دستور نيوز
ولم يكن النظام الإيراني بحاجة إلى تعديل دستوري أو إعلان صريح بوراثة السلطة حتى ينتقل منصب المرشد الأعلى من علي خامنئي إلى نجله مجتبى. والدستور الذي صاغته الجمهورية الإسلامية بعد ثورة 1979، والذي تم تقديمه على أنه نقيض الملكية الوراثية التي أطاحت بها الثورة، يتضمن في الوقت نفسه آلية تسمح عمليا بانتقال المناصب داخل الأسرة دون مخالفة قانونية مباشرة.
وتقع هذه المفارقة في قلب الجدل الذي أثاره تعيين مجتبى خامنئي. لقد كانت الثورة الإيرانية في المقام الأول ضد الحكم الوراثي للشاه، وقدمت نفسها كنظام قائم على الشرعية الدينية والمؤسسية، وليس على الأسرة الحاكمة. لكن آلية اختيار القائد في الدستور الإيراني تسمح نظريا للابن بأن يخلف والده إذا قرر مجلس الخبراء القيادي ذلك.
الدستور كغطاء للميراث
ولا يتضمن الدستور الإيراني نصاً يحظر صراحة على الزعيم الجديد أن يكون ابناً للزعيم السابق. وتمنح المادة 107 للهيئة القيادية للخبراء صلاحية اختيار المرشد، فيما تحدد المادة 109 شروط المرشح، مثل الكفاءة الفقهية والعدالة والبصيرة السياسية. تتحدث هذه المقالات عن المؤهلات، لكنها لا تشير إلى أي قيد يتعلق بالقرابة العائلية.
وبهذا المعنى، فإن نقل المنصب إلى مجتبى خامنئي لا يمثل انتهاكاً قانونياً للدستور، بل استخداماً لآلياته نفسها. ويتخذ مجلس الخبراء القرار رسميًا، مما يمنح العملية غطاءً مؤسسيًا حتى لو كانت النتيجة السياسية أقرب إلى الخلافة.
ويصف بعض الباحثين هذا المسار بـ”الوراثة الدستورية المقنعة”، إذ لا ينتقل المنصب تلقائيا بالنسب، لكن شبكة النفوذ التي بناها الابن داخل مؤسسات الدولة، وخاصة الحرس الثوري ومكتب المرشد الأعلى، تجعل اختياره يبدو امتدادا طبيعيا للسلطة القائمة.
الدولة العميقة أقوى من الدستور
ويرى الباحث السياسي علي حمادة أن الجدل حول النصوص الدستورية قد لا يكون حاسما في فهم ما حدث. ويقول: «يظل الدستور في إيران في كثير من الأحيان إطارًا رسميًا، في حين يتم اتخاذ القرار الحقيقي داخل نظام السلطة العميق».
ويضيف أن التجارب السابقة تظهر أن النظام الإيراني يتعامل مع الدستور بشكل انتقائي. ويشير إلى أحداث عام 2009، عندما اندلعت احتجاجات واسعة النطاق بعد الانتخابات الرئاسية، عرفت باسم “الثورة الخضراء”، وتم قمعها بعنف، وهو ما عكس – في رأيه – حدود الالتزام الفعلي بالنصوص الدستورية المتعلقة بالحريات السياسية.
وبحسب حمادة، فإن اختيار مجتبى خامنئي جاء نتيجة تقاطع المصالح بين الحرس الثوري وجناح متشدد في المؤسسة الدينية، وليس نتيجة مسار دستوري بحت. ويرى أن مجتبى لا يتمتع بثقل فقهي كبير داخل المؤسسة الدينية، فهو لا يحمل رتبة مرجعية دينية عليا، ما يجعل شرعيته الدينية أضعف مقارنة ببعض رجال الدين الآخرين.
شرعية ضعيفة وسلطة قوية
ويثير نقل منصب المرشد من الأب إلى الابن، بحسب العديد من المحللين، مسألة الشرعية. لا يزال النظام الإيراني قائماً من الناحية القانونية والمؤسساتية، لكن الجدل يدور حول مستوى الشرعية السياسية والشعبية.
ويقول حمادة إن مجتبى خامنئي «يأتي إلى السلطة قوياً من حيث المؤسسات التي تدعمه، لكنه ضعيف من حيث الشرعية». وفي رأيه أن السلطة الفعلية تأتي من دعم الحرس الثوري والأجهزة الأمنية، وليس من القبول الشعبي الواسع.
ويرى أن هذه المعادلة قد تدفع القيادة الجديدة إلى محاولة تحسين صورتها داخليا، ربما من خلال خطوات اجتماعية محدودة مثل تخفيف بعض القيود المتعلقة بالحياة اليومية، في محاولة للحصول على هامش من القبول داخل المجتمع الإيراني.
لكن من ناحية أخرى، قد يعكس هذا التحول مسارًا أعمق داخل النظام. ومع تزايد نفوذ الحرس الثوري داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد، قد تتحول الجمهورية الإسلامية تدريجياً من نظام تقوده المؤسسة الدينية إلى نظام أكثر عسكرة، حيث يصبح الدين إطاراً رمزياً بينما تتولى الأجهزة الأمنية والعسكرية إدارة السلطة الفعلية.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو تعيين مجتبى خامنئي مجرد انتقال شخصي للسلطة، بل مؤشر على تحول في طبيعة النظام نفسه، من ولاية مؤسسية للحقوقي إلى صيغة أقرب إلى السلطة السياسية تديرها شبكة عسكرية دينية متحالفة.
المصدر: وكالات
مواصلة القراءة
#من #ولاية #الفقيه #إلى #ولاية #الابن. #هل #ساعدت #شبكة #النفوذ #والولاءات #في #انتخاب #الزعيم #الجديد
من «ولاية الفقيه» إلى ولاية الابن.. هل ساعدت شبكة النفوذ والولاءات في انتخاب الزعيم الجديد؟
– الدستور نيوز
اخبار العالم – من «ولاية الفقيه» إلى ولاية الابن.. هل ساعدت شبكة النفوذ والولاءات في انتخاب الزعيم الجديد؟
المصدر : www.i3lam-al3arab.com
