ألدستور

عمان – قد لا ينجذب الجيل الحالي إلى الألعاب الشعبية التي كانت في السابق مصدر سعادة وبهجة للآباء، وتشكل ذاكرة مليئة بالحنين ومواقف لا تنسى من طفولة تشكلت بين “أولاد الحارة”. أضف إلى ذلك إعلاناً، لكن الكثير من الآباء يطمحون إلى إعادة تعريف أبنائهم بهذه الألعاب وتعليمهم قواعدها، سعياً إلى تنمية مهاراتهم وإبعادهم قدر الإمكان عن الأجهزة الإلكترونية التي لا تفارق أيديهم. ليس هذا فحسب، بل إن الحرص على الحفاظ على التراث من خلال هذه الألعاب، على الرغم من تقدمها في السن، أشبه بحلقة وصل بين جيلين مختلفين، ووسيلة لإيجاد نقاط تواصل وتحقيق أوقات ممتعة تبقى راسخة في الذاكرة. يحتاج الأطفال إلى ممارسة أنشطة مثل الرياضة والألعاب البدنية والتفاعل الاجتماعي ضمن الألعاب الشعبية القديمة التي تحيي التراث ولها تأثير إيجابي كبير للحصول على فرصة الاستمتاع بتجارب غنية ومفيدة. تعمل هذه الأنشطة على تقوية الروابط الاجتماعية، وتنمية المهارات الحركية والفكرية، بعيداً عن الشاشات التي تقيد الطفل لساعات طويلة دون أي فائدة حقيقية له. هناك العديد من الألعاب الشعبية التي تجذب أفراد الأسرة، مثل لعبة شد الحبل وهي لعبة جماعية تنافسية، ولعبة الحجلة التي تعتمد على رسم المربعات وتلعب بالتناوب وتحريك قطعة حجر بالأقدام، وكذلك (القالول) وهي كرات زجاجية شفافة، تلعب باليد، ويتم حفر حفرة لها ونقلها إليها، ولعبة (الكمستر) أو (التميمة): يلعبها عدد من الأطفال، حيث يدير أحد الأطفال وجهه إلى الحائط ويبدأ العد بينما يختبئ بقية الأطفال، ولعبة (طق طق تقية)، ولعبة الطائرات الورقية، وغيرها الكثير من الألعاب الراسخة. وبحسب خبراء تربويين ونفسيين واجتماعيين، فإن هذه الأنشطة تساهم في تنمية مهارات متعددة لدى الأطفال وتعزز قدرتهم على التفاعل مع العالم الحقيقي، فالرياضة مثلاً تعزز اللياقة البدنية وتعلم العمل الجماعي والانضباط، بينما تفتح الهوايات المجال للإبداع وتنمية المهارات الشخصية، بالإضافة إلى أن التفاعل الاجتماعي يعزز قدرة الطفل على التواصل وبناء علاقات صحية. ومع انخراط الأطفال بشكل كامل في عالم التكنولوجيا الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتهم اليومية، اتجه العديد من الآباء إلى تشجيع أبنائهم على ممارسة الأنشطة البدنية مثل الرياضة والألعاب الشعبية القديمة التي ارتبطت منذ زمن بذاكرة الكبار، بهدف تقليل اعتمادهم على التكنولوجيا. ويوضح محمد العبد الله، وهو أب لطفلين، أنه قرر تسجيل أبنائه في أحد الأندية الرياضية المحلية خلال الإجازة الصيفية القريبة من مكان إقامتهم. ويقول محمد: “لاحظت تغييراً كبيراً في سلوك أبنائي بعد انخراطهم في الرياضة، فقد أصبحوا أكثر نشاطاً وسعادة، وقضاء الوقت مع زملائهم في النادي ساعدهم على تطوير مهارات التواصل والعمل الجماعي”. وينظم محمد وأصدقاؤه فعاليات أسبوعية لإحياء الألعاب الشعبية القديمة مع أبنائهم، بما في ذلك تحفيزهم على النشاط من خلال تقسيمهم إلى فريقين، يضم كل منهما الأطفال وأولياء أمورهم، وتشجيع المنافسة بينهم في اللعب وقضاء وقت ممتع ومفيد معاً. وتقول ليلى سعيد، وهي أم لثلاثة أطفال: “الهوايات والأنشطة الإبداعية بديل فعال لشغل وقت الأطفال بطرق مفيدة”. شاركت ليلى تجربتها في تشجيع أطفالها على ممارسة الرسم والقراءة، حيث لاحظت أن اهتمام أطفالها بالرسم والقراءة جعلهم أكثر هدوءًا وتركيزًا، فبدلاً من قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات، أصبحوا يقضون وقتهم في تطوير مهاراتهم وإبداعاتهم. بالإضافة إلى ذلك، تحاول توفير بيئة غنية لأطفالها بالأنشطة التي تشجع الأطفال على تنويع مصادر الترفيه والتعلم، مما يخلق توازنًا صحيًا بين استخدام التكنولوجيا والانخراط في أنشطة أخرى. ومن خلال توفير مجموعة متنوعة من الخيارات، يمكن للوالدين مساعدة أطفالهم على تنمية اهتماماتهم وجعلهم أكثر شغفًا، مما يساهم في تقليل انجذابهم المفرط للأجهزة الإلكترونية. ومن منظور علم الاجتماع، يقول الدكتور حسين خزاعي إن تشجيع الأطفال على ممارسة الأنشطة التي تعزز التفاعل الاجتماعي وإحياء الألعاب الشعبية القديمة يمكن أن يساهم بشكل كبير في تقليل اعتمادهم على التكنولوجيا، حيث تعمل هذه الأنشطة على تعزيز الروابط الاجتماعية وتنمية مهارات التواصل والتفاعل، مما يقلل من الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات. ويرى أن الألعاب التفاعلية الشعبية، على سبيل المثال، توفر للأطفال فرصًا للتفاعل مع أقرانهم وتساعد على تنمية الإبداع وتعزيز الثقة بالنفس من خلال تحقيق الإنجازات الشخصية. بالإضافة إلى ذلك، فإن بناء العلاقات وتنمية المهارات وتفريغ الطاقة فيما هو مفيد وقيم، وبحسب المعلمة والمشرفة النفسية رائدة الكيلاني، فإن تشجيع الأطفال على ممارسة أنشطة مثل الرياضة والهوايات والتفاعل الاجتماعي والألعاب الشعبية القديمة يمكن أن يحقق فوائد نفسية وعاطفية، ويقلل مستويات التوتر والقلق، ويزيد من إفراز هرمونات السعادة، ويعزز احترام الذات والثقة بالنفس، حيث يشعر الأطفال بالإنجاز عندما يحققون أهدافهم الرياضية. كما تفتح الهوايات باب الإبداع وتعزز القدرة على التركيز والصبر، مما يمكن أن يساعد الأطفال على التعامل مع التحديات اليومية بشكل أكثر فعالية، وممارستها تمنح الأطفال فرصة اكتشاف مواهبهم واهتماماتهم، مما يساهم في بناء هويتهم الشخصية، بحسب الكيلاني. وتشير إلى أن التفاعل الاجتماعي والألعاب الشعبية القديمة تعلم الأطفال كيفية التنافس مع الآخرين بطريقة صحية وإيجابية، وهي فرصة لبناء صداقات قوية ومستدامة، وخوض تجارب حياتية غنية وممتعة، مما يقلل من الشعور بالعزلة.
كيف تحيي الألعاب الشعبية روح التراث والتنافس بين الآباء والأمهات؟
– الدستور نيوز