دستور نيوز
جوزيف بدوي
الاثنين 27 يوليو 2026 – 09:25
المصدر: صوت لبنان
كان البحر هادئاً، وبدت بيروت مدينة مسالمة مع نفسها، لا حرب في الأفق، ولا مجاعة، ولا حدود مرسومة على خرائط الشرق.
كان ذلك العام 1913، ولم يكن أحد يعلم أن العالم على بعد أشهر قليلة من حرب تسقط إمبراطوريات، وتخلق أوطاناً جديدة، وتفتح أبواب المجاعة على جبل لبنان.
في تلك اللحظة الهادئة، وقف رجل يرتدي ثوبه الأبوي الأحمر على شاطئ بيروت.
ولم يكن يعظ، ولم يكن يتفاوض. كان ينظر إلى البحر، وربما كان البحر وحده يعلم أن هذا الرجل سيصبح بعد سنوات قليلة أحد صانعي لبنان الحديث.
بعد أكثر من قرن، أعلنت كنيسة الديمان المارونية، في احتفال ديني كبير، تطويب البطريرك الياس الحويك.
وكان الاحتفال مناسبة لاستعادة صفحة كبيرة من التاريخ اللبناني، ولعل أجمل ما سلطته هذه المناسبة على الضوء هو رسم نادر للبطريرك الحويك يعود تاريخه إلى العام 1913.
هي ليست صورة، وليست لوحة مرسومة بعد قيام لبنان. وهو رسم سبق الحرب العالمية الأولى، وسبق المجاعة الكبرى، وسبق ولادة دولة لبنان الكبير. ولهذا السبب يبدو اليوم أقرب إلى وثيقة تاريخية منه إلى عمل فني.
وللرسم قصة لا تقل جمالا عنها، إذ لم تبقى محصورة في رسمها بعد أن نشرتها مجلة لو بيليرين الكاثوليكية الفرنسية في عددها الصادر في 30 نوفمبر 1913. وكان نشرها في حد ذاته رسالة، إذ لم تهتم الصحافة الفرنسية كثيرا بشخصيات الشرق، إلا عندما رأت فيهم ما يتجاوز حدود المكان، وكان الحويك في ذلك الوقت قد أصبح إحدى تلك الشخصيات، رغم أنه لم يكن قد رحل بعد إلى السلام. مؤتمر يحمل قضية لبنان، لكن فرنسا عرفته واحترمته، لدرجة أن البحرية الفرنسية أرسلت له دعوة خاصة للصعود على متن إحدى سفنها الحربية الراسية قبالة مرفأ بيروت.
ولم يكن البطريرك يسافر إلى أي مكان، بل انتقل إلى هذه البارجة من أجل الشرف وحده، وهناك أبحرت البارجة معه قليلاً أمام بقية السفن الحربية الفرنسية التي قدمت له التحية العسكرية.
وهذا النوع من التكريم لم يُمنح إلا لشخصية رأت فيها فرنسا مرجعاً وصوتاً يستحق الاحترام والثقة.
كل هذا قبل أن يحمل الحويك ملف لبنان إلى فرساي، وقبل أن يصبح أحد أبرز الآباء المؤسسين للبنان الكبير.
وعندما وقف في باريس عام 1919، كانت فرنسا تعرفه منذ سنوات.
وبعد بضعة أشهر من الانتهاء من الرسم ونشره، اندلعت الحرب العالمية الأولى. أُغلقت البحار واجتاحت المجاعة جبل لبنان، ومات عشرات الآلاف. خلال تلك السنوات، لم يعد الحويك مجرد بطريرك، بل أصبح ملجأ للناس، وأصبح همه الأول إنقاذهم من المجاعة، وإحضار المساعدات، والدفاع عن بقاء مجتمع بأكمله مهدد بالموت.
وعندما انتهت الحرب، أخذ القضية اللبنانية إلى مؤتمر المصالحة مطالباً بوطن.
ولعل أجمل ما في الرسم أنه التقط لرجل قبل أن يصنعه التاريخ.
ولا نرى فيه القائد الذي عاد من فرساي، ولا البطريرك الذي أشرف على إعلان لبنان الكبير. بدا هادئاً ومتواضعاً، محاطاً بعدد من ضباط الإبحار الفرنسيين، وكأن الزمن حوله لم يبدأ بعد.
لكن الوقت بدأ وغيّر كل شيء.
واليوم، كلما وقعت العين على ذلك الرسم، لا يبدو أن البطريرك هو الوحيد الذي يقف أمام البحر.
بل بدا أن لبنان كله يقف هناك، وهو لم يولد بعد، لكن أحد شيوخه كان ينتظره.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#رسمة #نادرة #له #من #عام #على #شاطئ #بيروت #قبل #ولادة #لبنان. #الحويك #كان #هناك #صوت #لبنان #صوت #لبنان
رسمة نادرة له من عام 1913 على شاطئ بيروت قبل ولادة لبنان.. الحويك كان هناك – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – رسمة نادرة له من عام 1913 على شاطئ بيروت قبل ولادة لبنان.. الحويك كان هناك – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
