دستور نيوز
بقلم أيمن الجزيني
“أساس ميديا”
في مقابلة مع CNN، لم يكتف الرئيس جوزف عون بالدعوة إلى الدولة، بل تحدث أيضاً عن سئم الدولة من الدويلة الممثلة حالياً بـ«الحزب». كما تحدث عن توازن القوى الذي حكم لبنان منذ عام 1969 وبداية فقدانه لقدرته على الاستمرار، مجادلاً مع إيران بضرورة التعامل مع لبنان كدولة، داعياً إياها إلى التوقف عن دعم “الحزب” الذي بدا وكأنه بداية فعلية لتحرير لبنان من الاحتلال الإيراني، بعد تحرير الكرسي الرئاسي في قصر بعبدا.
الحوار التلفزيوني مع رئيس الجمهورية لم يكن حديثاً عن حرب تدور في الجنوب، ولم يكن هناك موقف سياسي من «الحزب» أو إيران أو إسرائيل. وأهميته الحقيقية أنه بدا أقرب إلى إعلان رواية سياسية متكاملة عنوانها أن عهد الاستثناء اللبناني يقترب من نهايته، وأن الدولة تحاول للمرة الأولى منذ عقود استعادة موقعها الطبيعي كمرجع وحيد للسيادة وصنع القرار.
1969: السيادة تترك أيدي الدولة
ولعل الجملة الأكثر أهمية في المقابلة بأكملها هي تلك التي قد تبدو عابرة للوهلة الأولى: “لقد سئمنا هذا الوضع منذ عام 1969”. في الواقع، هذه العبارة تلخص نصف قرن من تاريخ لبنان. منذ اتفاق القاهرة عام 1969، بدأ لبنان يعيش تجربة فريدة في العالم العربي: دولة قائمة ومؤسسات قائمة، لكن قرار الحرب والسلام لم يعد بيده، بل بيد منظمة التحرير الفلسطينية.
منذ ذلك الحين، احتلت هذا الموقع قوى مختلفة، من التنظيمات الفلسطينية على ضفتيه، يميناً ويساراً، ثم الاحتلالات والوصايات، وصولاً إلى الهيمنة الإيرانية عبر «الحزب»، بينما ظلت الدولة تعيش في ظل سيادة منقوصة أو موزعة. ولهذا لا يتحدث عون عن «الحزب» كمشكلة منفصلة، بل كحلقة أخيرة في سلسلة طويلة من الظواهر التي أخرجت القرار السيادي من الاحتكار الكامل للدولة.
فهو لا يعلن عن أزمة حزب، بل عن أزمة نموذج سياسي بأكمله.
ولم يكن عون يتحدث كرئيس يحاول التوفيق بين القوى المختلفة أو إدارة التوازنات التقليدية. بل يبدو أنه، كرئيس، يعتقد أن الظروف التي جعلت الاستثناء اللبناني ممكنا لعقود من الزمن بدأت تتآكل. ولهذا السبب كانت تصريحاته حاسمة بشكل غير عادي.
الأفق المسدود
وحين يقول إن «الحزب» لن يحقق أهدافه بالحرب، فهو لا يقدم نصيحة تكتيكية، بل يصدر حكماً سياسياً على استراتيجية كاملة حكمت جزءاً كبيراً من حياة اللبنانيين خلال العقود الأخيرة. وعندما يقول إن إسرائيل لن تحقق أهدافها من خلال الحرب أيضاً، فإنه يصدر حكماً موازياً على الاستراتيجية المقابلة.
وبهذا المعنى، لا يقف عون في منتصف الطريق بين مشروعين متعارضين، بل خارج منطقهما معاً. ويقول إن الحرب نفسها لم تعد قادرة على إنتاج الحلول التي وعد بها طرفاها.
والأكثر لفتاً للنظر هو أن هذه الكلمات لا تأتي من ناشط سلام أو أكاديمي أو دبلوماسي محترف، بل من قائد سابق للجيش ورجل قضى حياته داخل المؤسسة العسكرية. ولهذا تكتسب عبارته أهمية خاصة عندما يقول: الحرب مفاوضات دموية، والمفاوضات حرب غير دموية. هذه ليست جملة بلاغية. إنها خلاصة رؤية رجل عاش الحرب من الداخل.
لكن المقابلة التلفزيونية لم تتضمن انتقاداً لـ«الحزب» وحده، لكنها تضمنت أيضاً أحد أوضح الانتقادات للاستراتيجية الإسرائيلية. وذلك لأن رئيس الجمهورية لم يكتف بالقول إن إسرائيل لن تنجح، بل قدم تفسيراً سياسياً وعسكرياً لذلك.
وبحسب منطقه فإن إسرائيل قادرة على تدمير لبنان، وقادرة على إلحاق خسائر فادحة، بل وقادرة على غزو الأرض. لكنها غير قادرة على تحقيق أهدافها النهائية. والسبب هو أن «الحزب» ليس جيشاً تقليدياً يمكن هزيمته كما تهزم الجيوش النظامية. وهنا، استذكر عون مفهوماً معروفاً في الدراسات العسكرية: الحروب ضد الجهات غير الحكومية لا تحل بالقوة العسكرية وحدها. وهكذا، يوجه عون انتقاداً مزدوجاً: إلى «الحزب» الذي يراهن على الحرب، وإلى إسرائيل التي تراهن على القوة العسكرية وحدها.
«الحزب» وخلاف إيران على التمثيل والحضور
ولعل من أجرأ التصريحات ما قال فيه: «هم الشعب اللبناني، وليس أهل نعيم قاسم». هذه العبارة تتجاوز الجدل السياسي التقليدي. عملياً، يعني أن رئيس الجمهورية ينافس «الحزب» على احتكار تمثيل شريحة واسعة من اللبنانيين. إنها ليست معركة على الأسلحة فحسب، بل أيضاً على الشرعية التمثيلية.
وحين يقول عون إنه يتحدث باسم كل اللبنانيين، بمن فيهم الشيعة الذين التقى بهم واستمع إلى معاناتهم، فإنه يرفض ضمناً فكرة أن يحتكر أي حزب أو منظمة تعبير فئة بأكملها أو يقتصر ذلك على مشروعها السياسي. وهنا تتضح إحدى أهم رسائل المقابلة: اللبنانيون مواطنون قبل أن يكونوا جمهوراً لهذا الحزب أو ذاك.
أما إيران فكان كلامه أوضح مما اعتاد عليه اللبنانيون من رؤسائهم. فهو لم يرفض بيان الحرس الثوري الإيراني فحسب، بل اتهم طهران صراحة باستخدام لبنان كورقة تفاوض في حوارها مع الولايات المتحدة.
لكن الأهم أنه لم يطرح ذلك من موقف العداء لإيران، بل من موقف إعادة تعريف العلاقة معها. بالنسبة له، إيران دولة. وإذا كانت دولة، فعليها أن تتعامل مع لبنان كدولة أيضاً. وتتعمق هذه الفكرة في فلسفة النفوذ التي سادت عقودا من الزمن، لأنها تنقل العلاقة من نموذج «الدولة-التنظيم» إلى نموذج «الدولة-الدولة». إنها دعوة للاعتراف الكامل بالدولة اللبنانية كمرجع وحيد للعلاقات الخارجية.
نبيه بري.. العلامة التي لا ينبغي تجاهلها
وعندما تحدث عون عن محاولاته إنهاء الحرب، لم يكتف بالإشارة إلى ضرورة الحوار أو أهمية التفاوض، بل قال بوضوح إنه يعول على رئيس مجلس النواب نبيه بري، وأن الأخير يؤيد المفاوضات وإنهاء الحرب.
ظاهرياً، قد يبدو ذلك تفصيلاً يتعلق بآلية التواصل مع «الحزب». لكن في العمق يحمل هذا الأمر دلالة سياسية أوسع بكثير. بري ليس شخصية هامشية في النظام اللبناني. وهو أحد أبرز ركائز الحياة السياسية الشيعية منذ عقود، ومن أكثر الشخصيات التزاماً بالمعادلات التي حكمت لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية. ولذلك فإن استحضاره في هذا السياق يحمل معنى يتجاوز شخصه ودوره المباشر.
ما يلمح إليه عون هنا هو أن التحول الجاري في لبنان لا يحدث فقط خارج البيئة «الحزبية»، ولا يقتصر على القوى التقليدية الداعية إلى تعزيز سلطة الدولة، بل بدأ يجد صدى داخل أجزاء من المؤسسة السياسية الشيعية نفسها.
لحظة الدولة بعد نصف قرن
قد يكون من السابق لأوانه القول على وجه اليقين أن لبنان قد دخل مرحلة جديدة إلى الأبد. التاريخ لا يتغير بخطاب واحد أو مقابلة واحدة. لكن ما كشفه الحوار مع عون هو أن ما كان من المستحيل قوله قبل سنوات أصبح ممكناً اليوم.
فرئيس الجمهورية لم يكن يعلن فقط عن عودة الدولة، بل كان يعلن أيضاً أن البيئة السياسية والاجتماعية والإقليمية التي سمحت لقيام الاستثناء اللبناني منذ العام 1969، بدأت تفقد قدرتها على الاستمرار.
وبدا عون رئيساً لا يحاول التكيف مع الجمهورية المزدوجة، بل يعلن انتهاء صلاحيتها التاريخية. وربما لهذا السبب ستُقرأ هذه المقابلة مستقبلاً على أنها أكثر من مجرد موقف من حرب أو حزب أو دولة إقليمية.
ويمكن قراءتها على أنها اللحظة التي قالت فيها الرئاسة اللبنانية بوضوح غير مسبوق إن لبنان لم يعد يحتمل الدولتين والقرارين والشرعية، وأن الزمن الذي بدأ عام 1969 يقترب أخيراً من نهايته.
أيمن الجزيني
#عون #يحرر #بعبدا #من #الاحتلال #الإيراني
عون يحرر بعبدا من الاحتلال الإيراني
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – عون يحرر بعبدا من الاحتلال الإيراني
المصدر : www.elsharkonline.com
