ألدستور

في ظل الانتقادات الدولية الواسعة، تواصل إسرائيل محاولة التقليل من أهمية مجزرة بيت الدرج في غزة والتشكيك في عدد ضحاياها، وتحميل فصائل المقاومة المسؤولية عنها، فيما تتبنى الصحافة العبرية ودوائر الرأي العام الواسعة رواية الناطق باسم الاحتلال عنها. حتى الآن، لا يبدو أن ردود الفعل والأصداء الدولية لمجزرة بيت الدرج تجاوزت الثرثرة نحو فرض عقوبات عملية على إسرائيل. لكن بعض المراقبين الإسرائيليين يحذرون من “تدهور موقف إسرائيل على الساحة الدولية”، والغالبية العظمى منهم يتعاملون مع المجزرة بحسابات الربح والخسارة. وفي ظل صدور عدة بيانات عن جيش الاحتلال تحاول تبييض سجله بعد هذه المجزرة التي ملأت مسجد التابعين بدماء الأبرياء، أكدت حركتا حماس والجهاد الإسلامي بشكل قاطع أن المسجد والمبنى بأكمله كان خاليا حتى من جندي واحد، واتهمتا إسرائيل بالكذب والافتراء. الحقيقة أن مجزرة بيت الدرج الجديدة تأتي ضمن سلسلة مجازر ارتكبتها قوات الاحتلال ضد الملاجئ داخل المدارس والمستشفيات والمساجد، وقد كشف بعض أعضاء حكومة الاحتلال، بالتلميح وأحياناً بالتصريح، عن الهدف الخفي وراء مثل هذه الجرائم، من خلال الإشارة إلى ضرورة تهجير أهل غزة والعودة للاستيطان في القطاع، حتى أن وزير التراث عامي إلياهو دعا إلى تحويل غزة إلى منطقة نووية. وإلى جانب خطط التهجير ومحاولة إقناع الغزيين بأن خلاصهم لا يكمن إلا خارج وطنهم، فإن اللافت للنظر أن كل كمين ناجح للمقاومة الفلسطينية في القطاع يتزامن مع ذلك، فكلما قتل وأصيب جنود في عملية نوعية، يأتي الرد الإسرائيلي الانتقامي، فيقتل الأبرياء بأعداد كبيرة. إن مثل هذه الهجمات التي طالت في السابق مسجد التابعين ومستشفى الشفاء ومستشفى المعمدان ومدارس الأونروا، تهدف إلى الضغط على حماس التي يرأسها يحيى السنوار بعد أيام من انتخابه زعيماً للحركة، للخضوع والقبول بالصفقة بشروط مذلة، ومحاولة تحريض الغزيين ضد حماس. وفي ظل المعركة على الرواية بعد كل مجزرة، فإن الكاميرا لا تكذب، وصورها كافية إلى حد كبير لكشف الحقيقة حول إصابة عدد كبير من الأطفال والنساء وكل الأبرياء. لكن هذه الصور الحمراء ومشاهد الدمار والنار، مشاهد يوم القيامة، لا توقف العالم عن الثرثرة، ويكتفي مرة أخرى بالإدانة، وأحياناً بالدعوة للطرفين إلى ضبط النفس، وتحميلهما المسؤولية المشتركة، كما فعل وزير الخارجية البريطاني. إن صفعة على وجه العالم كهذه المجزرة تعني صفعة مدوية للعالم وللإنسانية وللمجتمع الدولي وللوسطاء وللرؤساء والملوك العرب العاجزين عن الاستجابة لنداء الاستغاثة الذي تستنجد به نساء غزة، وطلبهن الحماية، ومنع قتلهن وأطفالهن بالتجويع والحرمان من الطعام والماء، وبالصواريخ “الذكية”. إنها صفعة على وجه الإدارة الأميركية، تكشفها تماماً في ظل الفجوة المروعة بين أقوالها وأفعالها، ودعمها الواسع والمتنوع لإسرائيل دون أن يردع حكومتها أو يوقف الحرب الوحشية المستمرة منذ عشرة أشهر، والتي تكتفي برفع اللوم بتوجيه النقد لوزير المالية الاستيطاني الغائب سموتريتش. فحتى الآن لا تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً حقيقية على إسرائيل، ليس لوقف الحرب، بل لإبرام هدنة عبر صفقة، وكل هذا من أجل حسابات تتعلق بمصالحها في المنطقة والعالم. وتخشى إسرائيل على صورتها في عيون حلفائها في المنطقة إذا ما اضطرت إلى وقف الحرب، فضلاً عن الاعتبارات السياسية والانتخابية الداخلية. فالحكومة والمعارضة شيء واحد، ومحاولة حصر الانتقادات في سموتريتش وأمثاله من المستوطنين السريين، أو حصرها في الحكومة الأكثر تطرفاً، بعيدة كل البعد عن الحقيقة، وهي بالتالي تأطير زائف للصورة العامة، لأن استمرار هذه المجازر المروعة ما كان ليحدث لولا صمت وقبول الأغلبية في إسرائيل. وهذا ما يدركه عاموس هرئيل، محلل الشؤون العسكرية في صحيفة هآرتس، حيث قال اليوم الأحد إن الحكومة والمعارضة عازمتان على تقويض مكانة إسرائيل في العالم، منتقداً معسكر المعارضة، برئاسة يائير لابيد، لعدم اتخاذه موقفاً حازماً مما يحدث. ويعترف هاريل برغبة الإسرائيليين العلنية في الانتقام، موضحاً أن الهجمات على الملاجئ ظاهرة متكررة، والأخيرة هي الأشد قسوة، لكن هذه الضربات تجتذب اهتماماً عاماً محدوداً في إسرائيل، بسبب السابع من أكتوبر، ولأن الجنود المختطفين ما زالوا في غزة. ويتابع هاريل: “لكن في المجتمع الدولي، تجددت الانتقادات لقتل المدنيين الأبرياء، وهو ما يتفق مع الدعوات لفرض عقوبات على إسرائيل، وهو يؤثر على جهود أميركا لإتمام الصفقة. وفي كل ما يتعلق بالساحة الدولية، يبدو أن الحكومة والمعارضة متشابهان: الاستمرار في دفع مكانة إسرائيل إلى الهاوية… ومن الأمثلة على ذلك قضية سجين ساد تيمان”. ومن غير قصد، يتقدم المعلق في صحيفة هآرتس جدعون ليفي، الذي يكتب تغريدات خارج السرب الإسرائيلي، عدة خطوات إلى الأمام، مقارنة بما يقوله هاريل، من خلال الإشارة بإصبع الاتهام المباشر إلى جماهير الإسرائيليين. في مقال له بعنوان ساخر: “مرة أخرى، حدث هذا عن غير قصد”، يقول ليفي إن إسرائيل عادت إلى الادعاء بأن القتل الجماعي لم يكن متعمدًا، “ومرة أخرى أن هذه ليست إبادة جماعية!” ويواصل رسم صورة لسياسة استهداف المدنيين: “هذا ما فعلته إسرائيل في مذبحة قانا الأولى (102 قتيل) خلال عملية “عناقيد الغضب” عام 1996، حيث أنكرت، وقدمت الأعذار، وبعد أيام اضطرت إلى وقف “عناقيد الغضب” في مواجهة الانتقادات والضغوط المحلية والدولية. اليوم، أصبحت إسرائيل دولة مختلفة، وكذلك جيشها… وقلوب الإسرائيليين أكثر قسوة، وهناك بلادة في المشاعر”. وفي افتتاحيتها، تتناول صحيفة هآرتس المذبحة، والحاجة إلى وقف القتل الجماعي للمدنيين داخل غزة، وتقول إنه يجب علينا وقف هذه الحرب والذهاب إلى صفقة تعيد المختطفين والنازحين، وتقلل بشكل أساسي من احتمالات الحرب الإقليمية. العالم هو المتهم! من جهة أخرى، يتبنى العديد من المراقبين الإسرائيليين الرواية الرسمية حول مجزرة الدرج، مثل بن درور يميني الذي يقول في مقال نشر اليوم في صحيفة يديعوت أحرونوت تحت عنوان خبيث “عندما يتحول المسجد إلى مقر عسكري”، إن لم يقم الجيش بضرب هذه المقرات في المراكز المدنية فإن حماس تكون قد انتصرت، وإن قام الجيش بضربها فإن إيذاء الأطفال والنساء يشكل مكسباً كبيراً لحماس على الساحة الدولية. وفي حسابات الربح والخسارة، بدلاً من الإنسانية والأخلاق، يتساءل بن درور يميني: هل كل عملية مبررة ومبررة هي عملية حكيمة؟ ويقول إن ما يحدث على الساحة الدولية هو جزء من الحرب، ويسارع إلى مهاجمة العالم الغربي لانتقاده لإسرائيل، ويزعم أن العالم يجب أن يرى الصورة الكبيرة: إسرائيل في طليعة الحرب ضد الجهاد العالمي. في محاولة لشيطنة المنظمات الفلسطينية، يربطها بتنظيم داعش، ويشير إلى إلغاء حفل الفنانة العالمية تايلور سويفت في فيينا، قبل أيام، ويتابع: “العالم الحر أغمض عينيه ودفع ثمناً باهظاً، ومن المحظور أن يكرر ذلك الآن”. – (وكالات)
غزة تنزف والعالم مشغول بالثرثرة..
– الدستور نيوز