ألدستور

عمان – في هذا الوقت من العام تصدر تصريحات حكومية عن جاهزية الأردن لقمة المناخ التي تعقد سنويا في شهر تشرين الثاني/نوفمبر، إلا أن هذه الخطوة يكتنفها الغموض، إذ لم يتم الإعلان بشكل واضح عن الأجندة التي ستتبناها المملكة في هذا المؤتمر. ورغم أن وزارة البيئة تؤكد دائما أن للأردن أجندة سيتم تنفيذها خلال قمة المناخ، إلا أنها غير معلنة، ولا يتم إطلاع الوفد الأردني المشارك تحت مظلتها عليها، ما يثير تساؤلات الخبراء الذين يحضرون هذا المؤتمر كل عام عن الإنجازات التي حققها الأردن، وتحديدا منذ قمة غلاسكو في عام 2021، التي شهدت الإعلان عن ميثاق عالمي يهدف إلى تسريع وتيرة مكافحة الاحتباس الحراري. ولا يقتصر الأمر على ذلك، فحتى الورقة الرسمية التي أعدتها وزارة البيئة لتحديد توجه الأردن وموقفه من مفاوضات مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي لم تتغير في محاورها، ولا حتى في محتواها منذ القمتين الأخيرتين، بحسب رأي الخبراء. في وقت لم تتمكن الوفود الرسمية من تحقيق إنجازات أردنية في المفاوضات، الأمر الذي أثار مخاوف الخبراء من تكرار هذه المشاهد في كل قمة مناخية إذا لم يتم اعتماد نهج وأجندة فعّالة ومؤثرة في المؤتمرات المقبلة. يتزامن ذلك مع اجتماع عقدته اللجنة الوطنية للتغير المناخي برئاسة وزير البيئة الدكتور معاوية الردايدة قبل أربعة أيام بهدف استعراض أبرز الاستعدادات لمؤتمر الأطراف COP-29 الذي سيعقد في جمهورية أذربيجان. وفي تصريحات لـ«الدستور نيوز»، لم يقدم الوزير الردايدة «رداً واضحاً بشأن عدم الإعلان عن الأجندة الأردنية بالتفصيل قبل قمة المناخ، وخاصة للمشاركين تحت مظلتها». كما لم يحدد البيان ما تم إنجازه ضمن الخطة الوطنية للتكيف مع المناخ والسياسة الوطنية للتغير المناخي اللتين أطلقتا في عام 2022، أو حتى من حيث الاستراتيجيات والبرامج التي أطلقت في وقت سابق. واكتفى الردايدة في البيان المكتوب الذي أرسل لـ«الدستور نيوز» بسرد الخطط والاستراتيجيات التي تم الإعلان عنها سابقاً، لكن دون تحديد ما تم تنفيذه أو لم يتم تنفيذه حتى الآن. وأكد الردايدة في البيان ذاته أن “الوزارة أصدرت تحديثا للسياسة الوطنية للتغير المناخي ووثيقة المساهمات المحددة وطنيا 2021 وأطلقت خطة التكيف الوطنية وتقرير البلاغات الوطنية الرابع”. كما أشار إلى أن “العمل ما زال جاريا لإطلاق استراتيجية طويلة الأمد لخفض الانبعاثات الكربونية وتعزيز المرونة المناخية، مع إعداد دليل السندات الخضراء الذي سيتم اعتماده بالتعاون مع وزارة المالية والبنك الدولي قريبا”. وجدد الردايدة مناقشة “استراتيجية التمويل الأخضر التي أطلقها البنك المركزي سابقا، ومبادرة المناخ واللاجئين التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني في قمة المناخ السابعة والعشرين، ونظام الرصد والتحقيق والإبلاغ، ومسودة الإطار السياسي والتعاوني في الأردن بموجب المادة السادسة من اتفاقية باريس”. وأوضح الردايدة أن “هذه الجهود التي تبذلها الوزارة تأتي تنفيذا للرؤى الملكية بشأن ملف التغير المناخي في الأردن”. ومع اقتراب موعد انعقاد مؤتمر المناخ COP29 في أذربيجان في نوفمبر المقبل، أكد الخبير في السياسات البيئية عمر الشوشان أنه “يجب أن يكون هناك فريق وزاري يمثل كافة المؤسسات الرسمية ذات الصلة، برئاسة رئيس الوزراء، يعمل على إعداد أجندة وطنية أعلى وإعلانها قبل شهرين من المؤتمر”، وأضاف أن هذه الأجندة يجب أن “تناقش من قبل المختصين لإقرارها وإعلانها رسميا، والتعلم من الأخطاء السابقة، لضمان أن تكون مشاركة الوفد الأردني فعالة ومؤثرة ومثمرة في مجال تمويل المناخ”. وأشار لـ«الدستور نيوز» إلى أن “تقييم مشاركة الوفود الأردنية في مؤتمرات المناخ COP29 في السنوات السابقة يعكس بعض التحديات والفرص”. ورغم المبادرة الدولية التي قدمها الأردن بشأن الترابط بين اللاجئين والمناخ، إلا أنها “لم يتم الترويج لها أو استثمارها بشكل كاف كفرصة لتعزيز البنية التحتية، وخاصة في قطاعات المياه والطاقة والزراعة، التي تأثرت بشكل كبير بموجات اللاجئين في المملكة”. وكل هذا برأيه “يضع طبيعة المشاركة الرسمية ومستوى التحضير تحت سيل من الانتقادات والمطالبات بإعادة النظر في آلية اختيار الممثلين من الأردن في القمم المناخية، بحيث تكون لهم علاقة مباشرة ووثيقة بقضايا التغير المناخي، مع ضمان مشاركتهم الفعالة في هذه المؤتمرات”. وشدد على أن “التحضيرات للقمم المناخية يجب أن تبدأ قبل عدة أشهر من انعقاد المؤتمر، لضمان إعداد أوراق مواقف قوية وشاملة تعكس تحديات واحتياجات الأردن المناخية”. ومن وجهة نظر شوشان الذي شارك في معظم القمم المناخية السابقة، فإن “المشاركة الحكومية خجولة ومتواضعة أحياناً، ولا تعكس حجم التحديات التي تواجه الأردن في مجال التغير المناخي، إذ يجب أن تكون الجهود أكثر تنسيقاً وفعالية”. ودعا إلى “ضرورة توفير الدعم السياسي الكافي لملف التكيف مع آثار التغير المناخي، وألا يبقى الأمر مجرد أوراق تعدها جهات دولية نيابة عن الحكومة”. وأوضح أن “حضور جلالة الملك عبدالله الثاني في المؤتمرات كان نقطة مهمة للعمل المناخي، ويمكن أن يشكل فرصة لتعزيز دور الأردن على الساحة الدولية، إذا ما دعمته جهود حكومية فاعلة واستراتيجيات واضحة”. وأكد أن “الأردن لديه فرصة كبيرة لإحداث فرق في مجال العمل المناخي، ولا بد من استثمار هذه الفرصة بتحسين الإعداد والمشاركة في المؤتمرات الدولية بما يعكس التحديات الحقيقية والقدرات الوطنية”. ورغم أن وزارة البيئة قد تضع أجندات عمل بشأن التغير المناخي، إلا أن “تنفيذ ما تتضمنه لا يزال متأخراً ومتواضعاً للغاية”، وهذا ينطبق على المشاركة الأردنية في القمم المناخية التي لم تكن “ضمن مستوى الطموح”، بحسب رئيس مجلس إدارة جمعية إدامة للطاقة والمياه والبيئة الدكتور دريد محاسنة. وأضاف أن “الأردن كان لديه مكتب ضمن أروقة قمتي المناخ “COP 27 و28″، لكن لم تكن هناك أنشطة ينفذها الوفد الرسمي بالتعاون مع القطاع الخاص والعكس صحيح”. وأكد أن “التحضيرات لقمة المناخ المقبلة يجب أن تكون تشاركية بين القطاعين العام والخاص، بحيث يتم التركيز على ملف المياه والتحديات التي تواجه المملكة في هذا المجال”. وأشار المحاسنة الذي شارك سابقاً في قمم مناخية إلى أن “هناك حاجة لعقد اجتماع تحضيري وطني يضم القطاعين العام والخاص لتنسيق الخطوات التي يجب اتخاذها في القمة، والتي لم يتم تحديدها سابقاً في مؤتمرات المناخ”. وأكد أن “أحد القضايا المهمة في ملف التغير المناخي هو تقليل انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، لكن الأردن لم يقلل اعتماده على الوقود الأحفوري في قطاع النقل، مقابل تقليل اعتماده على الطاقة المتجددة”. وعن مشاركة مؤسسات المجتمع المدني ضمن الأجندة الحكومية الرسمية، أكد مدير مرصد طيور العقبة والمتخصص في التغير المناخي فراس الرحاحلة أن “الوفد الأردني المشارك في القمة يضم ممثلين عن جهات رسمية ومنظمات مجتمع مدني، إلا أن هذه المؤسسات لم تلعب أي دور في الأجندة الأردنية في أي من القمم السابقة، إن كان هناك أجندة على أرض الواقع”. ورغم ذلك، وبحسب قوله، فإن “مؤسسات المجتمع المدني كانت تسعى من خلال مشاركتها في القمة إلى تحقيق إنجاز للقطاعات التي تمثلها”. وحول مشاركة الأردن في القمم، قال الرحاحلة الذي يحضر هذه المؤتمرات السنوية بانتظام: “الأردن كونه جزءاً من المجموعة العربية والمفاوضات العالمية قد لا يكون له تأثير كبير على القرارات التي تتخذ في هذه القمم التي لا تشكل منصة حية للنقاش”. وأعرب عن أمله في “أن تكون هناك تحضيرات رسمية وأجندة أردنية واضحة ومعلنة يتم اعتمادها في القمة القادمة، ولكنني لا أستبعد الاستمرار على النهج السابق في المشاركة القادمة”. وأضاف أن “الأردن لديه خطة وطنية للتكيف، وكذلك خطط بيئية في رؤية التحديث الاقتصادي، ويجب أن تكون المشاركة في المؤتمر القادم أكثر تأطيراً لتحقيق الأهداف المرجوة من هذه الخطط”. وبرأيه، “يجب أن تلعب وزارة البيئة دوراً تنسيقياً تشاركياً في إعداد الأجندة قبل القمة القادمة، ويجب إشراك وفود منظمات المجتمع المدني في هذا الإطار كعناصر فاعلة في التنفيذ وفي رفع مستوى مساهمات الأردن المحددة وطنياً”. ولأن الأردن من بين الدول المتأثرة بالتحديات المناخية، “يجب أن تكون خطط التكيف والتخفيف فرصاً تنموية للعديد من القطاعات، وهذا ما لا نراه بشكل ملحوظ”. واستند في رأيه إلى حقيقة مفادها أن “تكاليف الطاقة تشكل تحدياً اقتصادياً كبيراً، لذلك يجب أن نتحول بسرعة إلى الطاقة النظيفة، وهو ما سينعكس على خفض التكاليف وتحفيز الاقتصاد”.
هل كانت أجندات الحكومات في قمم المناخ واضحة وناجحة؟
– الدستور نيوز