
لقد نهض لبنان لينهض، وتجرد من فائض العالم ليستحق ما لا يناله إلا بالحب. لم يغير وجهته، ولم يتاجر بعلمه الأول.
ورغم هول الانحرافات، استمر في السير نحوك، حتى لو تعثر، ولو انكسر، لأن ما كان فيه يعلم أن الطريق إليك لا يُعبر بالقوة، بل بالتخلي. وكلما ظن أنه يقترب، اكتشف أنه يجب عليه تطهير نفسه. من أوهامه عن نفسه، ومن صور مجده، ومن أثقال الشر التي تشده من الداخل والخارج إلى ما ليس هو.
لقد أراد أن يكون مصدرًا للحب الذي لا ينضب، لأنك أنت في جوهرك محبة. عندما يصبح الحب عطاءً وحريةً وتعريضاً، يتعلم الإنسان العطاء بلا تحفظ، وأن يكون حراً حتى إلى حد الشدائد، وأن يسكن في جوهر الربيع، في جرح يفيض من نفسه، لا ليشتكي، بل ليعطي.
وحدث أنه سار بنفسه على طريق الجلجلة، طريقك، كحقيقة مخفية في عمق الحب نفسه، فوصل العطاء إلى حد الصليب. وها هو لبنان، في هذا الزمن، مثقل بمرارته. ولا يأتي إليك راويًا لمأساته، بل شاهدًا على صلب طويل. وهي لا تقف كأمة فقدت صوتها، بل ككيان أنهكه الصرخات والأنين إلى حد لا يوصف.
ولم يعد مجرد بلد معذب، بل أصبح مرآة للألم عندما يصل إلى ذروته. عندما يتحول الألم من حدث إلى كيان، ومن ندبات إلى هوية. لم يدق صليبه في لحظة واحدة، بل امتد على مدى سنوات طويلة، وكأن كل يوم مسمار جديد، وكل أزمة تثبيت إضافي على وتد لا ينتهي. من الحروب التي لا تنتهي، والمآسي التي تتكرر وتتكرر؛ من الجوع والفقر واليتم والتشرد والهجرة؛ من مجموعات أنهكت روحه، ومن عالم تركه على هامش أولوياته.
مع كل ضربة كان يئن. أصبح جسده مثقوبًا بالانتظار، ومثقلًا بذاكرة لا تنسى ماضيه، ولا تعرف كيف تكون. بين زمن مضى يشرق كالحنين، ومستقبل يختفي كاحتمال، يبقى معلقا، لا ليسقط، بل ليبقى حيث يبدو الزمن نفسه مصلوبا معه.
إلا أنه لم يخرج عن المضمون، لأن الحب فيه لم يمت. تمسك بالسر الخفي، وهو أن الصليب، في أعماقك، ليس نهاية، بل عتبة.
يا يسوع، إن كان لبنان قد صار جلجثة، فذلك لأنه كان محبوباً. وإذا كان قد صلب لمدة طويلة، فذلك لأن محبته لم تتنازل. لم يتخل عن ذلك الحدس الأول بأنك الحب، وأن الوصول إليك لا يكون إلا بالعبور من خلاله.
ومن ثم فإن وطني لا يناشدكم أن تزيلوا صليبه بقدر ما يرجو ألا يفقد غرضه. ألا تتحول هذه المعاناة الطويلة إلى عبث، بل إلى عمل؟ وأن تبقى شرارة المحبة حية فيه، لأنها وحدها القادرة على تحويل الصليب من وتد الموت إلى جسر حياة.
فقوّي المحبة فينا، حتى لا تقوى عليها يد الشر. شعبك يرفع أيديه إليك، متوسلاً إليك المساعدة، لوقف مد هذه الكراهية التي تسكننا وتحيط بنا من حولنا. خطية صارخة ومتنامية لا تشبع من القتل، ولا من الدم، ولا من الدمار والموت.
من أجل هذه الأرض التي أحببتها، مد لنا يدك لنعيد الحب الذي هو لبنان، ونبطل به أفعال كل الطغاة. أخلق فينا نور القيامة، لنعود إليك ونقف في وجه قتلة الحياة. أعطنا يدك لكي نستعيد إنسانيتنا وننهض من هذا الخراب إلى أمل جديد.
لم يكن سرك في الصلب وحده، بل في ما تبعه؛ ولم تكن القيامة إلغاءً للتحدي ولا عودةً إلى ما كان، بل كانت انتقالاً إلى ما لم يكن.
لبنان، يسوع، وهو على الصليب، كان لا يزال يحمل في جراحه بذور قيامته؛ ليس لأن المشقة كافية، بل لأن الحب فيه لم ينطفئ.
بين الصليب والقيامة، يقف في لحظة حاسمة، حيث كل شيء ممكن، إما الغرق في عبث النزيف، أو التدفق إلى جوهره. وفي أعماقه يعرف الطريق. ويدرك أن ما بدأ بالحب لا ينتهي إلا بالحب، وأن القيامة ليست وعدًا بعيدًا.
عندما يولد من جديد، سيكون لبنان قد وصل؛ ليس إلى نهاية بؤسه، بل إلى حقيقته، إلى حبه، إليك. إذن، لم يعد السؤال متى تنتهي الجلجلة، بل متى يولد المعنى منها.
.. وسوف يقوم.

المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها

#لبنان #المحبة. #صليب #نحو #القيامة #صوت #لبنان #صوت #لبنان

لبنان المحبة.. صليب نحو القيامة – صوت لبنان – صوت لبنان

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – لبنان المحبة.. صليب نحو القيامة – صوت لبنان – صوت لبنان

المصدر : www.vdl.me

.