.

مواطن سلبي وتنمية مفقودة…

دستور نيوز16 يوليو 2024
مواطن سلبي وتنمية مفقودة…

ألدستور

السلبية مشكلة كبيرة يعاني منها الكثير من العرب، ولم تأت من فراغ، بل هي نتيجة إحباط تراكم على مدى عقود من الزمن، مما يقلل من فرص التطور والتقدم والإنتاجية، وقد أثبتت الدراسات أن الإنسان السلبي أقل إنتاجية من غيره، وأن الإيجابية تساهم في فتح آفاق جديدة قادرة على إحداث تطور وتقدم أفضل. هناك عدة أسباب لهذه السلبية، أولها الإحباط والشعور بالظلم، وعدم وجود الفرص الكافية التي تمكن الفرد في الوطن العربي من تحقيق طموحاته، مما يؤدي إلى الشعور بالظلم. بطبيعة الحال، نحن لا نتحدث عن الوطن العربي ككتلة واحدة، فهناك بعض الدول لديها ثروة وتطور أفضل من غيرها، وهناك تفاوت في الثروة حتى داخل الدولة الواحدة، وتاريخنا العربي والإسلامي مليء بالحروب والإحباطات والاستعمار والغزو، والعديد من القضايا التي أصبحت راسخة في العقل الجمعي العربي، مما يجعله يشعر بالخوف الدائم. في واقع الأمر، يعاني العالم أجمع بشكل أو بآخر من هذا التاريخ، فالتاريخ العالمي مليء بالحروب، ويكفي الرجوع إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية لمعرفة مدى المأساة التي يعيشها الناس، والظلم الذي يتعرضون له عندما يصبح القتل منتشراً ومباحاً. وهذه القصص والمشاهد لا تغيب عن الأجيال الجديدة، لا بالصورة ولا بالسماع. وفي الآونة الأخيرة عانى المواطن العربي من مشكلة عدم حل القضية الفلسطينية بشكل عادل، والاحتلال الصهيوني الطويل الأمد لفلسطين، والأحداث الأخيرة في غزة، والعدوان على الشعب الفلسطيني. وقد ترسخ في المواطن العربي أنه مستهدف ومُحتقر في العالم أجمع، فما يحدث هناك غير مسبوق تاريخياً، ومع ذلك فإن ردود الفعل العالمية ضعيفة. ومن ناحية أخرى فإن إصابة إسرائيلي واحد تثير ضجة، في حين أن قصف المستشفيات والأطفال وقتل النساء واغتصابهن لا يشكل جرائم حرب، على الأقل على المستوى الإجرائي الحقيقي، ناهيك عن عدم وجود إجراءات حقيقية لوقف هذه المأساة. وهناك أسباب أخرى للسلبية والإحباط، منها التوزيع غير العادل للثروات داخل الدول العربية ذاتها، وعدم نشر إنجازات التنمية وفق معايير مهنية في أحيان أخرى، مما يؤدي إلى الشعور الدائم بالظلم. وهناك قضية أخرى يعاني منها المواطن العربي وهي عدم الثقة بالحكومات والمسؤولين في بعض الأحيان، فحتى لو جاء مسؤول نظيف وعمل بشكل جيد، فإن العقل لا يستطيع أن يستوعب وجود من يعمل بشكل صحيح، وهذا يؤثر على الإنتاجية والتنمية ويعيق التقدم. ونحن نعلم أن وطننا العربي الكبير يحتاج إلى إعادة تأهيل وتغييرات كبرى لوضع قطارنا على سكة التنمية والتقدم. وفي الوقت نفسه، لا يمكننا أن ننكر التقدم والتطور الذي حدث في العديد من المجالات، ولكن يجب أن نتحدث عن المشاكل القائمة حتى نصل إلى حل. وأعتقد أن إرساء الديمقراطية الحقيقية القائمة على التدرج، ونشر الحرية والتسامح، سيكون بمثابة الأرض الخصبة التي يمكن من خلالها بناء الإيجابية في المواطن العربي. ويجب أن يصاحب ذلك تغيير في المناهج الدراسية للتركيز على التفكير النقدي وكيفية قراءة الواقع بشكل صحيح. أحياناً يشعر الإنسان بالإحباط والظلم دون أن يكون هناك ظلم حقيقي، لأن بعض الناس لا يعرفون حدودهم، أي لا يدركون أن لهم حقوقاً وواجبات، وأن هذه الحقوق محدودة ومبنية على الإنجازات. هناك فئات من المواطنين في العالم العربي يعتقدون أنهم يجب أن يحصلوا على كل شيء دون أن يقدموا أي شيء، وقد يكون هذا على أساس التفوق القبلي أو الطائفي، أو ربما يكون هذا الشخص من فئة اعتادت الحصول على الامتيازات دون أن تقدم أي شيء لأوطانها، وهذا جزء من المشاكل التي تعاني منها بعض الدول العربية، حيث نشأت طبقة تعيش على الامتيازات، وأصبحت تعتقد أنها فوق البشر، ولها كل شيء، دون أن تتحمل أي واجبات. أما قراءة الواقع، فهذا جزء من النجاح المنشود في وطننا العربي، فإذا تعلم المواطن قراءة الواقع بشكل صحيح، فإن التغييرات الإيجابية التي يمكن أن تحدث في المجتمع ستجد الدعم والصدى، وإلا فإن أي جهد لتغيير الواقع سيقابل بالتشكيك والسلبية والعبث. في وطننا العربي لا يسعنا إلا أن نفكر ملياً في الأخطاء التي ارتكبناها، والخطأ الأكبر هو الاستبداد الذي ترسخ في عقول الناس، فالمواطن العادي يكون أحياناً مستبداً، وإذا كان في السلطة فهو ظالم حتى على مستوى بسيط. علينا أن ننشر العدل والتسامح والديمقراطية، وأن نجد طريقاً نستطيع من خلاله أن نوصل الناس إلى المسؤولية والمناصب العليا لمن يستحقها، بعيداً عن أي معيار، وأن نؤسس لمعايير الكفاءة بدلاً من الولاء، وإلا فإننا سنخسر القيادات القادرة على إحداث التنمية الحقيقية والوصول بنا إلى مصاف الدول، ناهيك عن ضرورة الإيمان بالعلم والإنفاق على البحث العلمي. نحتاج الكثير في وطننا العربي للوصول إلى ما نريد، وهناك إنجازات ملموسة في العديد من الدول العربية، على المستوى المحلي والعربي، ولكن يجب أن نعلم أننا مازلنا عند نقطة لا نرضى عنها، وأننا يجب أن نصل دائماً إلى الأفضل. علينا أن نغير السلبية، بمعنى أن ننتقد بإيجابية، وفي نفس الوقت نراقب التطور والتقدم، وبدلا من الشكوى والتذمر نصل إلى مرحلة إجرائية نساهم فيها جميعا في تحقيق التطور المطلوب، وهذا يقع على عاتق الحكومات والشعوب على حد سواء، فالحكومات يجب أن تخطط وتنشر العدل بين الناس، والناس يجب أن تقبل المشاريع وتغير نفسها وتبدأ في تطوير نفسها وتقبل نتائج التقدم والتطور، يجب أن نكون مواطنين حقيقيين بحقوق وواجبات في حدود معلومة، ونقبل الاختيار وفق المعايير، ونزيل المحسوبية والمحاباة والفساد من حياتنا، وإلا سنبقى في حلقة مفرغة ولن نتطور أبدا، المواطن العربي طيب، وإنسان كأي مواطن في العالم، يحب الحياة، ويجب أن يحصل على الأفضل، وهذا ليس ببعيد عنا – إن شاء الله -.

مواطن سلبي وتنمية مفقودة…

– الدستور نيوز

.