.

اراء و اقلام الدستور – زيارة قائد الجيش إلى واشنطن: رمزية الدور ورهان الدولة

سامر الشخشير31 يناير 2026
اراء و اقلام الدستور – زيارة قائد الجيش إلى واشنطن: رمزية الدور ورهان الدولة


دستور نيوز

بقلم الدكتور ابراهيم العرب

في لحظة وطنية دقيقة تتقاطع فيها التحديات الأمنية مع الاستحقاقات السياسية والضغوط الإقليمية، تبرز زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى واشنطن كحدث محوري يتجاوز طابعه الدبلوماسي أو العسكري، ليأخذ أبعادا وطنية ورمزية عميقة، تلخص موقف الجيش اللبناني ودوره المحوري في حماية الكيان والحفاظ على السلم المدني والحفاظ على وحدة المجتمع وهيبة الدولة.

لم يكن الجيش اللبناني، على مدى تاريخه، مجرد مؤسسة عسكرية تقليدية، بل كان دائماً يشكل العمود الفقري للدولة اللبنانية، والملجأ الأخير للبنانيين في أوقات الانقسام والانهيار. ورغم شح الإمكانات وتعقد البيئة السياسية والطائفية، إلا أنه تمكن من الحفاظ على معاييره الأخلاقية العالية وصورته كجيش وطني شامل لا يقف إلا مع الدستور والقانون، ولا يهمه إلا حماية الوطن والمواطن.

ومن هذا المنطلق، تكتسب زيارة قائد الجيش إلى واشنطن أهمية خاصة، لأنها تأتي في وقت حساس للغاية، حيث يواجه لبنان مجموعة من التحديات الحاسمة، أبرزها ملف التفرد بالسلاح، وتثبيت الاستقرار في جنوب وشمال الليطاني، وإعادة تفعيل آليات المراقبة الدولية، والتحضير لمؤتمر دعم الجيش في الخامس من آذار/مارس المقبل. وهي ملفات لا يمكن تناولها أو تنفيذها دون مؤسسة عسكرية قوية ومتماسكة تحظى بثقة الداخل والخارج.

الجيش: صمام الأمان وحارس العيش المشترك

إن الثناء على الجيش اللبناني لا ينبع من دوره الأمني ​​فحسب، بل أيضاً من أخلاقه الوطنية الرفيعة. لقد أثبت الجيش، في أحلك الظروف، أنه صمام أمان للتعايش، وحارس للوحدة الوطنية، وركيزة أساسية في منع الانزلاق إلى الفوضى أو الاقتتال الداخلي. عند كل منعطف، من الحرب الأهلية إلى الأزمات الأمنية المتحولة، ومن مواجهة الإرهاب إلى السيطرة على الشارع في أصعب الظروف الاقتصادية، كان الجيش حاضرا بصلابة وانضباط وتحمل أعباء تفوق قدراته، دون أن يتخلى عن انضباطه واحترامه لحقوق المواطنين.

وتكتسب شخصية قائد الجيش أهمية إضافية في هذا السياق. ويمثل الجنرال رودولف هيكل نموذج القائد الهادئ المتوازن، البعيد عن الشعبوية وحب الظهور، والقريب من هموم الجنود والمواطنين على حد سواء. ونجح في ترسيخ صورة القيادة العسكرية كقيادة مسؤولة، تدرك حساسية المرحلة، وتدرك خطورة أي انزلاق غير محسوب، سواء على المستوى الأمني ​​أو السياسي. وتنعكس أخلاق القائد بشكل مباشر على أداء المؤسسة، وهذا ما يفسر تزايد الثقة الداخلية والخارجية بالجيش ودوره.

دلالات التوقيت ورمزية الزيارة

وتأتي الزيارة في توقيت دقيق جداً، تزامناً مع تحضيرات الدولة اللبنانية للمرحلة الثانية من خطة التفرد شمال نهر الليطاني، مع عقد جلسة حكومية تفصيلية، والتحضير لمؤتمر دعم الجيش. هذه المصادفة تجعل من الزيارة حلقة مركزية في رسم الإطار الدولي الذي ستتحرك الخطة ضمنه، لا سيما أن الولايات المتحدة تبقى اللاعب الأكثر تأثيراً في ملف الدعم العسكري، وفي إدارة التوازنات المرتبطة بالقرار 1701 و«الآلية».

سياسياً، تحمل زيارة واشنطن رسالة واضحة مفادها أن الدولة اللبنانية، رغم ضعفها ومؤسساتها المتعثرة، لا تزال تملك مؤسسة موحدة قادرة على الشراكة مع المجتمع الدولي. الجيش هو العنوان الوحيد الذي يتجمع حوله الشعب اللبناني، وهو الشريك الذي يراهن عليه الخارج لضبط الاستقرار ومنع امتداد الأزمات الإقليمية إلى الداخل اللبناني. ومن هنا فإن اللقاءات التي يعقدها قائد الجيش في العاصمة الأميركية لا تقتصر على مناقشة الدعم العسكري أو اللوجستي، بل تشمل نقاشاً أوسع حول دور الجيش في المرحلة المقبلة، وحدود المهام الموكلة إليه، والإمكانيات المطلوبة لتمكينه من تنفيذها.

وتحمل الزيارة رمزية سياسية تتجاوز شخص قائد الجيش، وتمتد إلى موقف المؤسسة العسكرية نفسها. يتم تقديم الجيش مرة أخرى باعتباره العمود الفقري للدولة، والضامن الوحيد للاستقرار في مرحلة إعادة تعريف «حصرية السلاح» دون الانزلاق إلى صراع داخلي. ومن هنا فإن الحوار المباشر مع واشنطن يهدف إلى إرساء معادلة دقيقة: دعم الجيش وتمكينه من فرض سلطة الدولة، مع الحفاظ على السلم المدني ومنع أي قصف داخلي.

اختبار حدود الدعم الأميركي

وتشكل الزيارة اختباراً لحدود الدعم الأميركي. وتشير المعلومات إلى قرار دولي بدعم الجيش بالمال والعتاد، يقابله تحفظات أميركية على تزويده بسلاح ردع نوعي. هذا التناقض يضع القيادة العسكرية والسياسية أمام تحدي تحويل الدعم «المنقوص» إلى رافعة عملية لتنفيذ المهام الموكلة إليها، لا سيما في ملفات التفرد بالسلاح وضبط الحدود وحماية الاستقرار.

وتزداد رمزية الزيارة في ظل الاستعدادات للمرحلة الثانية من مشروع التفرد شمال نهر الليطاني. وهذه المهمة الحساسة، بأبعادها الداخلية والإقليمية، لا يمكن أن يعهد بها إلا إلى الجيش اللبناني، باعتباره المؤسسة الوحيدة القادرة على تناول هذه القضية من دون استفزاز، ومن دون انحياز، ومن دون تعريض السلم المدني للخطر. لقد أكدت التجارب السابقة أن الجيش، عندما يحظى بالغطاء السياسي والدعم اللازم، يستطيع أن يقوم بمهامه بهدوء ومسؤولية، واضعاً مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

البعد الإقليمي والتفاوض غير المباشر

ولا يمكن فصل الزيارة عن المشهد الإقليمي الأوسع، وخاصة مسار العلاقة الأميركية الإيرانية، واحتمالات التصعيد أو التفاوض. ويبقى لبنان، كما تعترف المرجعيات الرسمية، ساحة متأثرة بشكل مباشر بهذه التحولات، والجيش هو الأداة التي يعول عليها المجتمع الدولي لاحتواء تداعيات أي اضطرابات إقليمية، ومنع البلاد من الانزلاق إلى “حرب دعم” جديدة لا يريدها غالبية اللبنانيين.

كما تحمل زيارة واشنطن بعداً تفاوضياً غير مباشر يتعلق بمستقبل «لجنة الآليات» ودور فرنسا و«اليونيفيل»، في ظل مخاوف لبنانية من محاولات إسرائيلية تعطيلها أو إعادة تشكيلها. ومن هنا، فإن وجود قائد الجيش في العاصمة الأميركية يشكل أيضاً دفاعاً سياسياً عسكرياً عن دور لبنان في هذه الآلية، وضرورة استمرارها ضمانة للاستقرار.

دعم الجيش: ضرورة وطنية وليس خياراً

وفي هذا السياق، فإن دعم الجيش لا يصبح خياراً، بل ضرورة وطنية. إن حفظ الأمن وضبط الحدود ومنع الفوضى وحماية الاستقرار الاجتماعي، كلها مهام مترابطة تدخل في صميم حماية العيش المشترك وهيبة الدولة. وكل إضعاف للجيش، سواء من خلال الضغط السياسي أو عدم دعمه، ينعكس بشكل مباشر على قدرة الدولة على الصمود والاستمرار.

وفي الختام، فإن زيارة قائد الجيش إلى واشنطن ليست زيارة بروتوكولية، بل هي نقطة تحول تحدد حدود ما هو ممكن وما هو ضروري في المرحلة المقبلة. وهي زيارة تلخص رهان الدولة على الجيش، وتختبر مصداقية الدعم الدولي، وتؤسس -إذا أحسنت استثمارها- مساراً تدريجياً يستعيد قرار الدولة، من دون أن يدفع لبنان ثمن مغامرات أكبر من قدرته على الاحتمال. وفي قلب هذا المسار، يبقى الجيش اللبناني، بقيادته المسؤولة وجنوده المخلصين، الضامن الأول والأخير لوحدة الوطن واستقراره وكرامته.

د. ابراهيم العرب

#زيارة #قائد #الجيش #إلى #واشنطن #رمزية #الدور #ورهان #الدولة

زيارة قائد الجيش إلى واشنطن: رمزية الدور ورهان الدولة

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – زيارة قائد الجيش إلى واشنطن: رمزية الدور ورهان الدولة

المصدر : www.elsharkonline.com

.